
التطوّع وتمكين الأشخاص الصم… مسؤولية حقوقية تتواصل على مدار العام
بقلم: د. غسان شحرور
في عالم يقدَّر فيه عدد الأشخاص الذين يعانون من فقدان سمع بدرجات مختلفة بأكثر من 430 مليون شخص عالميًا، ولا يزال كثير منهم يواجه حواجز يومية في الوصول إلى المعلومات والخدمات والمشاركة العامة، لم يعد التطوّع خيارًا أخلاقيًا إضافيًا، بل ضرورة حقوقية ملحّة تستند إلى مبادئ المساواة وعدم التمييز، وتنهض على الإيمان بأن العدالة لا تُمنح، بل تُبنى بتكاتف الجهود.
يأتي العام الدولي للمتطوّعين 2026 ليؤكد هذه الحقيقة، ويعيد تعريف التطوّع بوصفه ركيزة أساسية في تعزيز الحقوق الإنسانية والتنمية الشاملة. ويتزامن ذلك مع «أسبوع الأصم العربي الواحد والخمسين»، الذي يشكّل محطة سنوية للانتقال بقضايا الأشخاص الصم من دائرة التوعية إلى فضاء التمكين الفعلي، انسجامًا مع الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ومع تطلعات مجتمعات تسعى إلى أن تكون أكثر عدلًا وشمولًا.
منذ عام 1974، شكّل «أسبوع الأصم العربي» مساحة عربية مشتركة لتعزيز الوعي بحقوق الأشخاص الصم. وقد تشرفتُ، على مدى سنوات، بالمساهمة في تنسيق فعالياته في عدد من الدول العربية، حيث قامت معظم أنشطته — وما تزال — على جهود تطوعية خالصة، تقودها في كثير من الأحيان جمعيات الأشخاص الصم أنفسهم.
هذه التجربة الممتدة تؤكد أن التطوّع ليس نشاطًا موسميًا، بل بنية مستدامة للعمل المجتمعي القائم على المشاركة والتمكين، وأن الأشخاص الصم ليسوا موضوعًا للتطوّع، بل شركاء أساسيون في قيادته وصناعة أثره.
أولًا: التطوّع كأداة حقوقية لتعزيز المساواة
التطوّع، في جوهره، ليس مجرد عمل خيري، بل ممارسة حقوقية تسهم في إزالة الحواجز، وتوسيع فرص الوصول، وتعزيز المشاركة. وقد لعب المتطوعون دورًا حاسمًا في تطوير خدمات الترجمة بلغة الإشارة، ودعم التعليم الدامج، وإتاحة المعلومات، وتوسيع برامج التأهيل المجتمعي — وهي جميعها عناصر أساسية لتحقيق المساواة الفعلية، وإعادة الاعتبار لحق الإنسان في أن يكون جزءًا من مجتمعه.
وليس هذا المسار جديدًا في السياق العربي؛ فقد شكّل الإعلان العربي حول التطوّع (2001) — الذي شاركتُ في تنسيقه ضمن عمل إقليمي مشترك — خطوة متقدمة في ترسيخ فهم التطوّع كجزء من منظومة العدالة الاجتماعية. واليوم، يمنح العام الدولي للمتطوّعين هذا التوجّه بعدًا حقوقيًا أكثر وضوحًا وارتباطًا بالمعايير الدولية.
ثانيًا: الأشخاص الصم… شركاء وقادة في العمل التطوعي
لا يمكن تناول التطوّع في سياق حقوق الأشخاص الصم دون التأكيد على دورهم القيادي. فالأشخاص الصم ليسوا متلقّين للخدمات، بل فاعلون أساسيون في تصميم المبادرات وتنفيذها وتقييمها.
إن مشاركتهم المباشرة — بمختلف أعمارهم وخبراتهم — تجسّد مبدأ «لا شيء يخصّنا من دوننا»، وتفتح آفاقًا حقيقية لبناء القيادة المجتمعية وتعزيز المواطنة الفاعلة، وتمنح العمل التطوعي صدقه وعمقه.
وقد أثبتت جمعيات الأشخاص الصم، عبر عقود، قدرتها على تنظيم العمل التطوعي، وتأهيل المتطوعين، وإطلاق مبادرات تُسهم في تغيير الصور النمطية وتوسيع دائرة المشاركة، مما يجعلها شريكًا محوريًا في أي مسار حقوقي وتنموي، وركنًا أساسيًا في بناء مجتمع أكثر إنصافًا.
ثالثًا: لغة الإشارة… حق وليست خدمة
تؤكد الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما في موادها المتعلقة بإمكانية الوصول وحرية التعبير، أن لغة الإشارة حق أساسي، وليست مجرد وسيلة تواصل.
إن تعزيز حضور لغة الإشارة في الإعلام، والتعليم، والخدمات العامة — بما في ذلك المبادرات التطوعية — يشكّل شرطًا جوهريًا لتحقيق المساواة الفعلية، وضمان المشاركة الكاملة للأشخاص الصم في الحياة العامة، وإزالة ما تبقى من حواجز صامتة تعيق اندماجهم.
رابعًا: التطوّع ضمن إطار حقوقي دولي
يتقاطع التطوّع مع عدد من الحقوق الأساسية التي نصّت عليها الاتفاقية، من أبرزها:
• إتاحة الوصول
• حرية الرأي والتعبير والوصول إلى المعلومات
• التعليم الدامج
• المشاركة في الحياة العامة
• المشاركة الثقافية والرياضية
وفي ظل التحول الرقمي المتسارع، تتضاعف أهمية التطوّع في تطوير حلول مبتكرة — مثل المحتوى المترجم بلغة الإشارة والمنصات الرقمية الميسّرة — بما يسهم في تقليص الفجوة وتعزيز الشمول.
فعلى سبيل المثال، يمكن لمبادرات تطوعية رقمية موجّهة — كترجمة محتوى صحي موثوق إلى لغة الإشارة ونشره عبر المنصات الرقمية — أن توسّع الوصول إلى المعرفة بشكل فوري وواسع النطاق، وتسهم في سد فجوات حرجة في الحق في المعلومات، وتمنح المعرفة حقها في الوصول إلى الجميع.
خامسًا: نحو تعبئة مجتمعية مستدامة
لكي يتحول التطوّع إلى قوة دافعة للتمكين، لا بد من بناء شراكات متكاملة تشمل:
• جمعيات الصم: قيادة المبادرات التطوعية وتعزيز بناء القدرات
• وسائل الإعلام: ضمان الوصول، خاصة عبر الترجمة بلغة الإشارة
• الجهات الحكومية: إدماج التطوع في السياسات العامة
• القطاع الخاص: دعم الابتكار والتوظيف الدامج
• المؤسسات التعليمية: ترسيخ ثقافة التطوع والحقوق
• المجتمع: تعزيز قيم التضامن والمشاركة
هذه الشراكات ليست ترفًا، بل شرطًا بنيويًا لخلق بيئة حقوقية تضمن المساواة وتكافؤ الفرص، وتمنح العمل التطوعي جذوره العميقة واستدامته.
نحو أثر مستدام
إن تحويل التطوّع من مبادرات موسمية إلى مسار مستدام يتطلب رؤية واضحة، وتنسيقًا فعّالًا، والتزامًا طويل الأمد. فكل مبادرة — مهما بدت محدودة — يمكن أن تُحدث أثرًا حقيقيًا عندما تندمج ضمن إطار حقوقي شامل يستثمر في الإنسان وقدراته، ويعترف بدور الأشخاص الصم كقادة وشركاء في التغيير.
ختامًا
في العام الدولي للمتطوّعين، تتأكد حقيقة لا تحتمل التأجيل:
إن تمكين الأشخاص الصم ليس مسألة مبادرات موسمية، بل اختبار لصدق التزامنا بالعدالة.
والتطوّع، حين يُبنى على الحقوق والشراكة، لا يغيّر حياة الأفراد فحسب — بل يعيد تعريف المجتمع نفسه، ويمنحه فرصة ليكون أكثر إنصافًا وإنسانية.
**************



ساحة النقاش