
المكتبات: الحارس الصامت لذاكرة الشعوب
بقلم د. غسان شحرور
في عالم يمكن فيه أن تُمحى مدنٌ في لحظة، قد تبدو الكتب أشياء هشّة. لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير: حين تضيع المكتبات، لا تضيع الكتب فقط، بل تضيع صفحات من ذاكرة الشعوب نفسها. فالمكتبة ليست مبنى ولا رفوفًا، بل فضاء يحفظ ما عاشته المجتمعات، وحارسٌ صامت لذاكرتها في وجه ما تحاول الظروف أو الصراعات محوه أو إسكات صوته.
تحتفل المنطقة العربية بيوم المكتبات كل عام، وغالبًا ما يتركّز الحديث على أهمية القراءة أو دور الكتاب في نشر الثقافة. لكن ما يغيب أحيانًا هو الدور الأعمق للمكتبات: كونها مؤسسات تحفظ الذاكرة الجماعية، وتساهم في تحقيق ما يمكن تسميته بالعدالة المعرفية.
المكتبات بوصفها ذاكرة حيّة
الذاكرة الجماعية ليست فكرة مجردة؛ إنها الوثائق والصور والمخطوطات والشهادات التي تشكّل هوية الناس. عبر التاريخ، لعبت المكتبات العربية هذا الدور بطرق متعددة: من مكتبات الوقف في المدن القديمة، إلى مكتبات الأسر العلمية، وصولًا إلى مكتبات الجامعات والمؤسسات الثقافية. كل واحدة من هذه المكتبات كانت تحفظ جزءًا من قصة المكان والإنسان.
ولهذا فإن الذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة إنسانية. فالشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على فهم حاضرها وصياغة مستقبلها. وفي هذا المعنى، تصبح المكتبات حارسًا صامتًا للذاكرة الجماعية، تحفظ ما قد يضيع في ضجيج الأحداث وتقلبات التاريخ.
العدالة المعرفية: من يملك الحق في أن تُروى قصته؟
العدالة المعرفية تعني أن تكون المعرفة متاحة للجميع، وأن تكون قصص الناس المختلفة ممثَّلة في الذاكرة العامة. فلا تقتصر المعرفة على ما تكتبه المؤسسات الرسمية أو ما يدوّنه الأقوياء، بل تشمل أيضًا تجارب الفئات التي كثيرًا ما تُهمَّش في التاريخ.
حين تقوم المكتبات بدورها الكامل، تصبح مكانًا تُحفظ فيه روايات النساء، واللاجئين، وذوي الإعاقة، وكبار السن، وسكان المناطق الريفية، والأقليات اللغوية والثقافية. حفظ هذه القصص ليس عملاً أرشيفيًا فقط، بل هو فعل إنصاف يمنح هذه الفئات حقها في أن تكون جزءًا من الذاكرة المشتركة للمجتمع.
تجربة بلاد الشام: ذاكرة تتكلم عبر التعاون
من بين التجارب التي أكّدت لي شخصيًا أهمية المكتبات في حماية الذاكرة، كانت مشاركتي كمنسق عام في الندوة السابعة لجمعيات المكتبات في بلاد الشام (دمشق، 4–5 تموز/يوليو 2000)، وما تلاها من ندوات واجتماعات مهنية.
في تلك اللقاءات، لم تكن المكتبات مجرد مؤسسات منفصلة، بل كانت أشبه بشبكة حيّة للذاكرة، تتبادل الخبرات وتبحث عن طرق مشتركة لحماية التراث المعرفي بكل أشكاله—الورقي والشفوي والرقمي. لقد أظهرت تلك اللقاءات أن التعاون بين المكتبات ليس رفاهية مهنية، بل ضرورة للبحث عن أفضل السبل لحماية ما تبقى من الذاكرة العربية، ولضمان إتاحتها للجميع، لا لفئة محدودة من الباحثين والقراء.
كانت تلك الندوات تذكيرًا مهمًا بأن الذاكرة لا تُحمى بالجهود الفردية وحدها، بل بالشراكات، وبالإيمان بأن المعرفة حقّ عام وليست ملكية مغلقة.
تحديات تواجه المكتبات العربية
رغم هذا الدور الحيوي، تواجه المكتبات العربية تحديات كبيرة، من أبرزها:
• ضياع الأرشيفات خلال الحروب والنزاعات.
• غياب سياسات وطنية واضحة لحماية الوثائق والمخطوطات.
• ضعف البنية الرقمية وصعوبة الوصول إلى المحتوى.
• محدودية الفهرسة والإتاحة للباحثين والجمهور.
وقد شهدت المنطقة العربية أمثلة مؤلمة على ضياع الذاكرة الثقافية. ففي أوقات النزاعات، فقدت مكتبات وأرشيفات كثيرة وثائق لا تقدّر بثمن، ما يعني أن أجزاءً من التاريخ الاجتماعي والثقافي اختفت إلى الأبد.
ومن بين هذه الخسائر، يبرز ما تعرّضت له مكتبات غزة من دمار واسع خلال الحرب، بما حملته من كتب ووثائق وصور وأرشيفات عائلية وثقافية. لم يكن الدمار ماديًا فقط، بل كان محوًا لطبقات كاملة من الذاكرة الفلسطينية التي وثّقت حياة الناس وتاريخ المدن ومسارات التعليم والثقافة. ورغم فداحة الخسارة، لم تحظَ هذه الذاكرة المدمّرة بالاهتمام الذي تستحقه، وكأن فقدانها حدثٌ عابر لا يمسّ هوية شعب بأكمله.
هذا المشهد يعيد إلى الواجهة ما ناقشناه في ندوات بلاد الشام منذ عام 2000: أن حماية الذاكرة مسؤولية مشتركة، وأن غياب التعاون بين المكتبات يجعل فقدان الذاكرة احتمالًا واقعيًا، كما حدث في غزة.
الرقمنة: فرصة لإنقاذ الذاكرة
التحول الرقمي يفتح بابًا واسعًا أمام المكتبات العربية لحماية الذاكرة وإتاحتها على نطاق أوسع. فالمكتبة لم تعد مكانًا مغلقًا، بل فضاءً معرفيًا مفتوحًا يصل إليه الباحث أو الطالب أو القارئ من أي مكان في العالم.
لكن الرقمنة ليست مجرد مسح ضوئي للكتب. إنها عملية توثيق وتنظيم وإتاحة تحترم حقوق الناس وكرامتهم، وتسعى إلى توزيع المعرفة بشكل أكثر عدلاً. وقد نجحت مبادرات عديدة حول العالم في بناء أرشيفات رقمية تحفظ الذاكرة وتتيحها للجميع. ويمكن للعالم العربي أن يستفيد من هذه التجارب ليبني بنية رقمية مشتركة تحمي تراثه الثقافي من الضياع.
المكتبات كمساحات للإنصاف الثقافي
حين تُفتح أبواب المكتبات للجميع، تتحول إلى أكثر من مخازن للكتب. تصبح فضاءات للحوار الثقافي، ومنصات تسمح بإعادة قراءة التاريخ من زوايا متعددة. هناك، يمكن أن تُسمع أصوات لم تتح لها الفرصة من قبل لكتابة روايتها، وهناك أيضًا يمكن للمجتمع أن يعيد اكتشاف ذاته عبر الوثائق والقصص التي حفظتها الذاكرة.
بهذا المعنى، تصبح المكتبات أدوات لحماية الهوية الثقافية وتعزيز التنوع المعرفي.
خاتمة
حماية المكتبات ليست عملاً ثقافيًا فقط، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الماضي والمستقبل معًا. فالمكتبة التي تحفظ وثيقة قديمة لا تحفظ الماضي وحده، بل تحرس أيضًا حق طفل لم يولد بعد في أن يعرف من كان قبله، وكيف تشكّلت القصة التي ينتمي إليها.
وفي يوم المكتبات العربية، يبقى السؤال الأهم:
كيف نمنح مكتباتنا القدرة على أن تظل شاهدة على قصتنا، وحارسة لذاكرتنا، وجسرًا حيًّا بين ما كنّا وما نريد أن نكون؟
__



ساحة النقاش