أخيراً وقع المحذور، ونفذت الحكومة ما في رأسها، فأقدمت على تحرير أسعار الأسمدة التي لا يمكن الحديث عن أي تطوير لزيادة الإنتاج بدونها.

لقد أوقفت الحكومة أولاً، توزيع ما لديها من أسمدة خلال فترة، كانت كافية لإيهام الفلاحين بأن مؤسسات الدولة ذات العلاقة قاصرة وغير قادرة على تأمين الأسمدة اللازمة للموسم الزراعي الحالي، وبالتالي لا بد من اتخاذ ما يلزم لتأمينها.
وليس سوى القطاع الخاص القادر على القيام بذلك، وكان لسان حالها يقول: لقد فشلت الدولة في قيادة العملية الزراعية، والقطاع الخاص هو المنقذ، فلنتوجه إليه نستعطفه ونحفزه ليقوم بهذه المهمة المصيرية. وهكذا أقرت اللجنة الاقتصادية تحرير الأسعار، وعلى ضوء ذلك أصدر المدير العام للمصرف الزراعي التعاوني تعميماً بتاريخ 1/4/2009 حدد فيه الأسعار الجديدة لجميع أنواع الأسمدة بزيادات كبيرة تفوق التصور.
والجدول التالي يبين الفوارق ونسب الزيادة

 
نوع السماد السعر القديم السعر الجديد الفرق نسبة الزيادة%
سوبر فوسفات 46% 8160 22900 14740 193%
يوريا 46% 8900 18000 9100 102%
نترات الأمونيوم 33.5% 6500 15400 8900 137%
نترات الأمونيوم30% 5800 8800 3000 52%
سلفات البوتاس50% 12500 57500 45000 357.65%
 

يتبين من هذا الجدول أن الزيادة في الأسعار تراوحت بين 52 و 358% والسؤال هنا: ماذا سيحل بالزراعة وكلفة الإنتاج، التي يسعى العالم كله إلى دعمها وتخفيض كلفة إنتاجها، وهذا ما يجري الحديث عنه في بلدنا سورية.
بنظرة سريعة إلى رفع أسعار المحروقات وتحرير أسعار الأسمدة، مع ما رافق ذلك من ارتفاع في أسعار البذار ومواد المكافحة والعمليات الزراعية من فلاحة ومكافحة وغرق وركش ونكش وجني ونقل.. إلخ، نجد أن الخط البياني لكلفة الإنتاج يتصاعد باستمرار، وكأن واقع الحال يقول: إن الخطة المرسومة تهدف إلى زيادة التكلفة لا إلى تخفيضها، مما يتناقض مع الطموحات العالمية وطموحاتنا نحن.
فما هي الحكمة من كل ذلك!
يقال إن صندوق الدعم الزراعي سيعوض على الفلاحين قيمة الزيادة الناشئة عن تحرير أسعار هذه المستلزمات، وبالتالي لن يخسر الفلاح شيئاً.
إن مثل هذا الإجراء جيد وضروري، ولكن ماذا سيحل بالزراعة وكلفة الإنتاج: هل تتجه نحو الانخفاض أو نحو الارتفاع، ثم إذا كانت الأسمدة قد حررت أسعارها، وأصبح بإمكان القطاع الخاص استيرادها وبيعها للفلاحين، فإلى جيوب من سيذهب الدعم الحكومي! هل يكون الفلاح هو المستفيد، أم التاجر!
بادئ ذي بدء نقول: إن التسعيرة التي أعلنتها الدولة لمختلف أنواع الأسمدة أكبر من أسعارها في السوق السوداء، ولما كانت غير متوفرة في مراكز المصارف الزراعية، فإن فارق الأسعار هذا سيذهب هدية ثمينة قدمتها الحكومة مسبقاً إلى تجار الأسمدة على حساب فلاحينا البؤساء.
أما الدعم المقدر بـ 8000 ليرة سورية عن كل هكتار مزروع فعلياً في المساحات المرخصة فإن الفلاح لن يستفيد منه شيئاً، لأن المبلغ الذي يتقاضاه لاحقاً عن طريق هذا الدعم، يكون قد دفعه عند شرائه الأسمدة، وبذلك يتساوى الدعم مع المصروف ليصبح الربح صفراً.
ثم إذا كانت الحكومة هي المستورد والموزع حالياً لهذه الأسمدة، فلماذا هذه التعقيدات والالتفاف على المزارع، إنها والحالة هذه ستأخذ منه ما أعطته، بعد أن تكون قد دفعت من حسابها جميع نفقات التوزيع والسداد وإجراءاتهما، فتزيد من خسارتها خسارة دون أن يحصل الفلاح على أية فائدة.
المصيبة الكبرى هي: إذا رفعت الدولة يدها لاحقاً عن استيراد الأسمدة وأطلقت بذلك يد القطاع الخاص، باستيرادها وبيعها، فإن من الصعب ضبط أسعارها وتحديدها، ذلك أن للقطاع الخاص أساليبه في الاستيراد والتسعير بشكل يحقق أكبر ما يمكن من الأرباح، فالمستوردون عادة يقدمون أكثر من بيان عن أسعار مستورداتهم، فهناك بيانات تقدم إلى الدوائر الجمركية لتحسب الضرائب والرسوم على أساسها، وهناك بيانات أخرى وبأسعار أعلى تقدم عند تحديد أسعار بيعها في السوق، فعلى أي البيانات تحدد الحكومة دعمها، ففي كل الحالات يذهب الدعم كله إلى جيوب التجار وتقع الخسارة على الفلاح أولاً وعلى الحكومة ثانياً.
هذا بالنسبة لبعض المحاصيل الزراعية، المعروفة بالمحاصيل الاستراتيجية/ قمح ـ قطن ـ شمندر سكري) والمحاصيل المسماة رئيسية، والتي سيطولها الدعم. ولكن المحاصيل الزراعية ليست هذه فقط، فهناك عشرات من المحاصيل الأخرى التي ستحلق كلفتها إلى السماء، ومن المستحيل التعويض عنها بوساطة السوق. فالأسعار في السوق تخضع للعرض والطلب، والسوق لا يأبه للتكلفة وإذا صادف أن أخذت بالحسبان في بعض الأوقات، فإن المستهلك هو الذي يتحمل ارتفاع الأسعار، وبالمحصلة فإن المنتج والمستهلك هما الخاسران والرابح الأول والأخير هو التاجر والموزع.
وبالحساب البسيط يتضح لنا ما سيحصل عليه تجار الأسمدة من أرباح خلال زيادة الأسعار.
إذا كان إنتاج الطن من القطن يحتاج إلى نحو 4 دونمات من الأرض وسطياً، فإن إنتاج 800 ألف طن المقررة في الخطة يلزمها 240 ألف هكتار، يُدعم كل هكتار بمبلغ 8000 ل.س، وبضرب 240 ألف × 8000 ل.س = 1.920 مليار وتسعمئة وعشرون مليون ليرة سورية، تذهب كلها إلى جيوب القطاع الخاص. أي إن الدعم ذهب إلى تجار الأسمدة عن طريق المنتجين الزراعيين، فلماذا هذا الكرم الحاتمي، ولماذا لا تعود هذه الأرباح إلى خزانة الدولة لتزيد من رصيد صندوق الدعم الزراعي ليشمل محاصيل ومحاصيل جديدة.
مما سبق ذكره نرى أن قرار اللجنة الاقتصادية بتحرير أسعار الأسمدة جاء في مصلحة القطاع الخاص، وأن الدولة تخلت عن دورها الرعائي، وعن شعار العدالة الاجتماعية وعن قرار المؤتمر العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، شعار (اقتصاد السوق الاجتماعي).
إن إصدار قرار ما يجب أن يسبقه تفكير دقيق في نتائجه المتعددة الجوانب، فهل فكرت اللجنة الاقتصادية في مستقبل الزراعة والإنتاج الزراعي في حال قلّ استخدام الأسمدة بسبب تحرير أسعارها!
لقد بينت تجربة العقود المنصرمة، أن استخدام الأسمدة في زراعة القمح المروي، قد رفعت إنتاج الدونم إلى أكثر من الضعفين ليصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة أضعاف، ومثل ذلك في القطن.
والآن وبعد تحرير أسعار الأسمدة وتقديم الدعم على أساس الهكتار المرخص والمزروع فعلياً، فإن الفلاحين الذين يجدون أن لا فائدة تذكر لهم من الدعم، وأنهم غير قادرين مستقبلاً على شراء الأسمدة في أوقاتها، سيقللون من استخدام الأسمدة، وقد يعزفون كلياً عن استخدامها، أملاً بالحصول على مقدار الدعم دون إنفاقه، وخصوصاً في زراعة القمح، والنتيجة انخفاض إنتاج الهكتار، وتناقص ملموس في الإنتاج العام، مما يهدد أمن البلاد الغذائي، الذي ينصبُّ اهتمام المجتمع بأكمله على تحقيقه صيانة وحفظاً لمعيشة الشعب، وللقرار السياسي المستقل.
هذا جانب من نتائج قرار اللجنة الاقتصادية بتحرير أسعار الأسمدة، وهناك جوانب أخرى يشير إليها بإيجاز وكان من الضروري التفكير بها مسبقاً، ومنها:
1ـ إن الممارسات السابقة التي قامت بها الدولة في القطاع الزراعي، من تأمين لمستلزمات الإنتاج مكنتها من الإشراف المباشر على هذا القطاع سواء من حيث التخطيط له والمساهمة في تنفيذ هذه الخطط، إن من حيث المساحات أو الإنتاج أو التسويق والتسعير، فكانت كأنها شريك في العملية الزراعية كاملة. أما وقد تخلت عن دورها هذا، وحصرته في القروض والدعم حالياً، وتركت كل ما سواهما للقطاع الخاص، فإنها لم تعد قادرة على رسم الخطط الزراعية ومراقبة تنفيذها، لأن الزراعة هنا ستسير بخطاً فوضوية لا ضابط لها ولا رقيب، ويصبح للقطاع الخاص المتحكم بتأمين مستلزمات الإنتاج الباع الواسع في التأثير عليها، بشكل يخدم مصالحه الذاتية غير آبه بالدولة والمجتمع.
2ـ بينت سنوات الجفاف الأخيرة أنه نتيجة لتدني دخول الفلاحين من الزراعة، ترك كثيرون منهم هذا القطاع وهاجروا في عرض البلاد وطولها، يبحثون عن عمل يعيشون منه. وإن استمرار تدني دخول المزارعين سيزيد من هذه الهجرة لتصبح الأرض وزراعتها في مهب الرياح.
3ـ إننا مقدمون على الدخول في الشراكة الأوربية، ومن المفروض أن نستعد لتأمين صادراتنا إلى هذه البلدان بنوعية جيدة وكلفة رخيصة وبدون ذلك تستحيل المنافسة.
ومعروف أنه يجري على النطاق العالمي مبدأ دعم الزراعة ومنتجاتها، نظراً لطبيعة الاقتصاد الزراعي وتأثره بالعوامل الطبيعية، وكون قيمة الإنتاج فيه تحدده إنتاجية أسوأ الأراضي لا أخصبها، فكيف سيكون حال منتجاتنا الزراعية في ضوء ارتفاع كلفة إنتاجها؟! لا شك أنها ستكون في أسوأ حال ولن تصمد أبداً في الأسواق الخارجية، مما سيلحق الأضرار الكبيرة بإنتاجنا ومنتجينا.
4ـ تخفيض كلفة الإنتاج، هذا هو الشعار العالمي، أما عندنا فالشعار معكوس إنه شعار زيادة كلفته، وهذا ما أقرته الدولة علناً عندما اعترفت بأن الكلفة ستزداد في هذه المحاصيل 2.3ل.س للكيلو غرام و2.4 ل.س في غيره، وهكذا.
إنه العجب العجاب.
5ـ إن تحرير أسعار مسلتزمات الإنتاج الزراعي أفقد الدولة، دورها الرعائي، وأصبح شعار العدالة الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي في مهب الرياح.
إننا بحاجة إلى وقفة مسؤولة، نفكر في حاضرنا ومستقبلنا، فلا نتسرع ولا نجعل زراعتنا ميداناً للتجارب، إن للاقتصاد الزراعي وللعدالة الاجتماعية قوانينها، فلندقق بكل خطوة نخطوها كي لا نندم حين لا ينفع الندم.

المصدر: صحيفة النور
alwaha100

Al Waha Company

  • Currently 135/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
45 تصويتات / 449 مشاهدة
نشرت فى 7 مارس 2010 بواسطة alwaha100

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

14,961