عمد الأسد الأب قبيل انقلابه عام 1970، على السيطرة على ثلاث مؤسسات رئيسة في الدولة، وهي الأمن والجيش وحزب البعث، والتي كانت الفاعل الرئيس في تثبيت سلطته طيلة العقود اللاحقة لذلك،

مع توسيع سيطرته على الطائفة العلوية تدريجياً، حتى حلول أحداث ثمانينيات القرن الماضي، والتي استطاع من خلالها تعزيز فكرة استهداف الطائفة من قبل محيطها، وتوظيف ذلك لتحويل الطائفة إلى أحد أهم أذرع الأسد الأب في تسيير شؤون البلاد، مع تصفية كافة معارضيه داخل الطائفة ذاتها خشية من استنهاضهم للوعي الوطني.

وقد عملت هذه المؤسسات الأربع على ضبط الحراك الإداري والسياسي في البلاد، يردفها من الخلف مجموعة مؤسسات عديدة تخدم الغرض الأساس من إنشائها، وهو توطيد الحكم الاستبدادي، وتأطير طاقات الدولة في هذا المنحى.

فيما تراجع دور حزب البعث تدريجيا، نتيجة عدة عوامل، من أهمها تآكل دوره الوظيفي لدى السلطة، وتضخم عضويته غير المنتجة، وتلاشي التهديدات الداخلية بعد إحكام السيطرة على البلاد عام 1982. لتبقى المؤسسات الأمنية والعسكرية والطائفية هي الأكثر فاعلية في تسيير الشأن السياسي والأمني. على أن عملها جميعاً كان ينبع في الأساس من رأس السلطة (الأسد الأب)، فهي بمثابة أذرعه القيادية للدولة.

ومع رحيل الأسد الأب، أصبحت هذه المؤسسات دون قائد يوجه أداءها، فغدت منفردة مستقلة بذاتها، ومع تعدد رجالات الأسد الأب القادرين على تولي منصبه، كان من الممكن نشوب صراع بين هذه المؤسسات على السلطة، غير أن توافقاً على شخصية الأسد الابن كوريث للسلطة، هو ما أوقف ذاك الصراع حينها.

وعلّ هذا التوافق نابع من أن معظم قيادات المؤسسات الأمنية والعسكرية (باستثناء مصطفى طلاس) يستند إلى المؤسسة الطائفية والتي لعبت دوراً في كبح جماح صراع كان من الممكن أن يدفع بالسلطة خارج هذه المؤسسات. وعليه تم التوافق على شخصية الأسد الابن كمركز توازن لهذه المؤسسات لا أكثر، دون أن يكون قادراص على أداء دور والده في ضبط هذه المؤسسات وتوجيه سلوكها منفرداً.

إدراك الأسد الابن ومحيطه العائلي لمعادلة التوازن هذه، دفعتهم لانتهاج سياسة الحد من سلطان هذه المؤسسات تدريجياً وببطء شديد، وإفساح المجال أمامهم للانشغال بصفقات الفساد بعيداً عن السلطة، في مقابل تشكيل لوبي عائلي بين آل الأسد وآل مخلوف مع بعض رجال الأعمال، للسيطرة الاقتصادية والسياسية على البلاد دون الاحتكاك بمراكز القوى، والتي تم تنحية العديد منها على مر سنوات عشر.

ومع اندلاع الثورة في سورية، لم يكن هذا اللوبي قادراً بمفرده على إدارة الصراع مع الثورة، ليتم اللجوء إلى المؤسسات الثلاث ثانية، وإطلاق يدها هذه المرة في قمع المظاهرات وتصعيد استخدام السلاح، لتبدأ المؤسسة العسكرية بالتفكك مع أولى الانشقاقات التي توالت لاحقا وبزخم مرتفع. ومعه بدأ انكسار أول أركان هذا النظام. فيما اندمج الركنان الآخران (المؤسسة الأمنية، والطائفة) كركن واحد في مواجهة الثورة السورية.

وقد سرّع الأسد الابن من هذا الاندماج عبر ضخ أعداد كبيرة من شبيحة الطائفة في أجهزته القمعية، اعتقاداً منه أن الحالة العصبوية الطائفية، هي التي ستعزز أركانه وتدفع به إلى مزيد من الصمود، وخاصة أنه مع تلك الانشقاقات العسكرية، قد فقد الثقة في ولاءات الآخرين من خارج هذه العصبة، مما قد يدفع بالمزيد من أركانه من خارج هذه العصبة إلى الانشقاق.

بل إن الطوق العصبوي الذي يسعى النظام لفرضه، شهد تصدعات داخلية عدة، على الأقل على مستوى نخب فكرية من تلك التي كانت وما تزال رافضة لهذا الطوق ولهذا المنطق، مما قد يدفعه للتحول في لحظاته الأخيرة إلى حالة عصبوية عائلية مع بعض التحالفات المحدودة. في دفاع عن مصالح شخصية، وخشية من المحاسبة عما ارتكبوه خلال الأعوام السابقة.

وإن كان النظام قد لجأ إلى التدليل على منهجيته عبر حالات فردية لاستهداف أفراد بسبب انتمائهم للطائفة العلوية، فإن النظام نفسه قد استهدف الطائفة مذ سيطرته على الحكم قبل أربعة عقود، في مقابل دعوات ما تزال قائمة منذ انطلاق الثورة السورية تحث كل أطياف المجتمع للانضمام إلى صفوفها، بمن فيهم الطائفة العلوية باعتبارها أحد المكونات الرئيسة للمجتمع السوري، وليست طائفة النظام فحسب.

وإن كان البعض يخشى من محاكمات لاحقة لمن تورط في قتل السوريين، فإن تلك المحاكمات ستطال كافة المجرمين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية. ولعل حسن تعامل الجيش الحر مع المناطق ذات التنوع الديمغرافي، وامتناعه عن استهداف القرى الموالية للنظام، دليل واضح على صدق الثورة السورية في سعيها لتوحيد كافة الصفوف لإسقاط النظام.

المصدر: الشبكة العربية العالمية: عبد القادر نعناع
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 45 مشاهدة
نشرت فى 19 فبراير 2013 بواسطة alsanmeen

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

756,010