|
هذه هي الديمقراطية
وموقف المسلم ممن يحكم بغير ما أنـزل الله وأحكام السفر إلى بلاد الكفار والإقامة بينهم
تأليف فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر دار الحلية للنشر والتوزيع |
|
عبدالرحمن بن حماد العمر 1423هـ الطبعة الأولى 1424هـ حقوق الطبع محفوظة إلا لمن أراد طبعه وتوزيعه مجاناً |
|
رقم الإيداع: 5506/1423 ردمك: 9-360-43-9960 |
|
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر العمر, عبدالرحمن بن حماد هذه هي الديمقراطية - عبدالرحمن بن حماد العمر الرياض: 1423هـ 80 ص 14×21سم ردمك: 9- 360 - 43 – 9960 1- الديمقراطية أ- العنوان ديوي: 21403234 5506/1423 |
|
دار الحلية للنشر والتوزيع الرياض: 11468 ص.ب: 34156 تلفاكس: 2660047 |
الإهداء
* إلى رؤساء وشعوب العالم الإسلامي.
* إلى رؤساء وشعوب العالم أجمع.
* إلى كل من يريد أن يعرف ما يحيط به من مؤامرات ومكائد.
* إلى كل ديمقراطي وعلماني وبعثي وقومي يريد النجاة.
* إلى الجميع أهدي كتابي:
هذه هي الديمقراطية
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة من الكتاب
لما رأى زعماء صهيون عدم قبول أكثر الناس للماسونية([1]) تقمصوا الديمقراطية وصاروا ينشرون الفكر الماسوني باسمها فكانت النتيجة تطبيق التعاليم الماسونية بجعلها أسساً للديمقراطية وفي مقدمتها:
1- فصل الدين عن الدولة وتشجيع ما أحدثه زنادقة اليهود وعلى رأسهم ابن سبأ ومؤسسو الدولة الفاطمية([2]) من بني القدّاح من الشرك والبدع باسم التوسل بالصالحين والتشيُّع لآل البيت والمتمثل في بناء الأضرحة والمساجد على قبورهم, وجعل السدنة لها وربط المسلم الجاهل بالولي أو شيخ الطريقة يعبده بدعائه والاستغاثة به والاعتقاد فيه بأنه ينفع ويضر ويعلم الغيب ويدبر الكون, وشجع أولئك الزنادقة التصوف الباطل وأحلوا مشائخ طرقه محل رجال الكنيسة في القرون الوسطى, وفرح بذلك المستعمر الكافر وشجعه وحافظ عليه الحكام المتفرنجون الماسونيون لأنه هدم للإسلام الصحيح.
2- أعطوا الحرية الشخصية للذكر والأنثى إذا بلغ ثمانية عشر عاماً, فليس لوليِّه الحق في منعه عن الزنى واللواط وشرب الخمر والكسب الحرام كالربا والقمار وثمن الخمر وأجرة الزنى والسحر.. إلخ. وفي الرأي لِكُلٍّ أن يعلن رأيه ويدعو إليه إذا كان قبيحاً هداماً.
أما في السياسة ففيما يسمح به الحكام الماسونيون فقط, وذلك كله يجري باسم الديمقراطية.
مقدمة مهمة
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله, والحمد لله الذي أكمل لنا الإسلام وجعله أفضل الشرائع وأتم علينا به نعمته ورضيه لنا ديناً.
والصلاة والسلام على خير خلق الله وخاتم أنبيائه ورسله نبينا محمد الذي أرسله الله إلى الناس جميعاً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.. فلا خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها إياه, وقال:((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك))([3]), وقال:((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض))([4]).
أما بعد: فقد سبق أن ألفت كتاباً طبع عام 1387 هـ, بعنوان ((هذه هي الاشتراكية)) بينت فيه من مراجع موثقة وواقع ملموس معنى الاشتراكية وحقيقتها وزيف الشعارات المرفوعة لها, وبينت فيه براءة الإسلام منها, وبينت المعنى الصحيح للنصوص القرآنية والحديثية التي تأولها دعاة الاشتراكية واستدلوا بها كذباً وزوراً على اشتراكيتهم الباطلة.
والآن وقد أقر الله سبحانه وتعالى – وله الحمد والمنة – أعين المؤمنين به وبدينه ورسوله, بل وأعين من اكتووا بنار الشيوعية والاشتراكية من غير المسلمين بسقوط هذا المبدأ الهدام تحقيقاً لسنة الله سبحانه وتعالى في سقوط كل مبدأ وكل نظام([5]) يخالف الإسلام الذي هو دين الحق والفطرة والصراط المستقيم, والذي لا يقبل الله سبحانه من أحدٍ ديناً سواه:((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ))([6]).
الآن.. أرى من الواجب علي وعلى كل عالم وكاتب إسلامي يؤمن بما أوجب الله سبحانه عليه من الدعوة إليه سبحانه وتعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي لإنقاذ الإنسانية عامة والأمة الإسلامية خاصة من أسباب الهلاك والشقاء.. أرى من الواجب المحتم: أن نبين للناس جميعاً حكاماً ومحكومين خطراً عظيماً يتهددهم بهلاك عقدي وأخلاقي واجتماعي واقتصادي وصحي.. يتهددهم بشقاء محتوم لكل من وقع في شراكه وسار في ركاب الواقعين فيه.. هذا الخطر العظيم هو ما يسمى بـ(الديمقراطية), ذلك المبدأ الهدام الذي ادعى الأخذ به بعض حكام المسلمين تبعاً للغرب.. بل وانخدع به بعض أدعياء الفكر الإسلامي كما انخدعوا هم وأمثالهم السابقون بالاشتراكية فدعوا إليها ونسبوها إلى الإسلام ظناً آثماً منهم أن الديمقراطية تتفق مع الإسلام فيما يتعلق بالحكم وحرية العقيدة والرأي والكسب والتملك في حدود ما يسمح به الإسلام! وفاتهم أن يعرفوا أن ما قصدوه لا مكان له في الديمقراطية مثل ما أنه لا مكان له في العلمانية, وأنه لا حرية في الديمقراطية والعلمانية إلا في الفساد العقدي والخلقي والاجتماعي والمالي والقولي ذلك الفساد الذي يحرمه الإسلام أشد التحريم ويكفر من يستحله, لأنها حرية مطلقة لا تقف عند حد, ولا تتقيد بخلق ولا فضيلة, ولا تفرق بين حلال وحرام ولا بين شرف وعار ولا بين كفر وإيمان ولا بين صالح وطالح.. فهي تأخذ من كل وضع اجتماعي ما يتمشى مع نظامها بصرف النظر عن صحته أو فساده حتى المجتمع الحيواني نظر إليه منظّروها في الغرب فلم يرق لهم من طباعه سوى دياثة الخنـزير ورضاه بمشاركته في أنثاه, فأخذوا بهذا الخلق ومنعوا في أنظمتها تدخل الإنسان الشريف الغيور في محارمه لكي يمنع ابنته أو ابنه أو من له الولاية عليه من ارتكاب جريمة الزنا أو اللواط إذا كان بلغ سن الثامنة عشرة _ مثلاً _ بل لقد وصل الانحطاط الخلقي والرذيلة ببعض الدول الغربية حتى سمحت في أنظمتها للزوجة أن تزني ومنعت زوجها أن يمنعها من ذلك, أو يقيم ضدها الدعوى رغم تحريم ذلك عند الكنيسة والإذن بطلاق الزانية, ولم يبقَ مع النظام الديمقراطي من رصيد في عالم الإنسانية سوى منع الاعتداء على الغير, وهذا المنع فيه من الضعف والفشل الذريع ما جعله سبباً في تشجيع ذلك الاعتداء والعودة إليه من قبل المجرم بمجرد خروجه من السجن الذي يجد فيه الراحة والأكل والشرب واللهو, والمشاهدات التلفزيونية الهابطة والمغامرات المشجعة على السطو والقتل والخطف والسرقة وتحدي السلطات والاستهتار بها. ويكفي العاقل لكي يحكم على الديمقراطية والعلمانية ربيبتي الماسونية بالفساد الشامل والكفر البواح, وأنها دمار للدين والدنيا, وأنها ستنتهي وتزول: أنها صارت منذ الثورة الفرنسية ضد الكنيسة مطية للماسونية.. لأن الماسونية احتضنتها وجعلتها شعاراً لها ليسهل قبول الناس للماسونية.. فصار الماسونيون ينفذون باسم الديمقراطية والعلمانية جميع مخططاتهم الهدامة والتي رسموها في((بروتوكولات حكماء صهيون))([7]) التي أجمعوا عليها في مؤتمر ((بال)) بسويسرا المنعقد سنة 1897م, وكل ذلك يجري وينفذ تحت الشعار الماسوني ((إخاء, حرية, مساواة)).
وفيما يأتي في فصول هذا الكتاب المبارك: التعريف والبيان لهذا المبدأ الهدام أعاذنا الله وجميع المسلمين منه ومن كل سوء ومكروه, وهدى الواقعين فيه صراطه المستقيم.
الفصل الأول([8])
1- تعريف الديمقراطية.
2- منشؤها.
3- مفهومها القديم.
4- مفهومها الحديث.
5- تقمص الماسونية لها ووضعها لنظامها العالمي الحديث.
6- سبب سكوت رجال الدين النصراني عنها وعيشهم في ظلها.
7- سبب محاربة رجال الفكر الإسلامي الصحيح لها وتحذير الأمة الإسلامية خطرها.
8- جبهات حرب الماسونية للإسلام.
1- تعريف الديمقراطية
كلمة (ديمقراطية) مجموعة من كلمتين هما: ديموس ومعناها:(الشعب) والكلمة الثانية: كراتوس ومعناها:(السلطة) أي سلطة الشعب.
ومعناها:(حكم الشعب بالشعب) أو (حكم الشعب للشعب) وكلمتا (ديموس كراتوس) يونانيتان معناهما ما تقدم ذكره.
2- نشأة الديمقراطية ومفهومها القديم والحديث:
وفكرة الديمقراطية فكرة قديمة موغلة في القدم.. فقد تحدث عنها أفلاطون وقال:((إن مصدر السيادة: هو الإرادة المتحدة للمدينة)) أي الشعب.
ووصفها أرسطو في بيانه أنواع الحكم الثلاثة: الملكية والأرستقراطية والجمهورية, وصفها أي الديمقراطية بأنها الجمهورية.
أي الشعب الذي يتولى زمام أموره بنفسه.
وقد طبقت هذه الفكرة في بعض المدن اليونانية كأثينا ثم قضى عليها الإقطاع الذي ساد أوربا لقرون طويلة.
أما مفهوم الديمقراطية الحديث والذي يعبر عنه واقعها الملموس وأنظمتها فهو كما يعبر عنه بعض العامة الغيورين على دينهم ومحارمهم:((كل مفعول جائر)) أي السماح من قبل السلطة بكل قبيح محرم في شتى المجالات شريطة التراضي وعدم الاعتداء.
وينساق مع هذه المعاني مقولات بعض مفكري الغرب عن الديمقراطية([9]), فقد قال (جير دباري) عن الديمقراطية بأنها: أن تقول ما تشاء وتفعل ما يقال لك. أي أنها تسمح بالكلام ولكنها دكتاتورية في الأفعال.
وقال (غاستون دوكا فايه): الديمقراطية هي الاسم الذي نمنحه للشعب في كل مرة نحتاج فيها إليه. (أي أنها مجرد خداع للشعوب).
من سلبيات النظام الديمقراطي المعمول به في الغرب وفي قليل من دول آسيا وأفريقيا:
1- تَفَرُّق الشعب الذي يحكمه النظام الديمقراطي وانتشار العداوة بين أفراده نتيجة تعدد الأحزاب لأن كل حزب يبث الدعاية لنفسه ويذم الأحزاب الأخرى ويعيبها([10])؛ من أجل أن يجمع له أنصاراً يكثر بهم أصوات الناخبين لمرشحه لكي يصل بذلك إلى الحكم. فإذا توصل ذلك الحزب إلى الحكم قرب رئيسه الحاكم أفراد حزبه وأسند إليهم المناصب الهامة في الدولة بطرق مباشرة وغير مباشرة بل إن رئيس الحزب يكون له أصدقاء من أحزاب أخرى يتفق معهم سرياً على السير معه في المنهج السياسي الذي ينتهجه فيعينهم في بعض الوظائف المهمة ليرضي أحزابهم بذلك وليكونوا كسباً له في تطبيق سياسته المخالفة لسياسة الأحزاب الأخرى فيصيد بذلك عصفورين بحجر واحد.
2- اختلاف وجهات نظر الأحزاب في نظام الحكم بما في ذلك السياسة الداخلية والخارجية العامة والخاصة وهذا يؤدي إلى مفاسد كثيرة منها: إضاعة مال الدولة وضعف مواردها ومنها عدم ثقة رجال الأعمال والمزارعين وأصحاب المصانع والشركات بالحاكمين لهم لاختلاف تصرفاتهم تجاههم. ومنها: عدم ثقة الدول الأخرى بها لأن أي دولة مجاورة أو بعيدة لا تقدم على إبرام اتفاقية أو معاهدة مع ذلك الحزب الحاكم وفي علمها أنه سيتولى غيره من الأحزاب وهي تختلف معه في سياسته.
3- تكثر المشاكل السياسية داخلياً وخارجياً وتكثر الجرائم على اختلافها, بل إن بعض أفراد الأحزاب الأخرى المناوئين للحزب الحاكم يقومون بطرق سرية بتنظيم أعمال الشغب والإجرام ويدعمون ذلك بطرق غير مباشرة لكي يشوهوا سمعة الحزب الحاكم مما يسرع بالإطاحة به, وبهذه السلبيات وغيرها مما لم نأت على ذكره يفقد الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي في الدولة التي يحكمها النظام الديمقراطي أو العلماني, كما هي الحال في أوربا وأمريكا على الرغم مما في قوانينها الأساسية من ضوابط تلزم في الظاهر جميع الأحزاب الأخذ بها.. لأنه لا بد من تجاوزات تمليها المطامع والأهواء وتنفذها السلطة الحاكمة.
هذا بالنسبة للدول الآخذة بالنظام الديمقراطي.. أما بالنسبة للجمهوريات في الدول العربية ومن حذا حذوها فإن نظام الحكم السائد فيها هو نظام الحكم الدكتاتوري بأسوأ معانيه بدليل أن سجونهم مليئة بالأبرياء الصالحين المؤمنين الداعين إلى الخير والإصلاح من المسلمين المتمسكين بالإسلام المطالبين بتحكيم شرع الله سبحانه, بل قد وصل كفر أولئك الحكام العلمانيين المدعين للإسلام نفاقاً إلى إعلان الحرب ضد الإسلام وأهله ومنع وجود حزب إسلامي, ومن سمح بوجوده منهم إن ما يسمح بوجوده اسماً بدليل أنه إذا فاز في الانتخاب ولو بالأغلبية الساحقة لكون الشعب مسلماً يريد حكم الإسلام فإن فوزه يلغى ويتدخل الجيش معلناً الحكم الدكتاتوري الطاغي ضد الإسلام وأهله في أبشع صوره كما حصل في تركيا وفي الجزائر وغيرهما.
وما يدعيه حكامها من الأخذ بالنظام الديمقراطي فما هو إلا كذب وتضليل لشعوبهم إلا في الإباحية والفساد وحرب الإسلام وأهله فإن الغرب يسمو عنهم في ذلك ويعطي للأقليات المسلمة بعض حريتها وكرامتها.
أهم أسباب تقمص اليهود الماسونيين للديمقراطية والعلمانية وانتشار الماسونية باسمهما:
لما ضاق الناس بالإقطاع وبالكنيسة ذرعاً في أوروبا وصار القسيسون والرهبان يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله وينكرون كل جديد في الكشف وإن كان حقاً بل ربما قتلوا صاحبه, ويلعبون بالناس فينصِّبُون أنفسهم آلهة تمثل الله في الأرض وتنوب عنه سبحانه في التوبة عن المذنب, ويعطون صكوك الغفران والإقطاع في الجنة مقابل استسلام العامة لهم, يفعلون بهم ما يشاؤون من أخذ أموالهم واستباحة نسائهم وتسخيرهم في خدمتهم. وكل ذلك باسم الدين واللاهوت الأمر الذي مكَن رجال الماسون اليهود من إقناع رجال الجيش ورجال الفكر بضرورة التحرك الثوري ضد هذا الجور والظلم والاستبداد ودوس كرامة الإنسان, وكان أكثر ذلك التحرك في فرنسا مما أدى إلى قيام الثورة الفرنسية رافعة الشعار الذي وضعه الماسونيون وهو:(الحرية والإخاء والمساواة) وصار الثوار يقتلون الحكام والقسس؛ بل بلغ بهم الحنق إلى خنق الحاكم الإقطاعي بأمعاء القسيس حتى يموت لذا كان نظام الإقطاع وفساد الكنيسة أول وأعظم أسباب تقمص الماسونية للديمقراطية والعلمانية, وجعل هذا الاسم يحل في الظاهر محل اسم الماسونية لعلمهم بعداء العالم لليهود ولمعرفة الكثيرين أن الماسونية مذهب يهودي أريد من ورائه السيطرة على العالم والقضاء على جميع الأديان ما عدا الدين اليهودي فلما رفعوا شعارهم باسم الديمقراطية أو العلمانية بالنسبة لمن يتسمى بها والتي أوهموا الناس أنها الحرية والإخاء والمساواة التي يراد تحقيقها عن طريق الانتخاب وحكم الشعب بالشعب وجدوا لهم قبولاً وانتشرت الماسونية في العالم انتشار النار في الهشيم.
وأما سبب سكوت رجال الدين النصراني عن المذهب الديمقراطي (الماسوني) فذلك لأنهم رضوا من الغنيمة بالإياب؛ لأن الكنيسة هي السبب الأول في قيام الثورة ضدها وفصل الدين عن الدولة نتيجة الجرائم التي ارتكبها رجال الكنيسة ضد الناس إلى جانب تلاعبهم بالإنجيل وتحريفه وتغيير شرع الله, والكفر بوحدانيته كما فعل اليهود بالتوراة من قبل.
أما دين الإسلام فهو المحفوظ من عند الله لا تستطيع يد التحريف أن تمتد إليه ورجاله المخلصون المتمسكون به على فطرتهم التي فطرهم الله عليها, فلا مجال لفصله عن الدولة وإبعاده عن الحكم لأنه الدستور الإلهي الوحيد الذي يحقق العدالة والإخاء والمساواة على الوجه الصحيح وليس الديمقراطية أو غيرها من المذاهب البشرية لذا لا يمكن أن يرضى مسلم غيور ولو كان عامياً فضلاً عن العالم أن يُبْعَد الدين عن الدولة ويفصل عنها؛ لأنه يرى في ذلك الكفر البواح والشقاء المحتوم, ولأن فصل الدين عن الدولة كفر بشهادة أن لا إله إلا الله لأنها تعني لا معبود حق إلا الله ولا مشرع وحاكم إلا الله فهي سياسة كلها من لامها إلى هائها.
لذا لما رأى الماسونيون فشلهم مع العلماء الإسلام الصادقين في إسلامهم المتمسكين به على علم وهدى من الله سبحانه, حاربوا الإسلام والمسلمين من خلال عدة محاور:
بدايتها: حرب الإسلام والمسلمين بالقوة, وهو العمل على قيام الدولة الشيوعية التي لا تعترف بدين ولا بفضيلة ولا بملكية فردية تحت الشعار الماسوني (إخاء, عدالة, مساواة). والتي لا تخاطب الناس بلسان الإقناع والمحاورة وإنما بقتل كل معارض ولو كان الشعب بكامله فاستخدمت لذلك من زعماء اليهود في أوربا كارل ماركس مؤسس المذهب الشيوعي ولينين قائد الحركة الشيوعية ومن على شاكلتهم وعملت عملها في شعوب البلقان، وفي الشعوب الأخرى التي سيطرت عليها وشملها اسم الاتحاد السوفييتي وهكذا امتد هذا النظام اللعين إلى الصين غير أن شعب الصين لم يلاقِ التصفية الجسدية التي لاقتها الشعوب المسلمة والنصرانية في الاتحاد السوفييتي لكون الصين على غير دين وصارت الماسونية تعمل عملها مع الديمقراطيين في أوربا وأمريكا ومع الشيوعيين في روسيا فلما رأت قيام الحركات الثورية في البلاد العربية ومناهضة أكثرها للغرب لكونه المستعمر لبلادهم أغروا بهم قادة الشيوعية حتى ارتبط بعضهم بالشيوعية وتعهد لها بتطبيق هذا المذهب الشيوعي بدءاً بالاشتراكية لكونها أهون وقعاً وأقل شراً مما يساعد على قبول الغوغاء لها ولكن ذلك لم يضر الإسلام والمسلمين بشيء والحمدلله بل زادهم حباً لدينهم الحق وتمسكاً به وكان عاقبة الشيوعية والآخذين بها الخسران والهلاك والحمدلله رب العالمين.
أما المحاور الأخرى التي عملوا على إيجادها لمحاربة الإسلام وأهله فهي عن طريق الكيد والمكر والإفساد العقدي والخلقي, وهي المحاور الأربعة الآتية:
المحور الأول: نشر المذهب الديمقراطي بواسطة أمريكا ودول أوربا لما فيه من أفساد عقيدة وخلق من ينخدع به ويقبله من المسلمين.
المحور الثاني: وهو أخطر الجبهات ضد الإسلام وأهله: اتخاذ الماسونين أفراخاً لهم من أبناء وبنات المسلمين ربوا أكثرهم في أوربا وأمريكا على الانحلال العقدي والخلقي وألحقوهم بالدراسات النظرية الإباحية التي تنأى بهم عن الإسلام وتعاليمه ويتلقون بواسطتها النظم والأفكار الغربية الكافرة حتى إذا وجدوا من الواحد منهم التفرنج والتبعية للغرب وحبه له منحوه أعلى الشهادات وأوصوا به لكي يعطى منصباً قيادياً في بلده المسلم.
وهذا الصنف يعرف الآن بالعلمانيين, وفي صدر الإسلام يعرفون بالمنافقين الذين فضحهم الله وبين صفاتهم في أول سورة البقرة وفي سورة التوبة والمنافقون وغيرهم. وهم الذين يتظاهرون بالإسلام أمام المسلمين المتمسكين ويبطنون الكفر ويكيدون للإسلام والمسلمين في الخفاء وفي مقدمتهم الحداثيون أصحاب المذهب الحداثي الذين يبثون سمهم ضد الإسلام وأهله في رموز يتعارفون عليها في أشعارهم المنثورة التافهة وفي مقالاتهم الكفرية الضالة.
المحور الثالث: وسائل الإعلام والبث المباشر الذي يكتوي العالم الإسلامي الآن بناره وتعاني من شره أكثر البيوت المسلمة لما يبث فيه من الإلحاد والخلاعة والمجون وأفلام التدريب على الاغتيال والسرقة والخطف والخيانة وغير ذلك, وهذا الخطر والغزو المدمر هو السلاح الذي وجدت فيه الماسونية بغيتها ضد الإسلام والمسلمين ولو على المدى البعيد... لكننا نؤمن بأن الله عزّ وجل سيُظْهِر دينه على الدين كله ولو كره الكافرون.
المحور الرابع: الذي اتخذه الماسونيين لمحاربة الإسلام, هو أنهم عملوا على تشجيع الشرك والخرافة وتقديس الأئمة والأولياء وعبادتهم من دون الله بدعاء الجهال وعلماء السوء لهم واتخاذهم وسائط عند الله يطلبون منهم الشفاعة والمدد وشفاء المريض والرزق والولد وتفريج الكروب, ويعتقدون فيهم أنهم يعلمون الغيب وأن الله جعل لهم أو لبعضهم أن يقولوا للشيء كن فيكون, وأن منهم من يدبّر الكون بل إن الماسونية تقدس الطواغيت الداعين إلى ذلك وتصفهم بالولاية كما هي حال رجال الكنيسة الذين قامت ضدهم الثورة الفرنسية فشجعوا غلاة الرافضة والصوفية ومن تابعهم من الجهال وهم خلق كثير على بناء الأضرحة والقباب على القبور واتخاذ المساجد عليها وعلى جعل السدنة عليها وعلى الحج لها والذبح والنذر لأهلها إلى آخر ما يحصل عندها من الشرك والخرافة المخرجين عن دين الإسلام.
ومع هذا البلاء في العقيدة فقد سلك أولئك الضُّلَّال المشركون من علماء الضلال واتباعهم مسلك الديمقراطيين في عزل الدين عن الدولة والانـزواء في زوايا التصوف والرهبانية الفاسدة التي لم يسبقهم إليها إلا النصارى واليهود والمجوس, وصار هذا الصنف من علماء السوء هم المقربون لدى الحكام العلمانيين والديمقراطيين وهم الذين تسند لهم المناصب الدينية.
أما علماء الإسلام المخلصون الموحدون لله تعالى المتبعون لرسوله صلى الله عليه وسلم البعيدون عن الشرك والخرافة الداعون إلى توحيد الله تعالى وتحكيم شريعته والأخذ بالإسلام في كل مجالات الحياة فإن الماسونية تحاربهم وتبعدهم وتتهمهم بالتخلف والرجعية, وحيناً تصفهم بالإرهابيين وتلحقهم ظلماً وزوراً بأصحاب الحركات الإرهابية رغم أنهم يعلنون براءتهم من ذلك الإرهاب ويحرمونه, لما فيه من الاعتداء على الأبرياء والتخريب الذي نهى الله عنه.
وما ذلك الاتهام إلا لكي يشوهوا الإسلام الصحيح وأهله المتمسكين به من ناحية, ولكي يستعدوا عليهم الحكام العلمانيين من ناحية أخرى لكي يحاربوهم ويحاربوا كل دعوة صحيحة إلى الإسلام, حتى لا يبقى منه إلا الاسم, وصدق الله العظيم إذ يقول:((يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)))([11]).
الفصل الثاني
أسس الديمقراطية والعلمانية
يجدر بنا أن نعرف العلمانية بإيجاز رغم أن ما جاء في هذه الرسالة عن الديمقراطية فإنه وصف للعلمانية من باب أولى.
تعريف العلمانية:
تعني اللادينية أو الدنيوية, وهي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين وتعني في جانبها السياسي بالذات اللادينية. وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم والمذهب العلمي البتة.
ومن جملة أفكار العلمانيين ومعتقدهم التي ينشرونها ويعلنونها:
1- الطعن في الإسلام والقرآن والنبوة واعتباره طقوساً وشعائر روحية وأنه لا يتلائم مع الحضارة ويدعو للتخلف والرجعية.
2- فصل الدين عن السياسية وإقامة الحياة على أساس مادي.
3- نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية وهدم كيان الأسرة. فهي تزيد على الديمقراطية بكشف القناع بعدم الاعتراف بالدين نهائياً إلى جانب فصله عن السياسة والحياة كما هي الحال في الديمقراطية([12]).
أما أسس الديمقراطية والعلمانية فقد وضع الماسونيون أسساً للمذهب الديمقراطي والعلماني مستمدة من نظام الماسونية بحيث تسير الدولة الديمقراطية أو العلمانية في الاتجاه الماسوني لا تخرج عنه وأهم هذه الأسس ما يلي:
1- فصل الدين عن الدولة وعزله بحيث لا يتجاوز الصلاة في المسجد والصيام والحج والأذكار وعقد الزواج والميراث وتشجيع ما من شأنه إفساد هذه العبادات وهو الشرك بالله المتمثل في بناء الأضرحة والمساجد على القبور وجعل السدنة لها لاستقبال الذبائح والنذور الهدايا وتدمير عقيدة المسلم بربطها بصاحب القبر واتخاذه واسطة عند الله تعالى وتشجيع التصوف الباطل الذي نشأت عنه تلك الخرافات والشركيات والبدع وإحلال شيوخ الطرق الصوفية محل رجال الكنيسة في العصور الوسطى لكي يخرج المسلم من دينه الحق فيسهل القضاء على الإسلام لأنه الدين الوحيد الباقي الذي لا يسمح للماسونية ولا لأي مذهب باطل أن يوجد في الأرض.
ويعمل الماسونيون على تولية المشائخ الصوفيين المشركين المناصب الدينية ليكونوا لعبة في يد كل حاكم علماني وإبعاد علماء الإسلام الموحدين السائرين على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم والذين لا يقبلون الكفر والانحلال.
هذا بالنسبة للمسلمين أما بالنسبة للدين النصراني فإنه معزول منذ دخله التحريف بفعل أهله لكن عزله الكلي تم بقيام الثورة الفرنسية ضد الكنيسة سنة 1789م.
أما بالنسبة للديانة اليهودية فإنها لم تفصل عن الدولة بل جعلت السادة لها في تولية وعزل الحكام عن طريق أعضاء الكنيست... وهذا يعني بالضرورة الدين اليهودي المحرف.. أما شريعة موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام فإنها مفصولة ومبعدة كغيرها لأنها حق من عند الله تبارك تعالى.
ويرجع عدم فصل الديانة اليهودية المحرفة عن الدولة إلى عدة أسباب أهمها:
أن المسيطر على وضع القوانين القديمة والمستجد فيها هم الماسونيون الصهاينة فهم لا يريدون شيئاً يبقى من الأديان سوى الديانة اليهودية وهذا برهان من البراهين على أن الماسونية هي المسيطرة على الديمقراطية والعلمانية والحكومات الآخذة بها.
ومن أوضح البراهين التي دل عليها الواقع أن الشخص الذي يرشح نفسه في انتخابات الرئاسة في الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية يعلن قبل كل شيء ولاءه لليهود ولدولتهم في فلسطين, وأنه سيكون في صفهم مدعياً أنهم أصحاب حق.. إلخ, فإذا وصل إلى كرسي الرئاسة نفذ وعوده بكل دقة, ومن حاد عن ذلك من الرؤساء ووقف ضد اليهود ولو في بعض قضاياهم لجورها وعدم شرعيتها كان مصيره الاغتيال من قبلهم كما حصل للرئيس كيندي وغيره، وخطة تنفيذ الاغتيال تتم من قبل الخلايا الماسونية السرية بطرق مباشرة يقوم بها بعض أفرادهم, أو بطريق استئجار شخص أو أشخاص وإغرائهم بالمال حتى يقوموا بذلك.
2- الأساس الثاني من أسس الديمقراطية والعلمانية والتي يلتزم الحكام الديمقراطيون أو العلمانيون بالأخذ بها وتنفيذها:
إعطاء الحرية المطلقة للفرد في الحرية الشخصية لكل من بلغ سن الثامنة عشرة من ذكر أو أنثى ليس لأبيه ولا لأمه عليه حق الاعتراض أو المنع من الفساد الخلقي مهما كان قبحه طالما أن ذلك بطواعية منه, وإعطاء الحرية المطلقة في الكسب من حلال أو حرام كالربا ومهر البغاء والقمار وإثمان الخمور.. إلخ شريطة عدم التعدي.
وفي الرأي لكل أن يعلن رأيه مهما كان قبيحاً وهداماً, بل إن المحافل الماسونية تشجع أصحاب الأفكار الهدامة التي تحارب العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة وتمنحهم المكافآت والرتب وترشح كبارهم للجوائز العالمية مثل جائزة نوبل التي منحت للروائي المصري نجيب محفوظ على روايته (أولاد حارتنا) لما ظهرت فيها السخرية والاستهزاء بالله عز وجل وبدينه وبرسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم, في وقت الذي لم يمنحوا المبرزين من المسلمين في شتى العلوم بل لم يمنحوا ذلك الروائي نفسه الجائزة على رواية أخرى أرقى منها.
مما يجب أن يعلم أن هذه الحرية المطلقة لا تعطى في الرأي إلا في الغرب ومن حذا حذوهم أما في الحكومات التي تدعي الديمقراطية أو العلمانية وتتخلى عن الإسلام في العالم الإسلامي فإنها تمنع منعاً باتاً حرية الرأي في كل ما له مساس بحكمهم وسيادتهم وتمنع الحرية في الانتخاب فلا يقبل إلا الأصوات التي تنتخبهم والتي يزوّرونها.. ولذا فإنهم يمثلون الحكم الدكتاتوري في أقبح صوره ومعانيه التي عرفها التاريخ, ولهذا فإن الانتخابات في الجمهوريات العربية والإسلامية تشرف عليها الماسونية إشرافاً كاملاً بحيث يلغى أي فوز يكون في صالح الإسلام والمسلمين بل تتحرك القوات الحربية والمساعدات العسكرية من أمريكا وفرنسا ودول أوربا لقمع أي حركة إسلامية تطالب بحقها.. بل قد تجاوزوا ذلك إلى وصف المسلمين المطالبين بالحق من أبوابه المشروعة بكل هدوء وحسن حوار وصفوهم بالأصوليين في السنين الأخيرة وعمموا هذا الوصف ليشمل كل مسلم مستمسك بدينه وحاولوا أن يدخلوهم في سلك الإرهابيين تبريراً لإلغاء حقهم في الانتخاب ولملاحقتهم والتضييق عليهم.
فإذا قدر الله لزعيم مسلم الهداية وانشرح صدره لتحكيم شريعة الإسلام في بلده أعلنوها حرباً ضده وضد حكومته وأغروا به أتباعهم .
