*حيّ على الفلاح*
*""""""""""""""""""*
بوجه شاحب وخطى شريدة كان يتخبط في الشارع مقتحما ظلمة الليل كشبح.. استوقفته قدميه بجانب عمود نور لايحمل لمبة اضاءة ..دس يده في جيب معطفه فأخرج سيجارة ووضعها في فمه ثم دس يده الأخرى في الجيب الأخر فلم يجد قداحته ..استعرت بداخله نيران الغضب و تفاقمت رغبته الشديدة في التدخين ، فألقى بكتفه متكئا على عمود النور .. بدأ وكأن ثمة شيء ما يجمعهما ..عمود النور يفتقد لمبة الاضاءة وهو يفتقد البصيرة و قداحته!!
رمى سيجارته لتسحقها قدميه ، وأطلق تنهيدة أقل مايمكن أن تعنيه..المأساة !!
مأساة لايستطيع الانفكاك منها ..ورغم الصقيع كانت قطرات العرق ترسم لها طريقا متعرجا بين ملامح وجهه الكئيب..والريح تصفر في أذنيه وتصفعه بأوراق الشجر اليابسة ..كأنما الزمن توقف هنا بينما أنفاسه كانت في تسارع محموم !!
دس يده في جيبه مرة أخرى علّه يجد قداحته ولكن عبثا ..نكرة هو وعاجز لا شيء يمكنه فعله ..هكذا أحس في أعماقه !!
اغرورقت عينيه بالدموع منذرة بوابل من مطر شديد الملوحة ..وفجأة .. ابتسم !!
ابتسامة تجاوزت في معناها الأسى..ثم همس في ذاته .. لست عاجزا هناك شيء أستطيع فعله !!
وأمطرت عينيه بماكانت به حبلى ..نعم بكى ..وبكى ..وجثى على ركبتيه يضرب التراب بقبضتيه حسرة .
كان صفير الريح لحنا موسيقيا يناغم حشرجات بكاءه..وكان التراب كتابا يخط عليه قصيدة حزنه بحبر دموعه.. فقد وعيه برهة حتى ظن أنه ربما مات ولم يتبق منه سوى جثتة في التراب لكنه أفاق على صوت مدوي مزلزل جاء يغسل روحه من رجس الأيام وأوجاع الحياة ..صوت دافئا حنونا يضمد جراحاته ويشفي دائه ..كان صوت أذان صلاة الفجر!!
نهض بجسده المنهك على (حيّ على الفلاح) ونفض الغبار عن ملابسه ..أدرك أن الحياة كتلك السيجارة التي سحقها بقدميه
وأن ربه لن يخذله ثم سار بخطى مؤمنة الى المسجد.
انيس ديان/اليمن /عدن



ساحة النقاش