الحب والعداوةبقلم:د. مصطفي محمود | |
|
الصحبة السعيدة فن.. والمعاشرة الحلوة موهبة واقتدار ليس لكل واحد حظ فيها.. ويخطيء من يظن أنه يمكن أن يحقق السعادة بقراءة كتاب أو تطبيق منهج, فالسعادة لا توجد في كتب وإنما هي منحة الطبائع النقية والفطر السليمة والبصائر النيرة, وهي ثمرةأخلاق وليست ثمرة علم. وأكثر ما نقرؤه في الكتب عن الحب الأمثل والزواج النموذجي والصداقة الناجحة محض أكاذيب .. وبعض هذه الاكاذيب شائع جدا وهو من كثرة ما تردد علي الألسن أصبح في مرتبة الحقائق. ومن هذه الاكاذيب الشائعة أكذوبة اسمها الاندماج.. إن اندماج الاثنين في واحد هو اكبر الشواهد علي عمق الحب وحسن الصحبة وسلامة المعاشرة. وهي كذبة عظيمة وثمرة تطبيقها نكبة مؤكدة وكارثة ليست في الحسبان. أولا لأن الاندماج مستحيل ولا يمكن لاثنين ان يصبحا واحدا إلا بمجموعة من الاجراءات التعسفية نهايتها المحتومة هي التعاسة. ورجفة القبلة واستسلام العناق وإغماءة الفراش التي نتخذها دليلا علي حلاوة الاندماج . ليست حقيقتها إلا حالة فسيولوجية عابرة , طولها في عمر الزمن ثوان يسترد بعدها كل واحد كينونته وفرديته واستقلاله.. وأي محاولة للدمج بعد الصحو من تلك اللحظات تكون في حقيقتها عدوانا من كل من الطرفين علي استقلال الآخر وفرديته , مثل ما يحدث من التجسس علي الخطايا والتنصت علي التليفونات وتفتيش الجيوب وشق الدماغ لمعرفة ما فيها, بحجة انه لا يجوز ان يكون الاثنان اثنين وإنما يجب أن يكونا واحدا لا أسرار ولا خفايا ولا خصوصيات.. واللي في جيبي في جيبك.. واللي في بطني في بطنك. وينسي الذين يروجون هذا الكلام ان انتهاك الخصوصية والشخصيات والفردانية هو أسوأ أنواع العدوان وهو أشبه باقتحام المجال الجوي أو التسلل إلي أرض مقدسة أو انتهاك الحرمة. وقداسة الشخصية الانسانية هي في استسرارها واستغلاقها, فإذا افتضحت انتهت وسقطت هيبتها واستنفدت بذلك العلاقة الإنسانية أغراضها.. وما يلبث بعدها أن يتحول الاثنان الي ألد الاعداء. لابد من احترام المسافة التي تحفظ لكل فرد مجاله الخاص وكينونته الخاصة كإنسان مستقل له الحق في أن يطوي ضلوعه علي شيء. وأمهاتنا كانوا ينادون أزواجهن بإضافة ألقاب ونعوت, فكانوا يقولون يا سي محمود او يا سي حلمي , وكان الزوج يقول لزوجته: يا أم ابراهيم يا أم حسن.. وكانت تلك الالقاب تحفظ المسافة وتحفظ للعلاقة احترامها .. ولم يكن رفع الكلفة في الفراش يعني رفعها اطلاقا في كل ساعة.. وهو سلوك فطري سليم , لأن رفع الكلفة إطلاقا في علاقات اليوم أصبح يتداعي الي التخاطب البذيء والي التفاحش في الالفاظ بحجة رفع الكلفة والصراحة .. وهذا بدوره يؤدي الي حالة من افتقاد البراءة والامتهان المتبادل والسوقية والابتذال , ثم تنتهي الحياة المشتركةالي حالة من العري والسخف الذي لا يطاق. وحفظ المسافة في العلاقات الانسانية مثل حفظ المسافة بين العربات أثناء السير , فهي الوقاية الضرورية من المصادمات المهلكة. وما يتصوره البعض اندماجا يولد فيه الحبيبان هو في واقع الامر تصادم مهلك يهلك فيه الاثنان, فلا يمكن أن يصبح الاثنان واحدا إلا بعمليات بتر وتمزيق وزرع أعضاء.. وتكون النتيجة أن يرفض كل جسم العضو المزروع كما يحدث في حكايات زرع القلوب ويموت الاثنان . والله خلق كلا منا فردا مفردا فريدا منفردا ونسيجا وحده.. وكل منا يولد وحده ويمرض وحده ويتألم وحده ويشيخ وحده ويموت وحده ويلقي الله وحده ويحاسب وحده. (زرني ومن خلقت وحيدا) (11) المدثر (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) [95]) مريم الفردية هي حقيقتنا والتعاطف والمشاركة الوجدانية والمواساة شيء غير الاقتحام والغزو والادماج. التعاطف هو الحياة معا. والاندماج هو أن يقوم أحد الطرفين في أنانية بالتهام الآخر وهضمه واستيعابه والاستيلاء علي مخصصاته وخصوصياته. والحالة الأولي إنسانية والثانية جريمة واستغلال ونفوذ, وأعجب ما يحدث أن نجد امرأة تحكم رجلها وتحاول أن تستولي علي ماضيه قبل أن يلتقي بها ويعرفها وكأنها تملكه من يوم ميلاده وكأنما يمتد عقد الملكية بأثر رجعي. وهي تسمي ما تفعله حبا.. والحقيقة أنه منتهي العدوان وسوء الخلق.. تماما مثل الغيرة التي تسوقها علي رجلها بدعوي الحب وهي في حقيقتها ذريعة للتسلط والحجر والتملك والحصار. ومن الأخطاء الشائعة التي نغنيها ونرددها.. أن الشك يحيي الغرام ويزيد في نار الأحبة. هكذا تقول الأغنية التي يغنيها عبد الوهاب. وهكذا يتصور الأولاد والبنات. وهكذا يعاملون بعضهم بعضا. ولكن خريطة الواقع واستقراء الشواهد في كل بيت تقول إن هذا الحب.. حب الغيرة والشك والأثرة.. ينتهي دائما الي فشل.. ثم يتحول الي جحيم العداوة وليس الي نار الأحبة.. والسر في ذلك أنه بدأ عداوة ولم يبدأ حبا.. وأنه كان العداوة بعينها من أول لحظة.. لأن الذي يحب إنسانا لا ينتهكه ولا يلغ في أحشائه ولا يفكر في أن يكسر دماغه ليعرف ما فيها ولا ينظر إليه باعتباره أرض وقف.. وإنما ينظر إليه كإنسان حر له خصوصيته واستقلاله وكينونته.. وهو لا يحاول أن يغزو أرضه أو ينتهك مجاله وإنما يحاول أن يضيف الي أرضه أرضا جديدة والي مجاله الحيوي اتساعا جديدا. ولكنا نعود, فنقول: إن هذه المسائل مردها في النهاية الي الأخلاق وليس الثقافة.. الي الطبع وليس المدرسة.. فالطبع السمح الكريم هو الذي يشع السعادة والحب من حوله لأنه طبع معطاء وهاب بطبيعته, أما الطبع الشرير الأناني, فهو طبع مناع مستغل لص لا يفكر منذ البداية إلا كيف يأخذ وكيف ينهب وكيف يسطو؟ وخلاصة القول: إن المرأة السيئة حبها هو السوء بعينه ولو تصورت أنه الغرام الذي ليس بعده غرام ولو انتحرت دونه ولطمت الخدود وقبلت التراب. ثم هناك المرأة الأخري التي تريد الرجل وترفض مشاكله وتطلبه لنفسها معقما مستخلصا مستقطرا من مصادره مثل العطور لا أثر فيه لأي شائبة من ظروفه.. مع أن الرباط الإنساني في معناه الحقيقي هو التبني, والدليل الوحيد علي علاقة المرأة برجلها هو تبنيها لمشاكله.. أما أن تحاول تقشيره لتلقي بالقشر وتأكل اللباب, فهو لون آخر من الأنانية ومن الشخصية الاستمتاعية الاستهلاكية التي تريد أن تأخذ ولا تعطي. |
نشرت فى 30 ديسمبر 2007
بواسطة alirayan
عدد زيارات الموقع
83,588


ساحة النقاش