لا تصــدّق بقلم علي الشافعي
عادة ما تبدا الحكومات الرشيدة , صاحبة الاعمار المديدة , في دول بني عرب السعيدة , بياناتها الوزارية العتيدة , كما يلي : ايها المواطنون الكرام ! يا جماهير شعبنا المكافح , ايها الكادحون الفالحون ولحكوماتكم مادحون , نحن حكومتكم التي خرجت من رحمكم , فتأكدوا اننا (وبحق ما امنت به العرب, كل ما هو مقدس) رحماء بكم عطوفون عليكم , حريصون على خدمتكم , ساهرون على مصالحكم ومكتسباتكم , لا نصدر قرارا الا وفيه حكمة بالغة عرفها من عرفها وخفيت عن بعضكم .
ايها المواطنون : للنجاح حساده , فستجدون قوما مغرضين حاسدين حاقدين , ولمسيرة البناء هادمين , ولقراراتنا من القالين , اصحاب اجندات مشبوهة , يحاولون اثارة الفتن والقلاقل , هؤلاء ما بعجبهم العجب , ينتقدون كل قرار تصدره الحكومة مهما كانت النوايا حسنة . مثلا سيقولون لكم ان الحكومة رفعت اسعار حليب الاطفال اضعافا مضاعفة . فاعلموا ــ رحمكم الله ــ اننا ما رفعناه الا من اجلكم , لحكمة بالغة ستشكروننا عليها في القادم من الايام , فوالله وبالله وتالله ما رفعناه الا لتعود الامهات الى الرضاعة الطبيعية , فهي التي تُكسِب ابناءكم المناعة , فيشتد عودهم وتصلبّ سواعدهم وتقوى شكيمتهم , ولا تعود تلين عريكتهم في ليالي التّماس الحالكة , فقصدُنا اذن شريف . اللهم اهلك من يثير الشائعات , وزلزل الارض من تحت اقدامهم .
قد يقولون لكم ان الحكومة ساوت بين اسعار السولار والكاز , فاستفادت من فروق التسعير بينهما , فاعلموا ان غايتنا عدم الغش لأننا اكتشفنا بعض المحطات الغشاشة تخلط السولار بالكاز لرخص ثمن الثاني , فنحن اذن ايضا مقصدنا نبيل . وهناك من يفتري علينا الكذب زورا وبهتانا , يقولون : عندنا استغلال كبير للوظيفة العامة . لا تصدقوهم , واعلموا ان هذه اشاعات غايتها تسميم افكاركم وتنكيد عيشكم . يعني : اذا قيل لكم انه في العيادات الخارجية في المستشفيات الحكومية تقف بالساعات على الدور , بينما يعالج اصحاب و اقارب ومعارف الممرضين ورجال الامن وحتى الاذنة , فور وصولهم وبدون دور , فلا تصدقوهم . واذا قيل لكم ان اغلب البسطات في الشوارع العامة التي تؤذي المارة , والمخالفة لقانون البلديات , هي ملك لبعض موظفي هذه البلديات , او يأخذون اتاوات من اصحابها , مقابل غض الطرف عنهم , فلا تصدقوا . واذا قيل ان بعض موظفي دائرة الاراضي يطّلعون على المخططات التنظيمية , ويعرفون المناطق التي ستفتح فيها شوارع , فيشترون الاراضي على جانبي الشارع بأبخس الاثمان , ليبيعوها بأضعاف مضاعفة بعد شق الشارع , فلا تصدقوا . واذا قال احدهم ان بعض موظفي المؤسسة الاستهلاكية يخفون السلع الشحيحة وخاصة الدجاج واللحوم والجوز ويوزعونها على اقاربهم , فهل تصدقون ؟ واما ان قيل لكم ان نائبا او وزيرا استغل وظيفته وعين عددا من معارفه دون الخضوع للتنافس الوظيفي , او اصدر قرارا يمنح بموجبه حق احتكار بعض السلع واستيرادها لحسابه الخاص , او لبعض معارفه ليتحكموا بسعرها في السوق , فلا تصدقوا ايضا . واذا قيل لكم ان احد الوزراء استخدم كل اليات الحكومة لتامين احتياجات منزله ومنازل اقاربه فى الاحوال الجوية الصعبة , ولفتح الطرق امام بيته وبيوت اقاربه ان استدعى الامر , حرام ما تصدقوهم . فالوزير يبقي مثلكم محبوسا في بيته على الفانوس ولا يستطع الخروج لشراء ربطة خبز لأبنائه او لتر كاز لتدفئتهم . وبقي اولاده مثل اولادكم يعانون سوء الاحوال . اذن ايها المواطن الكريم اطمئن , و(حطّْ في بطنك بطيخة صيفي ) , واجلس امام بيتك وغني اغنية الحكومة على الحان اغنية طيبة الذكر اصالة (ولا تسدأ , بقولوا في حبيب ثاني بيوخذ عطفي وحناني ....ولا تسدأ .. انا الأصدأ انا الأصدأ ) . طبتم وطابت اوقاتكم

