على الله تعود
لا بد ان جيل الخمسينات والستينات يذكرون الراديو الكبير (ابو لمبات ) , لذي سبق مباشرة راديو الترانزيزتور . انا لحّقْته في بيتنا اوائل الستينات من القرن الماضي , كان صندوقا خشبيا كبيرا صُنع بدقّة وعناية فائقتين ليكون تحفة فنية في البيت , واجهته الأمامية مزخرفة بخيوط الخيزران , وخاصة مكان السماعة , في الاسفل لوحة من الزجاج عليها اسماء الاذاعات بالعربية والإنجليزية تسمى المينا بداخلها مؤشّر يحركه عجل في احد اطراف المينا , ومفتاح التشغيل في الطرف الاخر , تكتب في اعلى يمين واجهة الصندوق ماركة الراديو , وكانت الماركة (الشركة الصانعة) المشهورة آنذاك هي ماركة (سيرا ) , تكتب بالعربية والإنجليزية . داخل الصندوق لوحة على طول قاعدته بها مجموعة الاسلاك والملفات ولمبات تشبه لمبات الاضاءة القديمة في السيارات , وهي مقويات للصوت , لا يشتغل الراديو حتى تتوهج هذه اللمبات , من هنا اخذ اسم (ابو لمبات ) وباقي الحجم فهو للسماعة الضخمة المثبتة بأحكام من الداخل على الواجهة الامامية . وكان يعمل على بطارية بحجم بطارية السيارة لكنها جافة , تخدم سنة ثم لا بد لها من تغيير . وحتى تسمع المحطات بوضوح لا بد من تمديد شبكة من الاسلاك على طول السطح على شكل مستطيل له قطران . وهو غالي الثمن اذكر ان الوالد باع شاتين حلابتين لشتري بثمنهما ذلك الجهاز العجيب , وحفاظا منه عليه كان رحمه الله يضعه في الخزانة ويقفل عليه , يخرجه عند عودته في المساء فيفتحه ونتحلق حوله فيستمع الى الاخبار الحماسية في ذلك الوقت التي تدعو الى تجييش الجيوش لمحاربة اليهود وطردهم من بلاد العرب . فنحلم بغد اكثر اشراقا , وكان الوالد مثقفا درس حتى الصف الرابع , وكان يقول الرابع على ايامنا يعادل التوجيهي في زمانكم , ومعه حق فقد كان يتقن القراءة احسن من كثير من خريجي اللغة العربية هذه الايام . كان يحرص على سماع بعض البرامج ؛ كبرنامج قول على قول للراحل اللغوي الفذ حسن الكرمي , والذي كان يُبث من اذاعة لندن , وبعض الاغاني في ( ما يطلبه المستمعون) والتمثيليات . وكان هذا الراديو كثير العطب بسبب لمباته التي كثيرا ما تحترق من شدة الرطوبة , عندها يحتاج الشخصين لحمله الى الفني الوحيد في البلدة لإصلاحه , احدهما يحمل الراديو والاخر يتكفل بحمل البطارية .
في احد الايام سكت الراديو وساد الحزن البيت , فما كان من الوالد الا ان امر بالحمار فقرب , وشدت عليه العدة , من حِلْس وخُرج وعَنان , كان حمارا ــ اكرمكم الله ــ قبرصيا ( اكبر من الحمر الاهلية واصغر من البغل) ابيض مطهما بهي الطلّة , وضاح الجبين , مديد القامة ضخم الهامة , عالي العنق واسع العين ادعجها , افلج الاسنان اثلجها , واسع الصدر قصير اللسان , جهوري الصوت كثير الصمت الا اذا كان جوعان او عطشان او مرت من امامه اتان , له اذنان طويلتان يحركهما يمينا ويسارا واماما وخلفا , تماما مثل لواقط فضائياتنا التي تمخر عباب سمائنا العربية . هادئ الطبع ثابت الخطوة سريعها , لا يتشكى ولا يتشهى يأكل ما قُدّم له من تبن وشعير , او ما جاد به المرعى حامدا شاكرا , حلو المنظر حسن المعشر ولا يرفس الا اذا استفز . مع المدة نمت بيننا وبينه علاقة الاطفال بسيارة النزهة هذه الايام فقد كانت له عربة يجرها كعربة الخيول , بس على اصغر لكنها تكفي لحملنا ونقلنا في نزهة عبر المزارع والحقول , وقد كان لها دور بارز في نقل بعض اثاثنا وامتعتنا عندما هربنا من قصف الاحتلال لقريتنا عام 1967, حيث بتنا اياما في كهوف الجبال حتى وضعت الحرب اوزارها .
عودة الى موضوع طيب الذكر الراديو المعهود : امتطى الوالد صهوة الحمار وامر بالراديو فناولناه فوضعه امامه ووضع البطارية في الخرج , وبصمت رهيب ودعنا الراديو وكأننا نودع عزيزا ربما لن نراه مرة اخري, حيث أبلغنا المُصلّح اخر مرة اصلحه فيها ؛ ان الراديو في الرمق الاخير وما عاد ينفع معه التصليح , وفعلا فقد كان , عاد لنا الوالد من عند المُصّلح يحمل مسخا مسخوطا من البلاستيك قال وكأنه غير مقتنع بما يقول : لقد استبدلنا الراديو بهذا فهو اخف واصغر وارخص سعرا , وبطارياته في داخله وهي صغيرة الحجم . قالت الوالدة على الفور والله و(يا بادل النخلة بسخلة) , و بنبرة حزن واسى قلت : يعني لن نرى الراديو القديم مرة اخرى ؟ قال : يا ولدي انتهت موظة اللمبات وظهر مكانها مقويات الترانززتور وهي اصغر حجما واقوي مفعولا , ولا نحتاج لتمديد الاسلاك فوق السطح , معقول ؟ قال : تعالوا وجربوا بأنفسكم . فعلا الصوت اوضح والحجم اصغر والوزن اخف . لكن ذلك الراديو كان اجمل , ولم تعد للجديد نفس الاهمية التي كانت لسابقه , فلم يعد يُوضَعُ في الخزانة ويقفل عليه , وانما ترك مشاعا يستعمله أي منا متى يشاء . تصدقون ؟ انني كنت احس ان الاخبار التي كان ينقلها ذلك الراديو لها مصداقية اكثر . ألستم معي في هذا الامر ؟ فكل يوم نكتشف زيف وسائل الاعلام , وان اكثرها اقلامٌ ضالة مضلّة ومضلِّلة مطبِّلة , وكاذبة مُكذِّبة مُكذَّبة ومستاجرة ومؤجّرة وموجِّهة وموجَّهة , الخبر بنزل ثم يكذّب ثم يعود فيصدّق ثم يكذّب , حتى بات الناس في حيص بيص , لا يعرفون للحقيقة وجها او مرجعا .
اقول رغم مرور اكثر من خمسين عاما , تقدمت وسائل الاتصالات بأشكالها وانواعها المختلقة , وتعاقبت علينا فيها الاجهزة المختلفة من راديو الى تلفاز و شاشات العرض , الى احهزة ال(ام بي ثري) التي حلت محل (الفنوغراف) الى الكميوترات ثم الخلويات . الا ان ذلك الراديو له في نفسى مكانة خاصة . اتمنى لو انه بقي عندنا كتحفة فنية . طبتم وطابت اوقاتكم .

