الكاتب علي الشافعي

مقالات ادبية واجتماعية ساخرة وقصائد عامية وفصحى

سيدي حمـــد          بقلم علي الشافعي

       في احد ايام الصبا اذكر انني كنت اراجع موضوعا في التربية الوطنية للصف السابع عن التنوع السكاني بين البادية والريف والمدينة . لمع في ذهني سؤال ليست له علاقة يالمنهاج, قلت : ما في احد يمكن ان يجيبني عليه الا سيدي حمد .

     سيدي حمد(ايها السادة الافاضل) رحمه الله كان في ذلك الحين شيخا في السبعينيات . هادئ الطبع , ابيض الوجه تشوبه حمرة , يكاد النور يشع منه , تكسوه لحية بيضاء جميلة متوسطة الطول , يرتبها بعناية كل صباح , قليل الكلام دائم النظر الى الارض كانه يبحث عن شيء فقده . يهابه كل افراد العائلة الا احفاده , فهو معهم ارق من نسيم الصبا , وحديثهم ينزل على روحه بردا وسلاما كما تنزل قطرات المطر على الارض الصادية . اعتاد رحمه الله الخروج الى ساحة البيت ساعة الضحى , والجلوس القرفصاء على قدميه مسندا ظهره للجدار مستقبلا شمس الربيع الدافئة  , او في الظل ان كان والحر شديدا ساعة او ساعتين قبل ان يعود ويلقي ببقايا عظامه المتهالكة على الفراش . كان اكثر ما يحرص عليه وما كان يفارقه ابدا : علبة الدخان العربي الفضية ــ المزخرفة كزخرفة شبريته التي اعرفها ــ  مليئة بلفائف الدخان المفروم باليد بعناية فائقة , ثم قداحة (ولاعة قديمة) وكيسا احتياطيا من الدخان في جيبه , يلف لفافات ويملأ بها العلبة كلما احس بقرب فراغها . جلست امامه بأدب وقلت : سيدي بدي اسالك هالسؤال , قال : هه أي (قل اسمع ) ردت الوالدة من الداخل لا تسمع له يا عمي احسن يصدع لك راسك , ابني وانا عارفته ,اسئلة كثيرة وغلبته اكثر . نظر الي مبتسما وهز راسه كانه يشجعني على القول قلت : يوجد يا سيدي في بلدنا عائلة اسمها عائلة اليمني , هز راسه بالإيجاب,  قلت وبلدنا على ما اسمع منكم تنقسم الى مصري وفلاح , قال : صحيح , قلت: في نابلس عائلة المصري ايضا وهي احدى اشهر عائلاتها , وفي القدس حارة خاصة بالمغاربة , قال نعم والشيخ عز الدين القسام سوري كان خطيب وامام مسجد حيفا الكبير, وصاحب ثورتها المجيدة عام 1936 , وقد كنت احد رجالها , فهمت يا بني ما تريد قوله . تململ جدي حتى استقر على الارض وتربع , وفتح علبة الدخان واخرج منها لفافة , اشعلها وسحب نفسا عميقا ثم اخرجه , وكانه بخرج معه هموما اثقلت صدره عقودا طويلة , ثم انشا يقول ـــ وعمر السامعين يطول ـــ :اه يا ولدي لقد فتحت جراحا كنت احاول ان اكتّمها ولما تبرا بعد . اعلم يا بني ان فلسطين مهوى افئدة المسلمين جميعا ومحط رحال الكثير منهم على مر العصور , وهي ارض مباركة لا يجوع فيها احد , خصبة الارض عذبة الماء , نقية الهواء ندية السماء , وهي فوق ذلك وقف اسلامي , وليست لأهلها فقط بل كل مسلم له الحق ان يعيش فيها . في عهد الخلافة العثمانية وانا عاصرت شطرا منها , كنت ايامها يافعا ‘ لم تكن هناك حدود بين البلدان الاسلامية من المغرب العربي وحتى حدود الصين ومن بحر العرب وحتى جنوب روسيا ودول البلقان( يوغوسلافيا), كانت كلها تحت مظلة دولة الخلافة العثمانية . وطبيعي ان يتنقل افراد هذه المجتمعات سعيا وراء التجارة او لقمة العيش ثم الاستقرار في المكان الذي يطيب لهم , وحتى يميزهم اهل البلاد ينسبونهم الى البلد الذي قدموا منه فيقولون: ( فلان الشامي وعلان المصري او اليمني او المغربي ... الخ). قلت ولكن يا جدي كيف سقطت دولة بهذا الحجم . صمت وطاطا راسه  قليلا ثم  قال :  يا بني هي دولة تآمر عليها اهلها مع اعدائها فأسقطوها . وعندما تكبر يا بني اوصيك الا تأخذ الحقيقة من بطون الكتب , ولكن من افواه الناس الذين عاصروها ‘ فان من تآمر يسهل عليه تزوير التاريخ . يكفي يا بني ان اقول لك : ان بريطانيا عرضت على الخليفة عبد الحميد الثاني احد اواخر سلاطين العثمانيين تسهيل هجرة اليهود الى فلسطين , مقابل سداد ديون الدولة العثمانية , واخماد ثورات البلقان التي كانت بريطانيا وراء اشتعالها , ولكنه وفض وقال : (إني لا أستطيع أن أتخلَّى عن شبر واحد من أرض فلسطين ، فهي ليست مِلْك يميني ، بل مِلْك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها ، وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملاينيهم ، وإذا مزقت دولة الخلافة يومًا فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن . أما وأنا حيٌّ فإنّ عمل المِبْضَع في بدني لأهون علىّ من أن أرى فلسطين قد بُتِرت من الدولة الإسلامية )( ويكيبيديا الموسوعة الحرة ). فسلطو عليه عملاءهم فأقصوه عن العرش عام 1908 وكان ذلك بداية نهاية دولة الخلافة التي سقطت فعليا سنة 1922حيث قسم عند ذلك الوطن العربي باتفاقيات سايكس بيكو (طيبة الذكر) الى الدول التي تراها اليوم , واحتل اليهود فلسطين , وشردوا اهلها كما توقع عبد الحميد رحمه الله.

 

         كبرت انا بعد ذلك فقرأت التاريخ , وسمعت الاحداث من معاصريها , فكان ما سمعته مخالفا تماما لما قراته ,  تري برايكم من اصدق : التاريخ المكتوب ام اقوال الناس المعاصرين ؟ طبتم وطابت اوقاتكم.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 56 مشاهدة
نشرت فى 28 مارس 2015 بواسطة alialshafee

عدد زيارات الموقع

2,944