مذكرات طالب فى سنة خامسة
دعونى أحكى لكم واقعا ألیما یعیشھ طلبة الطب فى مصر خصوصا عند تعلم مادة
الباطنة
وھو فقر التدریب الإكلینیكي
فالطالب لا یعلمھ أحد كیف یفحص المریض ولا كیف یستطیع أخذ معلومات منھ
تساعد فى التشخیص
ویظل الطلبة یضربون أخماسا فى أسداسا طوال العام الدراسي
كل أستاذ لھ طریقة فى الفحص ویعتبر الأخرى خاطئة من فعلھا فقد جنى جنایة
عظیمة على الطب وأھلھ
وكل أستاذ لھ طریقة فى الاقتراب التشخیصي یریدھا ولا یرید غیرھا
وفى غیاب توحید نظم الفحص والاقتراب بالنسبة للطلبة
یصیح من المستحیل أن یرضي الطالب أستاذا بما یقوم بھ
فتجد الأساتذة یقومون بالسخریة والاستھزاء من جمیع الطلبة والقیام بتعنیفھم
دائما لأنھم لا یفھمون على حد زعمھم
بینما الأساتذة فى الوقت نفسھ لا یقومون بشرح أى شئ
ویطالبوننا بمعرفة كل شئ حتى لو كنا فى بدایة العام الدراسي
ودائما ما یردد الأساتذة أننا طلبة فاشلون لا نرید أن نتعلم
بینما لا أحد یقوم بتعلیمنا
وإذا قلنا لھم ذلك وأننا نرید أن نتعلم ولا نجد من یعلمنا
یقولون لنا :
انت المفترض تعلم نفسك ما تستناش حد یعلمك ولا یعرفك حاجة اقرا وتعالى اسأل
وإذا قرأت وسألت قیل لك إن الخلل فى مخك .. أنت لا تفھم ولن تستطیع أن تفھم
.....
المفروض تعرفوھا!
أذكر أننا كنا فى بدایة العام الدراسي....
فى الیوم الأول من التدریب على الباطنة فى قسم الغدد
طلب منا المدرس المساعد فحص المرضى وأخذ تاریخھم المرضي والوصول
لتشخیص
ھكذا فى أول یوم!
ونحن لم ندرس كیفیة الفحص
بل لم ندرس أصلا أى شئ نظري یمكن أن یساعدنا
تركنا فى حیرة مع المرضى وذھب لیأتى بالأستاذ لیكمل لنا الدرس
جاء الأستاذ ویا لیتھ ما جاء..
بدأ بمراجعة ما قام بھ زمیلى مع المریض وأخذ یسخر منھ ویعنفھ
وبدلا من أن یقوم لنا الأستاذ المبجل بشرح كیفیة معرفة التاریخ المرضي
وبدلا من أن یقوم بمعالجة اخطاء زمیلي
وبدلا من أن یعذره ویعذرنا لأننا فى أول یوم لنا فى قسم الباطنة
أخذ یتعامل معنا بمنتھى الاستعلاء والتكبر
وكأنھ ھو فارس الطب الھمام الذى لا تحیره المعضلات أو المشاكل
وأخذ یذكر أشیاءا عن كیف وصلنا إلى الفرقة الخامسة وكیف نجحنا أصلا فى
دخول كلیة الطب
ویصفنا بصفات الغباء والتخلف فى الأساس , إضافة إلى زعمھ بأننا لا نرغب فى
التعلیم وأننا سنصبح أطباء فاشلین مستقبلا
وأننا وصمة عار على الطب وأھلھ
كل ھذا فى أول یوم !
وجدت الأستاذ بعدھا یسألنى على العلامات المرضیة والسمات التشخیصیة لمرض
الذئبة الحمراء وھو یدرس فى قسم الروماتیزم الذى لم ندرس فیھ بالطبع لأننا فى
أول یوم
وقال لى :
"ھما , ١٤ قل ھم لى بقى "
ولما قلت لھ
لا أعرف
إذا بھ یلتفت إلى غیرى ویسألھم وكلنا یجیب بنفس الإجابة:
لا أعرف
وقلنا لھ إن ھذا ھو أول یوم لنا فى الباطنة
فإذا بھ یجیبنا:
"دیھ المفترض المعلومات دیھ أى حد داخل سنة خامسة المفروض یعرفھا"
وأخذ یعنفنا على جھلنا وعلى تخلفنا العقلي على حد زعمھ
"المفروض یعرفھا " كیف ونحن لم ندرس ھذا المرض من قبل ؟
وكیف نعرفھا ونحن فى أول یوم من العام الدراسي ؟
دفعة ٢٠١٤ Dr_neotin
"المفروض یعرفھا " كیف والأستاذ یقوم بالسخریة منا وبالاستھزاء بنا وبعقولنا
؟
المفروض إنھم أخدوه!
ثم فى الیوم التالى جئنا ولا نعلم شیئا عن كیفیة فحص المریض ولا كیفیة معرفة
تاریخھ المرضي
وجئنا بانطباع سئ من الأمس
وطلب منا المدرس المساعد الذى یشرف علینا مرة أخرى أن نقوم بفحص
المرضي وأن نعرف تاریخھم المرضي ونصل لتشخیص كما طلب منا بالأمس
وقفنا فى حیص بیص لا ندرى ماذا نفعل
وجدنا فى حیرة فتطوع للقیام بالشرح لنا وبمساعدتنا
وبدأ یشرح مشكورا وإذا بنا نفاجأ بمن یصرخ فیھ ویقول لھ :
"بتعمل إیھ یا دكتور؟ "
نظرنا فإذا ھو الأستاذ الدكتور رئیس وحدة الغدد الصماء
ودار بینھما الحوار التالى :
-بتعمل إیھ یا دكتور ؟
-ولھ طلبة فى سنة خامسة یا دكتور وكانوا طلبوا إنھم یتشرح لھم عملي الباطنة
-لأ, انت المفترض مش من سلطتك إنك تشرح لھم الحاجات دیھ انت بتاخد الغیاب
وبس
-طب ھما مش عارفین حاجة خالص
-دیھ مشكلتھم مش مشكلتنا
-طب ھما مش عارفین حاجة خالص , حیفحصوا العیانین ازاى , ویشخصوھم
ازاى ؟
-الدیفیكت ده من عندھم مش من عندنا, یتصرفوا
-طب ھما بیقولوا إنھم ما أخدوش الكلام ده قبل كده
-لأ أخدوه فى سنة رابعة , اتفضل یا دكتور خلى كل خمسة یقفوا على سریر
ثم تركھ ودخل إلى مكتبھ
والتفت إلینا المدرس قائلا :
یلا یا جماعة كل واحد یروح عالحالة بتاعتھ
بالطبع ھذا كلام غایة فى عدم الضمیر وانعدام
درسناه فى سنة رابعة!
لم یحدث ذلك فى سنة رابعة...
ففى الفرقة الرابعة كانوا یدرسون لنا الفحص لكن نظریا
دفعة ٢٠١٤ Dr_neotin
ولم یدرسوا لنا كافة جوانب الفحص بل البدایات فقط
وعلم الأعراض لم ندرس منھ إلا أقل القلیل
باختصار لم ندرس إلا كیف نضع السماعة على المریض لكن من دون معرفى
الأصوات التى نسمعھا ودلالاتھا
ولم ندرس إلا كیفیة معرفة درجة الحرارة والنبض والضغط الدم
ومعرفة القواعد العامة المتبعة فى الفحص
لكننا لم ندرس الفحص السریري بكافة فروعھ وتفاصیلھ
وبالطبع ما درسناه لا یغنى ولا یسمن طالبا من جوع
ولم یرفع الجھل عنھ ولم یكفھ الحیرة
یا حمار!
مر علینا أسبوعان فى بدایة العام الدراسي فى قسم الغدد الصماء بمرھما ولم نجد
حلوھما
فكل أستاذ - إلا قلة محترمة - یدخل یكرر نفس الأسطوانة المشروخة عن تخلفنا
العقلي وعن أننا وصمة عار على الطب المصري
ولا مانع من السباب فى بعض الأحیان
كما كان یقول أحد الأساتذة لزمیل لنا یناقشھ فى حالة الدرس :
یا حمار , یا حمار , انت حمار یلھ ؟ .. إلخ من السباب البھیمي
ثم یلتفت إلینا ویكرر نفس الأسطوانة المشروخة
مرا ھكذا ولم نستفد شیئا ولم نر كل الحالات المقررة علینا فى المنھج بطبیعة
الحال ونحن بالطبع مطالبون بھا فى امتحان آخر العام , ولن یشفع لنا أننا لم
نتدرب علیھا , فتلك مشكلتنا لا مشكلتھم
كورسات كورسات
ھمس فى أذنى الناصحون قبل بدایة العام الدراسي بأن آخذ كورس فى
الباطنة
لكنى اعترضت على الفكرة بشدة
)ھو الواحد لاقى وقت ینام عشان ینزل كورس مرتین فى الأسبوع؟( !
دفعة ٢٠١٤ Dr_neotin
لكن مع تكرار النصح بأخذ كورس فى الباطنة , وسؤالى ذوى الخبرة
والتجربة ممن أنھوا دراستھم فى الفرقة الخامسة ومن المتخرجین حدیثا
قررت أن أجرب
بدأت رحلة البحث عن أفضل دكتور فى الباطنة
وعند السؤال ھذا یقول لى الدكتور الفلاني والآخر یقول لى الدكتور
العلاني
والثالث لا ھذا ولا ذاك فھناك وجھ جدید سیحطم الجمیع
وبما إنى من كارھي الصداع فقد قررت أن آخذ الكورس لدى أول دكتور
یبدأ ...
لم أكن مقتنعا فى البدایة بجدوى الكورسات وكنت أعتبرھا نوعا من
الرفاھیة الفكریة , ومن إضاعة الوقت الثمین لأمثالى من عشاق فعل شئ
آخر خلاف المذاكرة أثناء العام الدراسي
وكنت أذھب للكورس وأنا فى قمة الضیق
لكن عند بدایة العام الدراسي ومع بدء المحاضرات أیقنت أن ما قالھ
الأسبقون لم یكن من باب المبالغة
بل كان من باب الحقیقة المرة
بدأت أولى المحاضرات وكانت عبارة عن خواطر وذكریات الأستاذ
وأمراضھا , ( pituitary gland ) المحاضر مع الغدة النخامیة
وذكریاتھ مع بعض المرضى وكیف أخطأ فى تشخیصھم, وكیف یتعامل
بعض الأطباء تعاملات خاطئة مع المرضى ..
كانت المحاضرة مفیدة من الجانب التثقیفي العام , بمعنى أنھا تفید من لا
یدرس الطب فى معرفة ما ھى الغدة النخامیة ,أما من ناحیة التعلیم الطبي
فلم تفدنا إلا بأقل القلیل..
وأما باقى المحاضرات فكانت عبارة عن قراءة للمنھج من جھاز العرض,
یأتى الأستاذ فى الثامنة صباحا , یقوم بفتح الحاسوب المحمول, ثم یضع
الأسطوانة ویفتح المحاضرة التى أعدھا ببرنامج عرض الشرائح , ثم
یقرأھا لنا كما كتبھا , لا شرح ولا إفھام ولا أى شئ , قراءة فقط ...
دفعة ٢٠١٤ Dr_neotin
حمدت الله تعالى ساعتھا على أننى أخذت كورس فى الباطنة من أول السنة
منقول للافادة فقط
كتب ھذا المقال / الطالب : (لیث الوغى)
بمنتدیات كل الطب
فشكرا جزیلا لھ وحزاه الله خیرا
organized by/ N . el_saadany



ساحة النقاش