أسس وقواعد الرواية والدراما من القرآن .. فتحى حسان محمد

المقدمة

   الحمد لله رب العالمين الذي منحنا وأفاء على عبد من عباده بقبس من نوره ليكون سببا لمن يهدى إلى صراط الله الذي له ما فى السماوات وما فى الأرض ويهتدي إلى الذى تصير الأمور إليه عاجلها وآجلها 0 فأطاع وتدبر، وفكر وأمهر، وفهم وأعمل، واستوعظ ووعظ ، وأنْعِمَ عليه فتنعّم ،  وتضرع واصطبر، فنعم المُلهِم وسعد المُلَهَم 0 والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، اللهم إنا نشهد أنه أتم الرسالة بكمال علمه ، وأدى الأمانة بكمال خلقه ، ونصح الأمة بتمام إخلاصه ، وكشف الله به الغمة فنعم الكاشف والمكتشف، وعظُم القائد وحسُن المقتدى ، عليه الصلاة إلى يوم الدين ، وأتم التسليم إلى يوم أن نلقاه شفيعا عند عرش الرحمن الرحيم 0 الذي منّ علينا ورأيناه فى المنام العظيم ، فى يوم من أيام الأشهر الحرم ، ذي الحجة والحجيج يفيضون عند المقام ، فاللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة إلى يوم أن نلقاه فى الميقات المحدد المعلوم0

    إن القرآن العظيم معجزة الله لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وللناس والعرب خاصة لأنه من كلامهم وبكلامهم ، والقرآن هو كنز ثمين مليء بالجواهر، فمن يمن الله عليه ويرضى عنه يفتح عليه بفتح من عنده ويشرح له صدره وينير له بصيرته ، ويفتح له قلبه ليلقى فيه جوهرة مكنونة من القرآن العظيم الذي فيه من كل مثل وهو صالح لكل زمان ومكان ، وفيه مالا يخطر على البال، ومالا تدركه القلوب والعقول والأبصار، إلا من أذن له الرحمن ، وألهمه بنور من عنده ليعرف جوهرته من ذلك الكنز ويأخذها ، وإنني بفضل الله عثرت على منحته وهبته لى ، وعرفت طريق جوهرتي ، وأمسكت بتلابيبها وأخرجتها- بإذن من الله - للناس فى هذا الكتاب الذى سبقه أول بعنوان أسس وقواعد الأدب والرواية من القرآن الكريم ، حجر الزاوية القوى والبنية الأساسية لهذا الكتاب علم القصة الفعلية الدرامية المشاهدة المكمل لعلم نوع القصة الأول علم القصة القولية الروائية فى كتابى السابق ، ولا غنى عنه للفهم والتعرف على الأدلة التى بنيت عليها البراهين التى أوردتها هنا ، ولم أذكر الأدلة لسابق ذكرها ، الكتابان اللذان أعدهما درة من درر كنز الرحمن القرآن المجيد ، وأتمنى من الله كما هداني وأنار بصيرتي وجعلني أستطيع أن أصوغ هذه الجوهرة من تعريف لأنواع القصص ، والفرق بينها ، وأصولها ، ومكوناتها ، وقواعدها ، وأسسها ، وقوانينها ، ومعاييرها ، وشروطها ، وأهدافها ، والوصول بالقصة إلى درجة من درجات الكمال ، وتصبح بها علما كاملا يستفيد منها أصحاب الشأن من المؤلفين بكل أنواعهم الذين اختلط عليهم الأمر وذهبت عنهم الفطرة السليمة التى كانت تحضهم على الإبداع السليم ، ولكن لاحتراف الكتابة والشهرة وبعض الأغراض الخبيثة لبعض النفوس المريضة الضعيفة صار الإبداع يخالف الفطرة السليمة ويخالف أوامر الله ونواهيه ، ويتجاوز وعده ووعيده إلى وعد الناس وجنتهم ومطالبهم لا إلى جنة الله ورضوانه ؛ بادعاء باطل أن الجمهور هو ما يحدد اتجاه الإبداع وكيفيته ، وهو ما منّ الله به علينا نريد تصويبه ليكون إبداعا يوافق شرع الله باليقين للقلب، وعقيدة ونموذج إجابة لعقل القلب ، والفهم والربط لعقل المخ وإجباره لحكم عقل القلب،

    كم كنت قلقا بشأن هذا الكتاب ، ولكن الله منّ علىّ وطمأنني ، فمن يرى الرسول محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقد رأى الحق ، عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم يقول : " من رآنى فقد رأى الحق ، فإن الشيطان لا يتكوننى "  عن أبى هريرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم :" إذ اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وما كان من النبوة فإنه لا يكذب0 [ رواه البخاري ومسلم ] ولذلك بعون الله وحمده اطمأن قلبي ، وسيطمئن لرأى شيوخنا وعلمائنا وأساتذتنا المستنيرين من أنهم سيرون فى هذا الكتاب الحق لما يمكن أن يسير ويكتب على هديه المؤلف وأيضا الناقد الذي سيجد فيه علما تاما كاملا للقصة لما يجب أن تكون ويستطيع أن يكون لديه منهج علمي يتخذه مطية للنقد الصحيح الحسن الذي لا يستطيع أن يعارضه أو يرده أو يعلق على نقده أحد 0

    ﭽ ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶ   ﭷ  ﭸ   ﭹ   ﭺ  ﭻ    [ ص ] إنه القرآن الكريم كتاب أنزله الله مباركا على قلب سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لنفكر نحن جميع المسلمين في آياته ، ونعمل بهداياته ودلالاته ، وليتذكر أصحاب القلوب السليمة التى لا يزال بها عقل القلب يحكم ويعرف الحلال من الحرام ولا تزال عقول أمخاخهم مطيعة مستجيبة لحكم عقول قلوبهم ما كلفهم الله به ، لم يخص الله أحدا من خلقه دون الآخر بهذا التدبر والفهم لآياته ، ولم يجعلها حكرا على أحد من عباده لفئة معينة منا، بل الجميع له نفس الحق فى التدبر والفهم حسب ما يمن الله على كل واحد ما يستطيع فهمه ، حتى يجعل القرآن متجددة معانيه إلى أن تقوم الساعة ، لا مقصورة معانيه وهديه على ما جاء به كبار المفسرين والعلماء ، وإلا ما صار فى القرآن إعجاز وهو الذي تحدى به العالمين إنسهم وجنهم ﭽ ﭜ  ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ  ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ    ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭼ [الإسراء]  ولذلك تكون حكمته من أنه لم يقصر الدعوة والفهم له حكرا على أحد من خلقه ، إذن الدعوة عامة لنا كل العالمين ونحن المسلمين أولى 0 وعرفنا من علمائنا وشيوخنا وخطبائنا وما درسناه وما درجنا عليه من أن القرآن كتاب جامع مانع فيه أخبار ما قبلنا وما بعدنا ، وفيه القصص العظام والعبر النافذة لأولى الأبصار والقلوب والعقول السليمة ، ولذلك عندما قرأت كتاب (فن الشعر) لأرسطو وما قرأته لشراحه ومن تناولوه ومنهم الدكتور إبراهيم حمادة ، وغيره من القدماء والمحدثين  حيث أجمعوا على تفرده فى علم الدراما ، وقالوا : ما من كاتب ولا مفكر ولا مبدع منذ أرسطو إلى الآن ما استطاعوا أن يغيروا أو يضيفوا أى إضافات للأسس التى أوردها ، وحتى من ابتدعوا وجددوا مثل أبسن كما قال الدكتور فوزي فهمى لم يخرج فى إبداعه وقواعده الجديدة عن  قواعد وأسس أرسطو واستقى منها الكثير ، حتى وإن اختلف معه فى بعض الأحيان إن ما أبدعه أرسطو عد كلماته الشراح والدارسون بالكلمة والحرف ، وهو ما بعث فى نفسي الغيرة وأشعل فى قلبي الحمية ، وفى عقلي تحدى هذا الرجل الذي لم يستطع أحد أن يأتى بمثل ما أتى ، ولذلك قلت فى نفسي إذا كان معشر المفكرين والفلاسفة والكتاب والدارسين والشراح وغيرهم لم يستطيعوا أن يأتوا أو حتى يضيفوا أو يعدلوا أو يغيروا ، فإن التحدي يكون بما هو أكبر من أرسطو ؛ أستطيع مواجهته – ونحن جميعا – نمتلك كتابا جامعا مانعا معجزا هو كتاب الله القرآن الكريم ، وأخذت اسأل نفسي هل أورد الله أسس الدراما فى القرآن الكريم ؟! سؤال بدا غريبا ، وليست الغرابة منى ولكن الغرابة من كل ما عرف منى بما يدور فى خلدي ، حتى إنى وجدت نفسي معارضا معارضة شديدة وقوية ، واتهمت بالجنون لمجرد الربط وليس حتى المقارنة بما جاء فى كتاب أرسطو وما جاء فى القرآن الكريم ، وعندما وجدت هذه المعارضة التى لم تعطني فرصة لأبوح بما جاء ودار بفكري ووقر بقلبي من أن إيماني بأن القرآن لا يستطيع أن يأتى بمثله أحد وأن به كل شيء ، حتى إن بدت الصورة من الوهلة الأولى أنه لا يوجد فى القرآن شيء من أسس الدراما ، أخذت أفكر وأفكر وأراجع نفسي فترة تجاوزت خمس سنوات ، وأمسكت عما أنا فيه عن الناس الذين يعرفونني ، حتى كان شهر رمضان فوجدتني مدفوعا بقوة هائلة تدفعني لعقد المقارنة والولوج إلى متن القضية دون اعتبار لأحد ، وبدأت الأبواب تتفتح أمامي بابا وراء باب ، ولم أجد للدراما بابا يفتح بعد ، وكانت البداية أن ذهبت إلى غير ما أريد لأجد أرضية مشتركة أنطلق منها ، فكانت قصص القرآن التى حتمت علىّ أن أدرس وأستخرج كل ما يتصل بالقصة ثم بعد ذلك يفعل الله ما يريد ، وكانت البداية بالقصة النموذج الفريد الكامل التام قصة سيدنا يوسف فى سورة يوسف ، ومنها توصلت إلى نوعين من القصة حيث القول شىء والفعل شىء آخر ، ومن هنا اتضح نوعا القصة ، حيث الأولى قصة قولية أداتها القص وهى تخبر عن الماضى ، والماضي لا يعود إلا قولا ، وقصة فعلية لا تتحقق إلا فى الحاضر تشبيها أو تمثيلا حال تحققه 0 فبدأت أكتب ولكن الخوف يكبلني بكل ما تعنى الكلمة ، فدعوت الله كثيرا أن يمنَّ علىَّ بعلامة أو إشارة أو أى شيء أستطيع منه إدراك أنني على صواب ، وتمنيت أن تكون العلامة أو الإشارة رؤية سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم - وقد انتظرت رؤيته ثلاث ليال  حتى منَّ الله علىَّ برؤيته صلى الله عليه وسلم فى الليلة الخامسة فى حوالي الساعة الثالثة والنصف فجرا ، بعد أن انتهيت من الكتابة وجلست ممددا أفكر فيما تفجر أمامي من أمور صعبة ثم بعدها أدخل إلى حجرة نومي ، فأخذتني سنة من النوم وكانت الرؤيا الجميلة التى كانت بردا وسلاما على قلبي ومنها انطلقت ليل نهار فى هذا الكتاب حتى أتمه ، وأتممته والحمد لله  على أنى لم أضمنه كل ما رزقني الله به من فكر وفهم ونور لا يكفيه كتاب من ألف صفحة ، إذ قصة سيدنا يوسف لا يكفيها ألف صفحة ، وقصة سيدنا موسى ألفان0 لشرح وتوضيح كيف تم بناء القصة حرفا حرفا  وكلمة كلمة ، وآية آية ، وكيفية الربط بين الحدث والآخر – قولية - وبين المشهد واللقطة – فعلية - ببناء محكم معجز0 وللإفادة التى أتعجلها للناس عمدت إلى الاختصار وليكون الكتاب في المتن متضمنا علما كاملا وتاما لأنواع القصة القولية الروائية ، وأنواع القصة الفعلية الفنية الدرامية ، ومما لن تصدقوه بسهولة لأنه يفوق تخيل أدباء العالم أجمع متحدين ، من أن القصة القولية أربعة انواع : قصيرة ، روائية  ملحمية ، قومية ، وينقسمون إلى ثلاثة أصناف : مأسملهاة ، مأساة ، ملهاة ، وإلى ثلاثة عشر وصفا : الأخلاق ، السلوك ، المعاناة ، الشخصية ، القومية ، القيم 0 والشخصية السوداء ، والعظيمة ، والإلهية 0 والقومية السوداء ، والعظيمة ، والإلهية ، والملهاة 0 والقصة الفعلية الدرامية تتنوع إلى ثلاثة انواع رئيسية ، ويصنفون إلى ثلاثة عشر وصفا ، سنعرفهم بالشرح والتفصيل فى هذا الكتاب 0 كل ذلك تتضمنه سورة يوسف التى تروى قصته ، إنه إعجاز الله القرآن الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بآية من مثله ، إن مكمن الإعجاز ليس فقط فى التعبير اللغوي البليغ فحسب إذ من الممكن أن نأتي بجملة بليغة تشبهه ، ولكن ذروة الإعجاز فى القدرة الكامنة فى الكلمة فيه لها حياة وقوة من التنفيذ والإحداث والوقوع الفعلي يتحقق على أرض الواقع وتشهده بنفسك وفى نفسك وتراه رؤى العين وسمع الأذن وإدراك القلب وإفهام عقل المخ ؛ لأن مصدرها هو العالم بكل شىء والقادر عليه وأمره بين الكاف والنون ، بينما يظل كلام البلغاء منا كلاما فقط يفتقد قوة التنفيذ والإحداث والتغيير والإجبار لا فينا ولا فى غيرنا  ولن تدب فيه الحياة على الإطلاق آجله أو عاجله سوى أن يكون تمثيلا    لا حقيقة ، وتأثيرة وتغييره وإحداثه يكون لشفاء الروح فقط بدون تفعيل متحقق للجسد سوى معافاته0

     ونحن نريد لأدبنا الدرامي الذى صار بحكم الواقع هو ديوان العرب الحديث فعلا،  لا زمن الرواية المقروءة كما قال الدكتور جابر عصفور ، بل نحن فى زمن الرواية المشاهدة لأن لها الغلبة والحظوة والسطوة ؛ ولأن العرب لا يحبون القراءة بصفة العموم والكثير منهم أمي ، وقد فطروا وجبلوا على حب الحكي المسموع أكثر من المقروء ، وعندما صار الحكي مشاهدا أخذ ألبابهم وسحر قلوبهم حيث وجدوا ضالتهم بما يشتاقون إليه من اليسر والسهولة والتسلي والتفريج والتسرية  ، ونحن  نريد له أن يتسيد سواء كان روائيا أو دراميا على أن يكون مغايرا لما سبق من أدب الأقدمين الذين كتبوا وأبدعوا حسب الفطرة السليمة لبعضهم ، ولحقهم آخرون تغيرت فطرتهم بتحرر مفرط تجاوز حدود وأهداف الأدب النبيل المثبت للقلب على الطاعة  ، ولم يكن لديهم علم تام كامل للقصة يكتبون على هديه ومعايير يسيرون عليها وأصول يهتدون بها ، وقوانين يتحاكمون إليها ، ومكونات يستندون عليها ، وأسس تعينهم على الصواب والحسن والتعمق  ، نريد للدراما أن تكون أدبا جديدا مبنيا على علم دقيق شامل يحتويه هذا الكتاب الذى بين أيديكم وجاء فيه فصل الخطاب الذى يختلف العالم كله فيه ولم يحسمه الحسم التام منذ أرسطو حتى الآن ؛ نتيجة فقدان الدليل الحازم الذى لم ينتبه ولم يتأمل ولم يهتد إليه فلاسفة المسلمين على وجه الخصوص ، بمثل ما هداني الله إليه وهو بين أيدينا نتلوه آناء الليل وأطراف النهار ونزين به الأمكنة ونتشرف به ، أدب لا يختلف حول قواعده وأسسه وقوانينه وأصوله وأهدافه أحد ، ولا يحتار فى مقاصده الكلية ولا نهاياته المطلوبة النفعية أحد ، مستندين على علم من كلام رب العالمين منزله وقاصه على أفضل رسله ، الذى خلق الإنسان وفضله وميزه عمن خلق ، وهو جل اهتمامنا ومناط عنايتنا ومقصد عملنا وقبلة اجتهادنا ، لما نريده من صلاح وهدى كامل لمن يكتب  وعلاج نافع شاف للروح لمن يكتب لهم  ، مثبت للقلوب على التقوى والطاعة لله ، ملزمة هادية منيرة راشدة دالة محرضة مقننة للعقل من حريته الكاملة التى يتمتع بها  التى إن تركت على حالها وعنفوانها تورده مورد المساءلة والحساب العسير من الله خالقه ومحاسبه ، ومده بعقل المخ مناط الحساب والاختيار ، وعقل فى القلب حكم لكنه يتغير وينسى ويتقلب ولذا يحتاج إلى الثبات والتذكر والعبرة ، ليظل على ثباته على الطاعة والهداية والتقوى وليكون بحق حكم على إفراز عقل المخ ملزم وهادٍ وحاكم له ، وهى من موجبات القص المتكرر المتجدد التى تعين العقل على التذكر والاتعاظ والنصح والالتزام ، وتعين القلب على القوامة والتثبيت على الصواب والإيمان والصلاح للحكم 0

    إن الأدب الدرامي الذى نبتغيه تسمعه الأذن وتراه العين ويعيه القلب ويدركه العقل فهو أقوى تأثيرا ومدا ، وأشد حسما وصدقا ، وأوسع انتشارا وفعلا ، وأحسن سطوة وجذبا ، واجل هدفا وعظما ، وأكثر دويا ونفعا ، لامتلاكه أدوات التأثير القوى التى تسيطر على الآذان والأفئدة والأبصار مراكز الإدراك ، وهى أدوات الوعي أيضا لأنها تقدم ما أدركته لعقل المخ ليفعل هذه المدركات ويخرج بالعبرة المرجوة والهدف المطلوب والعظة المأمولة  ، محركات مشاعره وأحاسيسه وعواطفه أجهزة الاستقبال الخارجية وأدوات الأجهزة الفاعلة الداخلية التى تتحكم فى الروح ، وتكون مكمن قوته وعلاجه وقوامه وصحته وتقدمه ورقيه وابتكاره وطاعته من تثبيت القلب ، وهداية للعقل  فلابد من التوظيف السليم ، والنهج الحسن المليح ، والقوامة الراشدة الدالة الهادية المنيرة  حتى تؤتى أكلها الطيب وثمارها النافعة التى تعيد الوعى وتنير البصيرة وتستنفر الطاقة وتحقق التعلم الذى ينفر منه الجميع ، وينشر المعرفة لتعين الجميع على اكتشاف دروب الحياة الصعبة لتيسرها علي غير القادرين على إدراكها لجهلهم وأميتهم وكسلهم وتواكلهم وتعالج ما فسد وما استجد من قضايا ، وتؤرخ بموجبات طباعها لزمن وقوعها غير ملتزمة بتاريخ متتابع منظم تخبر بكل ما يحدث حسب ما يقع ، فهذا ليس من شأنها بل تحمله فوق أكتافها عبئا زائدا عن حاجتها ومقتضيات وظيفتها المعالجة للنفس من أدرانها وأمراضها  ومثبتة للقلب ومسرية للروح ، وبجميعهم تكون سبيلا من سبل النهضة والتقدم والوعي تعين المؤسسات الأخرى لنرتقي ونتقدم 0 ولكن الأدب الدرامي يعيبه عدم استدامة وخلود منتجه وضعف لغته ، وهى نقيصته التى نريد لها درجة كبيرة من الكمال ، أن نستعيضها ونكملها بثراء المنتج وتحكمه إلى نهج عقيدتنا الوسطية السمحة ، والتجويد والتحسين للغته بشرف التمسك ببعض الفصحى التى تتخلل العامي ، بقرآن كريم ، وحديث شريف ، وقول مأثور ، وشعر موزون ، وقول حكيم ، وعبارة فيلسوف  وكثرة العرض الجديد المتغير يعوض الاستدامة والخلود0

ما من شيء إلا ويبدأ من ضعف ثم قوة ثم ضعف ، هذه قاعدة ربانية تسرى على جميع الخلائق ، حتى المادية منها مثل الحضارات العظيمة والقوى العظمى وآخرها مثلا الاتحاد السوفيتي الذى ضعف من بعد قوة حيث كان يمثل أحد قطبى العالم الحديث ، والعاقلة وغير العاقلة ، والمصنوعة منا ، والمخلوقة من الله0.

الأسس :

 البداية

بداية البداية ( الضعف  )

 مشهد مثير جذاب مشوق ممتع ، مستحيل ، أو ممكن ، أو خيالي ، أو واقعي ، مفرح كان أم محزنا  ، ولكنه يفضل أن يكون مفرحا وسارا ، يفصح فيه ويوضح  من الشخصية الرئيسية البطل ، ما اسمه ؟ ما كنيته ؟ أذكر أم أنثى ؟ شاب أم رجل ؟ أعزب أم متزوج ؟ وإن كان أعزبا فلماذا ؟ وإن كان متزوجا هل يحب زوجته أم لا ؟ وإن كان لا يحبها فلماذا ؟ هل يعمل أم لا يعمل ؟ وإن كان يعمل فما العمل الذى يعمله  وإن كان لا يعمل فلماذا لا يعمل ؟ أيوجد مانع طبيعى كالإعاقة الطبيعية ؟ أم أن هنالك موانع اقتصادية أو سياسية أو غيرها ؟ أهو يعيش بمفرده أم فى وسط عائلته , أمه , أبيه , أخوته ؟ وهل هو الابن الوحيد أم أن له أخوة ؟ وما ترتيبه بينهم ؟ أهو عطوف أم قاس ؟ أهو محبوب أم مكروه؟  أهو مقدام شجاع أم جبان متخاذل؟ أهو كريم أم بخيل؟ متعلم أم جاهل؟ أهو متفائل أم متشائم ؟ وما مصدر تشاؤمه ؟ وما مصدر تفاؤله  أهو محبوب من والديه أم لا ؟ أهو متعاون معهما أم لا ويحب نفسه ؟ هل يعتمدون عليه أم يفقدون الأمل فيه؟ ولماذا إذا كانا لا يعتمدان عليه ؟ أهو أناني أم يحب الآخرين 0

   ماذا يريد أن يحصل عليه ؟  ماذا يريد أن يحققه؟ ما المشكلة التى تواجهه؟  ما إمكانياته النفسية والاقتصادية والمادية والعائلية التى ستساعده فى الحصول على حاجته وتحقيق هدفه ، أم سيكونون سبب شقائه وفشله ومصارعته؟

    ما المكان الذى تجرى فيه المشاهد ؟ أهو قرية أم مدينة ؟ فى البيداء أم فى الحضر؟ أهو مكان داخلي ، بيت ، قصر ، خيمة ، حجرة ، صالة ، مصنع ، أو نحو ذلك ؟ أم مكان خارجي فى الشوارع ، الحدائق  ، الجبال ، المزارع ، الوديان التلال؟             ما فلسفتك من تحديد ومسرحة المشهد ؟ أتبين المكان الذى يعيش فيه البطل ؟ أم مكان عمله ؟ أم مكان مشكلته؟ أم مكان قضيته ؟ أم توضح مكان معيشته وإظهار وضعه الاجتماعي من أنه غنى أم فقير ؟ من طبقة راقية أم من طبقة شعبية ؟

    ما الزمان الذى يجرى فيه المشهد ؟ هل يجرى الفعل فى الليل أم فى النهار ؟ وإن كان ليلا فلماذا ؟ وماهدفك من ذلك؟ هل لتبين أنه مقدم على أيام صعبة ومشاكل جمة ؟ ومستقبله غامض ؟ أم نهارا لتدلل أن حياته ميسرة مستبشرة ؟ أم تختار أن يكون المشهد يشي بالسعادة ونبل الحاجة

والهدف لذا هو فى النور ؟ أم فى الظلام لأنه يوحى بالحزن والكآبة والحاجة ليست وجيهة والهدف ليس نبيلا0

   يشتمل المشهد الأول كل أو معظم أفراد أسرة البطل ومدى علاقتهم به ؟ ومدى الروابط بينهم ، ومدى مكانته بينهم ؟ وهل يتفقون معه فيما يريد أم يختلفون معه؟ وإن كانوا يتفقون فلماذا ؟ وإن كانوا يختلفون فلماذا ؟ أيبدأ الصراع من داخل الأسرة ويكون بعضها طرفا فيه ؟ أم الجميع متوافق معه ولذا هم يقفون معه ويمثلون طرفا أول من أطراف الصراع؟  

     بعد أن عرفنا من هو البطل ؟ ومن هم أهله ؟ ومن خلالهم يبدأ البطل فى الإفصاح عن حاجته التى يريد أن يحصل عليها ، ويفصح عن هدفه الذى يريد أن يحققه ، ومنه نعرف ما الموضوع ما القضية التي تود طرحها ؟ ما المشكلة التى تود التعرض لها وكشفها وتعريتها وكشف مسالبها التى يريد أن يصلحها وتمثل حاجته ، ويسبرأغوارها ويناقشها وتكون من ضمن أهدافه ، وذروة حاجته التى لا بد أن تكون جليلة حسنة سامية ، تخدم البطل وتخدم آخرين ، كما توضح وتكشف لماذا يفعل هؤلاء الشخوص هذا الفعل؟  ماذا يفعلون ؟ وكيف يفعلون ؟ وبأي وسيلة ؟ وهو ما يكشف فكر البطل أولا وعقيدة الشخوص الآخرين ؟ وطريقة تفكير البطل والشخوص هى التى تبين وتوضح عقيدتهم الدينية ومعتقدهم السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي ، وهو الذى على أساسه يتصرفون ويفعلون ويتكلمون ويختارون ، ومنه نستطيع نحن الحكم عليهم، فاضلهم من رذيلهم ، تقيهم من عاصيهم ، شقيهم من سعيدهم ، من نقتدى ومن لا نقتدى به ؟ من نحبه ويستلب تعاطفنا وشفقتنا ورأفتنا وخوفنا ودعاءنا ومؤازرتنا ؟ ومن يقطع كل ذلك لهم ؟

     فيها يتم التوضيح والكشف عن الطرف الآخر الذى من الممكن أن يقف عقبة فى طريق البطل ويصارعه ويعترض طريقه ، أو ذكر الممانعات والمشكلات والعوائق التى من الممكن أن تقابله نظير تحقيق حاجته ، منها ما هو حتمى ، ومنها ما هو ليس حتميا ولكنه محتمل أن يكون عارضا ومانعا غير متوقع فى لحظة ما ومشهد ما وموقف ما ، مما يسهم فى تعطيل البطل بل يصنع أزمة كبرى له لم يكن يعدها بين حساباته ، مما تصنع عقبة كبرى يجب عليه تخطيها ، وتخطيها ليس بالأمر اليسير ، ومن الممكن أن يكون غير الحتمى ولكنه محتمل هو الذى يقع فجأة وييسر على البطل حاجته أو يخرجه من أزمة هو فيها , مما تسبب له فرحا وتسبب لنا نحن المشاهدين سعادة وفرحا أيضا , لأننا لم نكن نتوقعه ولم نكن نعول عليه كما أن البطل هو الذى حدث فيبهرنا ، وهذا الإبهار هو الذى يدعونا للصلاة على الأنبياء , مما يجعلنا نؤدي نوعا من العبادة التى تطهر النفوس وتذكى القلوب والأرواح , وتكون مطهرة من الأدران ووجع الضمير من أننا نضيع وقتا يلهينا عن ذكر الله 0  

ذروة البداية  (القوة ) التى هى عقدة البداية0

     هى أول عقبة تكون فى طريق البطل بعد أن أفصح عن حاجته وهدفه ، مما يكون مدعاة لإظهار الشخوص الآخرين الذين يوافقون أو يخالفون حاجته , وبالتالي ينافسونه فى الحصول عليها ، ومن ثم يبدأ الصراع بينهما ونعرف بوضوح طرفى الصراع ، والصراع من طبيعته أن يكشف نبل الهدف ونبل الشخوص من تواضعها ، ويبين أى الفريقين على الحق والصدق والخير ؟ من الخَيِّر ومن الشرِّير ؟ ومن المؤكد أن يكون البطل هو الذى يمثل طرف الفضيلة ، لأن البطل لابد أن يكون من أصحاب النفس المطمئنة أو اللوامة ، وأن يكون مصارعوه من أصحاب النفس الأمارة بالسوء الأراذل0 وأما أن يكشف الشخوص الآخرين الذين تختلف حاجاتهم عن حاجة البطل , وبالتالي هم يصارعونه لأن تحقيق حاجته إيذان بعدم تحقيقهم حاجتهم ، أى يكون حاجة وهدف طرف حجر عثرة لحاجة وهدف الآخر فيتولد الصراع والمشاحنة والبغضاء على أشدها وهو المطلوب ، فلا قصة دون صراع ، والصراع هو وقود القصة وأداة الجذب والشد والإمتاع فيها0

     لابد من أزمة كبيرة تظهر طرفى الصراع ، وتظهر مدى فاعلية البطل ، وما مصادر قوته التى سيعتمد عليها فى الخروج من الأزمات ، وخاصة عند وحدة العقدة الكبرى التى تكون فى منتصف القصة حيث تنغلق جميع الأبواب فى وجهه ، ولا يبقى له من حل محتمل بعد الاستعانة والتضرع لله من ميزة يمتاز ويشتهر بها ، هى التى سيقيض الله من يحتاج إليها  فيستعملها البطل ولا يكون أمامه ولا عنده غيرها هى التى تخرجه من هذه العقدة المستحكمة ، وبالتالي تكون محل إقناعنا نحن ، يجب عليك أن تركز عليها وتوضحها فى أول عقبة تقابله ، وليس بالضرورة استعمالها واستغلالها من البداية ، وتكون الميزة مثل ، قوى الحجة ، عنده علم ما يمتاز به ، عنده حرفى أو مهنة ما يمتهنها ويكون مميزا بها ، من أصحاب العضلات القوية والجسم المفتول ، يتحلى بالصبر فهو صبور إلى أكبر حد0

حل أو نهاية البداية : وفيه يوجد حل للتعقيد السابق ليواصل البطل طريقه و يجتاز أول عقبة تقابله مع المحافظة على الغموض والتشويق والإثارة قدر الإمكان على أن تجعل ما سيحدث محتملا لا حتمي الوقوع ، وأن يكون الحل مفرحا ولا يكون مفرحا إلا باعتماده على السخرية أو المفارقة ، وذلك يتأتى من سبب العقبة التى هو فيها ويقطع مسافة بمجهود خارق يستعمل فيه كل أدواته التى يملكها حتى يستطيع أن يحول سبب العقبة إلى أداة للخروج منها , وينجح فى ذلك مما تكون مدعاة للفرح له والسعادة والضحك لنا من خصمه ومصارعيه ، ثم يواصل طريقه نحو حاجته ، وإن كان ذلك بصعوبة بالغة تجعلنا نجله ونحترمه ونكبره ؛ لأنها تظهر قوته ونبله ومدى إصراره وتمسكه بحاجته وهدفه ، الذى من أجله يعمل ويجتهد ويصارع ويقاوم ويتحمل 0

عقدة البداية تعتمد وتبنى على المفارقة الكبيرة ، المعتمدة على المثانى المتوافقة للحاجة الواحدة ، والتي تكون سببا لنشوب الصراع ، رغم الاتفاق على الحاجة الواحدة التى تفرض التوافق والمؤازرة ، إلا أنها تحدث عكسها ، وتولد المؤامرة والمكر والدهاء ، ومحاولة انتصار وتفوق الوضيع على النبيل ، وينتصر وتتغلب الوضاعة على النبل ، وبعد حين تنقلب الحال ويرتد السحر على الساحر ، فإذا بمن يريدون إبعاده وانهزامه من غير أن يدروا يساعدونه مساعدة كبيرة من بلوغ حاجته0

ﭽ ﯢ  ﯣ  ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ   ﯨ    ﯩ  ﯪ  ﯫ           ﯬ  ﯭ    ﯮ  ﯯ  ﯰ  ﯱ   ﭑ  ﭒ   ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚﭛ   ﭜ     ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ       ﭤ  ﭥ  ﭦ  ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ   ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ              ﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ      ﭶﭷ   ﭸ     ﭹ  ﭺ   ﭻ  ﭼ  [ يوسف ]

                                          

الوحدة الثانية: الابتلاء

ﭽ ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤ   ﭥ  ﭦ  ﭧ  ﭨ  ﭩﭪ  ﭫ   ﭬ    ﭭ  ﭼ [البقرة ]

    الابتلاء هو سنة مؤكدة من سنن الله فى خلقه جميعا المؤمن منها والعاصي ، ولا يستطيع إنسان مهما بلغ على رده ، فهو قضاء الله وقدره الذى قدره على جميع البشر، وهو أيضا القوة الأولى التى تهدد الإنسان فى سبب سعادته وقوته ، ولا قبل له على رده أو منعه أو مقاومته ، فهو واقع به لا محالة ، وكل ما يستطيع الإنسان فعله بإزائه هو تحمله بصبر وعزيمة وإيمان معترفا بضعف قوته أمام قوة الله التى لا تغالب ولا ترد مستعينا به عليها آملا أن يخففها عنه أو يعوضه بأسباب أخرى لسعادته التى يسعى لتحقيقها والنجاح فيها ، فليس هنالك من يود أن يعيش تعيسا محزونا فاقدا للأمل الذى هو مادة الحياة وسر الاصطبار على مغالبتها وصعوباتها ، معتمدا على وعد الله الذى قطعه على نفسه العلية بأن يرفع آثار البلاء للصابرين المحتسبين بانفراجة من يسر من عنده تعالى0

   الابتلاء - كما سنوضح - هو أهم وحدات القصة حيث هو الذى يميز ويفرق بين أنواع القصص سواء كانت مأسملهاة بأنواعها ،  أو مأساة بأنواعها ، أو ملهاة0 حيث هنا فى المأسملهاة لا بد للبطل أن ينجح فى الابتلاء0

   الابتلاء أو الامتحان أو الاختبار هو المصيبة الكبرى والبلية العظيمة التى تنزل بالبطل وتهدد سعادته وقوته وتفوقه ، وهو يحاول المحافظة عليها بكل ما أوتى من قوة  ولكنه يصارع قوى كبرى أشد منه وأفتك ألا وهو فرض الله وقضاؤه الذى فرضه على جميع الناس  ، ولذا لا قبل له مهما فعل أن ينتصر ويحتفظ بقوته وأسباب سعادته على الإطلاق  0 ولكنه يظهر نبل البطل من وضاعته خيره من شره ، نجاحه من خسرانه  ولابد للبطل أن ينجح فى الاختبار ، وما من سبيل للنجاح فيه  إلا تحمل الابتلاء بصبر وعزيمة وقبول ورضا وشكر لله ، والابتهال والاعتراف له أنه الأقوى والأجل ومن بيده كل شيء وأن قوته لا تمثل شيئا يذكر بالنسبة إلى قوته تعالى ، ويعترف بعجزه أمام القوة العليا التى هى الله 0 

    الابتلاء يكون فى نفسه أو عقيدته أو عزيمته أو ماله أو ولده أو عرضه  ، مما يعطله عن حاجته ويفعل المستحيل من أجل الوصول إليها، بل تسد أمامه كل الأبواب المفتوحة ، فيصارعهم ويحاول دفع الأذى عن نفسه 0 ويجد التكالب من كل صوب ، مجبرا أن يواجه الجميع ، مع أنه لا يمتلك شيئا من وسائل الدفاع إلا مقوماته الشخصية التى يمتاز بها وهى كل ما يملك  ، وتحدث المفارقة ، أن ما يمتاز به يكون سببا فى بلائه ؛ لأنهم يطمعون فيما يمتاز به وأداته الوحيدة الفعالة ، ويحاصرونه من كل جهة إما أن يتنازل ويقدم لهم ما يمتاز به ، وإما أن يجبروه ليسلك طريقا يبعده كل البعد عن حاجته وهدفه ، فيضطر لاختيار الصعب فليس أمامه غيره يبقى له من شيء يمتلكه ليعينه على مواصلة طريقه للحصول على حاجته وتحقيق هدفه النبيل ، ويسير فى طريق وحيد يبعده كل البعد عن حاجته نظرا لتمسكه بما يمتاز به رغم التهديد والوعيد  فيحاول أن يجتهد بعلمه وخبرته وإخلاصه يفعلها عساها تساعده فى الوصول إلى حاجته ، وتفتح له طريقا ينفذ منه ويخرج من ورطته ، ويلتمس طريقه الصحيح الذى رسمه نحو غايته 0

     الابتلاء هو الفرض من الله الذي لا يغالبه غالب  هو التهديد القوى الواقع لا محالة – يهدد سبب سعادة البطل ، أو سبب قوته ، أو سبب ميزته ، أو ما هو ناجح فيه ، ليفقده هذا السلاح أو هذه الميزة أو تلك الخاصية ، أو سبب السعادة هذا ، مما يسبب تغير خط مساره ، ويجلب الحزن الشديد والذي ليس له علاج غير الصبر 0 والابتلاء هو مصيبة كبرى وبلية عظيمة ، وأزمة جبارة ، ومانع قوى ، تحيق بالبطل تعطله عن حاجته وتصرف همته وقوته إلى شيء لم يكن فى حسبانه ، ولذلك يتوقف هدفه إلى حين التغلب على المستجد الذى يمنعه بل يهزمه ويصرعه ، ويحاول أن يجمع ما تبقى له من  قوة وعزيمة  ويسخرها لتكون مطية للصبر على ما هو فيه من بلاء عظيم وحزن عميق ، أصابه فى مقتل من التسريح من عمله لو كان عمله مصدر سعادته ومكانته ، أصابه فى ولده بفقدانه بالموت  لو كان الولد مصدر سعادته وتفاخره وكل رأس ماله ومبتغاه من الدنيا ، أو إصابة بالغة فى ماله بذهابه وخسرانه دفعة واحدة  لو كان هذا المال مصدر سعادته وقوته ومكانته ونفوذه 0

    الابتلاء هو تعجيز كامل للبطل ، حتى يستذل ويتضرع ويعترف بعجزه وتواضع قوته أمام القوة العليا التى هى الله الذى لا يغلب أبدا 0حتى يمر من هذا الابتلاء الذى يحزنه ويجهده ويرهقه ، ويفقده أسباب قوته وسعادته ، ويحيلهم إلى عكسهم تماما ، ويجاهد فيه تمام المجاهدة ، وهو متمسك بحاجته وهدفه ولا تكون المجاهدة من سبيل لها إلا الصبر فهو الأداة الوحيدة التى يمتلكها البطل فى الخروج من الابتلاء منتصرا، مع أن الابتلاء يجبره على تغيير خط مساره إلى عكسه تماما ، وتتمثل البلية التى هى من الله ولكن وقعها وتحقيقها يكون من خلال مصارعيه الذين يتمكنون منه ، وينزلون به النوازل ، ويفقدونه سبب قوته وسعادته وما يمتاز به عنهم  ، المصارعون للبطل هم الذين يقيضهم الله ويحملهم  إنزال الاختبار عليه لأنهم يصارعونه ويحاولون القضاء  فيما يمتاز به ، من أجل الاستحواذ عليه 0

     الابتلاء هو الوحدة التى يجب أن تستغلها جيدا والتىتحزن البطل ، وتحزننا نحن حتى تستلب تعاطفنا وخوفنا وحزننا على إنسان مثلنا نزلت  به نازلة ، الحزن هو أكثر ما يستنهض الأحاسيس ويؤثر فيها أثرا عظيما يجعلها فى حالة فوران دائم ، وتستشيط بركان المشاعر التى تصل إلى أعلى درجاتها من التفاعل المرهق الذى ينشد الراحة ومتشوق لها متى تحل ولكن من يمكنه من ذلك  ، ويفور طوفان  العواطف , مما يجعل الروح فى حالة تلاحم حقيقية مع ما تشاهده لإنسان بطل يتحمل كل هذا الحزن لما نزل به يهد أعتي الجبال ، وهذا التوحد وتلك المشاركة الوجدانية الحقة لا يجد المشاهد حيالها شيئا مجديا لبطله الذى يحبه ويريد أن يساعده بأي طريقة فيلجأ إلى الله مثله ، ويتضرع ويتذلل لله من أجله 0

   الابتلاء هو نقطة تحول جبارة فى خط الأحداث ، وهو عادة حادثة أو حادث يقع للبطل و يؤثر فيه تأثيرا عظيما ، و يجبره على تغيير مسار خط سيره السليم الذي يسير فيه باتجاه حاجته ، أو على الأقل يعطله عن حاجته ، ويصرفه إلى حاجة أخرى لم يكن يقصدها  0 فإن الابتلاء يقع ليبعده كل البعد عن طريقه وينسجه باتجاه آخر عكس ما يريد ويعتقده ، ويعتبر أزمة كبرى لا يستهان بها ، يجاهد من أجلها البطل من أجل التغلب عليها جل المجاهدة0

   الابتلاء يعتمد على المفارقة الكبرى ، بمعنى أن سبب سعادة البطل وسبب قوته ونجاحه ، هى نفسها سبب شقائه وتعاسته وفشله ، ومع ذلك يحاول البطل استعادة أسباب قوته أو استنهاضها من جديد حتى ينجح فى ذلك ويفعلها ليعاود الاعتماد عليها ولا يفقد ثقته بها ، بل تكون النواة لزاده من جديد وسبب نجاحه الأول ومصدر قوته فيعمل على استعادتها ، وأن انكسارها أو خسرانها لم يفقده بقوة بشرية مجابهة له بل فقدها وهو مجبر عليها لأن القوة التى أفقدته قوته هى قوة عاتية كبرى لا قبل لأي إنسان سواء بطلا أو غير ذلك على ردها أو التفوق فيها أبدا ، وقوة الانتصار والتغلب عليها هى مدى تحملها دون اللجوء إلى الرذيلة أو معصية الله بالخروج عن طاعته ومحاولة الهروب إلى قوة أخرى وهو قوة الشيطان الذى يمد يده للبطل فى اللحظة المناسبة لحظة الانهزام لحظة الخسارة 00لحظة الحزن ، وإن استعان البطل بهذه القوة الواهية يكون الخسران الكامل ، لأنه يعرف أنها قوة ولكنها مضللة ستجلب له العقاب من القوة العليا التى يعرف أنه لا يستطيع ردها أو مقاومتها 0 ولكنه يعرف أنه عند تحملها تكافئه القوة العليا بأسباب قوة وأسباب نجاح أخرى ، أو تعيد إليه أسباب قوته التى فقدها ، وهنا مكمن الامتحان الصعب هل يصبر ولا يثير غضب القوة العليا أم لا يصبر ويثيرها ويقدم لها المبرر لعقابه وخسرانه الخسران العظيم الذى لن ينجح فيه أبدا وعليه فلن يحصل على حاجته ، ولن يتمكن بأى حال من الأحوال من تحقيق هدفه ، من المؤكد أن البطل النبيل والذى هدفه عظيم يختار طاعة القوة العليا والصبر على أمره وإرادته حتى يفوز برضاه وأدوات سعادته التى ستعود إليه وتمكنه من مواصلة الطريق نحو الحصول على حاجته وتحقيق هدفه0

بداية الابتلاء يكون بمشهد يبنى على المستحيل الذى سيكون ممكنا ، بمعنى أن البطل يسير فى طريقه نحو حاجته وهو يتمتع بأسباب قوته وسعادته ، سواء كان مصدر القوة والسعادة هو المال ، أو الولد ، أو العلم ، أو الصحة والعافية ، أو المساعدة من الآخرين ، أو النجاح والتفوق فى عمله ، والتي بها لا يظن على الإطلاق أن يخسرها  فإذا به يخسرها من خلال شخوص مجابهين له يكونون سببا لخسرانه ، وبعضها من الممكن أن يأتيه بسبب لم يكن يتوقعه أبدا ، هنا الفعل الواقع بأمر من الله ولا يكون المجابهون أو غيرهم من أدوات إلا مجرد أسباب ظاهرية شكلية لا تقدم ولا تؤخر من أمر الخسارة المقدم عليها  شيئا ، إلا أن تقدم له بعض الأسباب العقلية المحسوسة التى يستطيع ملامستها هو والآخرون أتباعه ويحاول تفاديها أو التغلب عليها ، وهو يظن ذلك ولا يستسلم ولا يلقى باللوم عليها أو معرفة موطن الداء الظاهرى ، وتكون مدعاة له ليراجع نفسه ويعيد حساباته ، كما تكون مفتاحا ليعرف أن سبب الخسارة به جزء منه هو حدث بتقصير ما ، وهذا من شأنه التخفيف من آثاره النفسية عليه0

عقدة الابتلاء تفشل جهوده فى مواجهة خسارته ، مهما يعد ويجهز لها ، ومهما يبذل فيها من جهد غير عادى ، ولا يترك شاردة أو واردة إلا ويضع لها حسابا دقيقا ، ومع ذلك تقع المصيبة التى تفقده سبب سعادته وسبب قوته ، والمثال على ذلك فى المال مثلا أن يخسره فى البورصة بين ليلة وضحاها ، أو فى الولد بأن يفقد ولده التحكم فى عجلة القيادة ويلقى حتفه ، أو ينتج له إعاقة شبه كاملة تفقده القدرة على الحركة الطبيعية ، أو فى صحته بأن ينهار له عمل يقوم بإنشائه والإشراف عليه فتحدث له صدمة تفقده القدرة على الحركة حينا من الدهر ، أو غير ذلك لمن يشاء 0

حل الابتلاء أن يصبر على ما أصابه ويتحمله باقتناع ورضى ؛ لأن ذلك أمر الله وقضاؤه وقدره الذى لا راد له ولا غالب ، ولكنه يعمل ويجتهد ويستعمل كل أدواته وذكاءه وفطنته وعلمه وحيلته فى كيفية الخروج مما هو فيه ، ويتأتى ذلك من محاولته خلق أسباب قوة أخرى ، ويفضل أن يعاود تفعيل أسباب قوته التى فقدها ، وذلك بدحر اليأس والقنوط والتقرب إلى الله ليعينه أو يستبدله بأدوات قوى أخرى ، حتى يجد فى نفسه العزم والمقدرة على القيام مرة أخرى بصنع أسباب قوى أخرى أو تفعيل ما هو موجود وانهزم به ليكون سبب حافزه ومواصلة سيره والتغلب على كبوته ، وفى نفس الوقت يجاهد هوى نفسه التى تحضه على الذهاب للاستعانة بقوى الشيطان الذى يمد له يد العون والمساعدة فى اللحظة المناسبة ، ولكنه يفطن لذلك ولا يطيع هوى نفسه ويحاربها ، مستعينا بقواه الذاتية الداخلية العامرة بطاعة الله والمتجنبة نواهيه لتكون له العون والزاد فى مواصلة طريقه نحو حاجته وتحقيق هدفه ، واثق فيها غير متخاذل ولا يائس ، رغم ما يعانيه من حزن عميق وخسارة كبيرة 0

ﭽ ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ      ﭚ  ﭛ  ﭜﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠﭡ  ﭢ    ﭣ  ﭤ  ﭥﭦ   ﭧ      ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮﭯ  ﭰ  ﭱ      ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶﭷ  ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ     ﭼﭽ  ﭾ   ﭿ  ﮀ  ﮁ  ﮂ  ﭼ [ يوسف]

 

 

الوحدة الثالثة: الزلة

ﭽ ﭺ  ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﮀ   ﮁ           ﮂ  ﮃ  ﮄ  ﮅ  ﮆ  ﮇ  ﮈ  ﮉﮊ  ﮋ    ﮌ  ﮍ  ﮎ  ﮏ  ﭼ [ النساء ]   

     الزلة هى الفعل الذى يقدم على فعله البطل بغير تفكير سليم ، ولا بحساب متعقل دقيق ، ولا برؤية ثاقبة تعتمد على الحضور التام والفطنة الحاضرة ، فيخطئ وتكون وبالا عليه ، وهو الذى يثق فى صلاحها وحسنها وصوابها ، بعد أن تحمل مرارة الصبر وآثار الابتلاء الذى يشق على الأنفس تحمله ، لأنه يقاوم آثار بلية كبرى نزلت به لا يستطيع دفعها لأنه لو فعل ذلك فهو يواجه ويصارع قوى أكبر منه ، وهو الله الذى لا يستطيع المصارعة معه غير الامتثال لأمره وتحمل ما يفرضه عليه بإيمان وعزيمة وصبر واقتدار ، ولكن من شدة الابتلاء تفتر العزيمة ويقل الصبر ويصعب ، فيشعر بالإجهاد والتعب والعناء ويغيم الطريق أمامه ، ولا يحسن التفكير السليم فيقدم على اتخاذ خطوة ما ظنا منه أنها سترفع عن كاهله العناء وستفتح له الباب وسيتمكن من العودة إلى الطريق الذى رسمه لنفسه ويعرفه ، حتى يحصل على حاجته ويحقق هدفه الذى من أجله  يبذل ويتحمل ، وبعد أن يقطع هذه الخطوة التى يظن فيها الصلاح والصواب يكتشف أنه أخطأ الخطوة التى خطاها ، أو أخطا التفكير ، وما أقدم عليه من فعل كان يظنه صوابا صار خطأ يفرض عليه العقاب ، ويتم فرض العقاب عليه ، والعقاب شديد يجعله يتحمل آلاما ومعاناة كبرى ، وهو يحاول إقناع الآخرين الذين أوجبوا عليه العقاب أنه لم يكن يقصد ، بل كان ينوى الخير كله ، ولكنه يرفل فى المعاناة والآلام محاولا رفع الأذى عن نفسه ، فلا يجد من باب غير أن يتوب إلى الله عن ذنب لم يكن يقصده ، ويتوسل إلى الله أن يفرج عنه كربه وآلامه وما هو فيه ، وتلك الآلام التى يرفل فيها هى الباعثة والمحركة للشفقة عليه فى قلوبنا ونفوسنا ، والخالقة للتعاطف معه لأنه لا يستحق هذه المعاناة وهذه الآلام لأنه أخطأ ولم يكن ينوى الخطأ ، بل حدثت رغما عنه نظرا لما يمر به من فقدان أسباب قوته التى سلبها من

المصدر: كتاب ل فتحى حسان محمد
aldramainquran

أسس القصة بصفة العموم الروائية والدرامية: البداية - الابتلاء - الزلة - العقدة - الانفراجة - التعرف - النهاية القواعد : الصراع - الحبكة - التغير - الانقلاب - اللغة المكونات : الاحداث - المكان - الزمان - المؤثرات - الفكر - الفكرة

  • Currently 168/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
54 تصويتات / 1131 مشاهدة
نشرت فى 29 أكتوبر 2009 بواسطة aldramainquran

ساحة النقاش

فتحى حسان محمد

aldramainquran
أديب روائى ودرامى وكاتب سيناريو، مؤلف كتابيى أسس وقواعد الأدب والرواية من القرآن الكريم ، وأسس وقواعد الدراما من القرآن الكريم ، ومجموعة من سيناريوهات الافلام والمسلسلات التى فى عقالها. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

107,697