الجذور اليهودية للشيعة
في كتاب علل الشرايع للصدوق الشيعي
دراسة نقدية
تأليف
أ. د. / محمد عبد المنعم البري
عميد مركز الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر
رئيس جبهة علماء الأزهر الشريف سابقا
بسم الله الرحمن الرحيم
( وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ {85} وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ {86} وَأَلْقَوْا إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ {87} )
[ سورة النحل، الآيات : 85-87] .
( وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ) [ الأنفال : 60 ]
صدق الله العظيم
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصل اللهم وسلم وبارك على حبيبك المصطفى وصفيك المجتبى نبينا محمد وآله العترة الطاهرين وأصحابه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان في الأولين وفي الآخرين وفي الملأ الأعلى ، إلى يوم الدين ، عدد من دخلوا في رحمتك بسببه يا أرحم الراحمين وبعد.
فقد تعارف العلماء على أن الإنسان المثقف هو الذي يأخذ من كل فن بطرف ، أو من يعي شيئا من كل شيء، ولا شك أن العلوم والمعارف الإسلامية ، وما يخدمها أو يتصل بها من قريب أو بعيد ، وكذا الفرق المنشقة أو الدخيلة أو المناوئة للدين القيم ، أولى بالاهتمام والاستيعاب وأخذ الصورة الصادقة عنها من وثائقها الثابتة ، ومصادرها الأصيلة ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ، لوضع حد لمزايداتهم المؤسفة ، لتشويه وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بدعوى فشله في اختيار الصف الأول من الأصحاب والزوجات رضوان الله عليهم أجمعين.
ولفضح خصوم الإسلام ، من أدعيائه الذين يتعبدون بالكذب على الله تعالى ورسوله وآل بيته ، ويمثلون الصورة الكئيبة القبيحة للإسلام ، كصنائع المنافق اللعين واليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ الذين دعمهم وأبرزهم على الساحة، الاحتلال الفرنسي للشام ، كالنصيرية في سورية رهط حافظ الأسد ، وكذلك الدروز في لبنان ، أصحاب الحزب التقدمي ، الذي يتزعمه آل جنبلاط .
وألعن الفرق المقاتلة في الجيش الصهيوني ، وأشدها تنكيلاً بالمستضعفين من المسلمين والعرب ( اللواء الدرزي ). ولم تكن المخيمات الفلسطينية للعزل والأبرياء من الأطفال والنساء بلبنان كصابرا وشاتيلا وغيرهما بأحسن حظًا منها بين مخالب المعتدين عليهم من حركة أمل الشيعية وحزب الله اليد الطولى لإيران والشيعة الإمامية الجعفرية الاثنى عشرية، بما يفسر في الواقع المحسوس قول الحق سبحانه :
( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوَا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ {82}) [ سورة المائدة الآية : 82].
عوامل التشجيع على وضع الفكر الشيعي تحت المجهر
من أهم العوامل التي شدت العزيمة للخوض في هذه المستنقعات الأسنة ما يأتي :
1- النتائج المشرفة للحوار الهادئ مع أحد أعلام الشيعة بأمريكا 1985م بأحد المراكز الإسلامية الكبرى خلال شهر رمضان المبارك ، أوردها فيما بعد .
2- ورود كثير من النصوص التي توصي الأتباع باعتبار عقائدهم أسرارا تحت الأرض لا يصح كشفها إلا للشيعة وتهديد من يخالف هذه الوصية بأوخم العواقب في الدنيا والآخرة ، وأقرب هذه الوصايا المؤكدة لذلك ما أورده رئيس المحدثين الشيعة في السطرين الأخيرين ص 610 من كتابه الذي بين أيدينا علل الشرايع يقول : [ وانصرف ولا تطلع على سرنا أحدا ، إلا مؤمنا مستبصرا ، فإنك إن أذعت سرنا بليت في نفسك ومالك وأهلك وولدك ] .
وبهذا الحظر الحاسم ندرك سر جهل الكثيرين من أهل العلم والفضل بخفايا عقائد هؤلاء ، وغرائب فكرهم ، وعجائب تأويلاتهم بما يضحك الثكلى .
3- شهادة الإمام الشعبي (1) شيخ التابعين وإمامهم في شأن الشيعة الروافض أنهم صنائع اليهود ، وأنهما وجهان لعملة واحدة ، بما تفيض به المراجع العريقة للأعلام ، مثل الفقيه : أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي ، في كتابه العقد الفريد ، ج 2 ص 122 و123 ، ما أورده مالك بن معاوية قال : قال لي الشعبي : ( وذكرنا الرافضة ) [ يا مالك ، لو أردتَ أن يُعطوني رقابَهم عبيداً وأن يملؤوا بيتي ذهبا على أن أَكْذبِهُم عَلَى عَلي كذبة واحدة لفعلوا ، ولكني والله لا أكذب عليه أبدا ، يا مالك ، إني درست (2) الأهواء كلها ، فلم أر قوما أحمق من الرافضة ، فلو كانوا من الدواب لكانوا حميرا ، أو كانوا من الطير لكانوا رخما ، ثم قال : أحذرك الأهواء المضلة ، شرها الرافضة ، فإنها يهود هذه الأمة ، يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانية ، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله ، ولكن مقتا لأهل الإسلام وبغيا عليهم ، وقد حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار ، ونفاهم إلى البلدان ، منهم عبد الله بن سبأ ، نفاه إلى ساباط ، وعبد الله بن سباب ، نفاه إلى الجازر (3) ، وأبو الكروس ، وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود ، قالت اليهود : لا يكون الملك إلا في آل داود ، وقالت الرافضة : لا يكون الملك إلا في آل علي بن أبي طالب ، وقالت اليهود : لا يكون جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح المنتظر، وينادي مناد من السماء ، وقالت الرافضة : لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينزل سبب من السماء ، واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم ، وكذلك الرافضة ، واليهود لا ترى الطلاق الثلاث شيئا ، وكذا الرافضة ، واليهود لا ترى على النساء عدة ، وكذلك الرافضة ، واليهود تستحل دم كل مسلم ، وكذلك الرافضة ، واليهود حرفوا التوراة ، وكذلك الرافضة حرفت القرآن، واليهود تبغض جبريل وتقول : هو عدونا من الملائكة ، وكذلك الرافضة تقول : غلط جبريل في الوحي إلى محمد بترك علي بن أبي طالب ، واليهود لا تأكل لحم الجزور ، وكذلك الرافضة ، ولليهود والنصارى فضيلة على الرافضة في خصلتين : سئل اليهود : من خير أهل ملتكم ؟ فقالوا : أصحاب موسى ، وسئلت النصارى ، فقالوا : أصحاب عيسى ، وسئلت الرافضة : من شر أهل ملتكم ؟ فقالوا : أصحاب محمد، أمرهم بالاستغفار لهم فشتموهم ، فالسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة، لا تثبت لهم قدم ، ولا تقوم لهم راية ، ولا تجتمع لهم كلمة ، دعوتهم مدحورة ، وكلمتهم مختلفة ، وجمعهم مفرق ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله].
وذكرت الرافضة يوما عند الشعبي فقال : لقد بغضوا إلينا حديث علي بن أبي طالب.
وقال الشعبي : ما شبهت تأويل الروافض في القرآن إلا بتأويل رجل مضعوف من بني مخزوم من أهل مكة ، وجدته قاعدا بفناء الكعبة . فقال : يا شعبي ما عندك في تأويل هذا البيت ؟ فإن بني تميم يغلطون فيه ، يزعمون أنه مما قيل في رجل منهم ، وهو قول الشاعر :
بيتا زرارة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
فقلت له : وما عندك أنت فيه ؟ قال : البيت هو هذا البيت ـ وأشار بيده إلى الكعبة ـ وزرارة الحجر ، زرر حول البيت ، فقلت : فمجاشع ؟ قال : زمزم ... إلى آخر خرافاتهم المضحكة ، لا سيما في تأويل القرآن الكريم.
4- توفر الوسائل المتاحة للبحث والدراسة المتأنية في أمهات كتبهم ، وأهم مراجعهم الدينية ، من الكتب الأربعة التي يقوم عليها دينهم ، مثل: "من لا يحضره الفقيه"، لأبي جعفر الصدوق ، رئيس المحدثين الشيعة (أربع مجلدات) والذي نحن بصدد دراسة تحليلية نقدية ، لنماذج من عقائد الشيعة ومفاهيمهم ، من خلال كتابه " علل الشرايع " ( جزآن ) ، و"الاستبصار" للطوسي (أربع مجلدات) ، وكذا "التهذيب" له ، و"الكافي" للكليني ، وعشرات المجلدات الأخرى ، بما يشكل مكتبة شيعية خاصة، حصلت عليها مجانا ، إثر قرار الخميني بتصدير الفكر للخارج ، خلال عملي كأستاذ معار لإحدى جامعات الخليج .
5- الأمل والرجاء في عفو الله ورحمته ، أن يرد بعض ذوي العقل والنظر فيهم ، من التردي في مهاوي ألعن كبيرة في الإسلام ، وهي الشرك بالله ، بمثل جعل علي رضي الله عنه شريكا منفذا له حق الإدارة والأمر في الجنة والنار ، ومالك ورضوان يأتمران بأمره ، ووصفه بصفات الألوهية ، كعدم النسيان ، وعلم ما كان ويكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ، بعد حكم الله سبحانه في قرآنه الخالد (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بت وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا {48} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً {49} انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا ) [ سورة النساء : الآيات من 48 ـ 50 ] .
6- الفرار من سخط الله ولعنته وأليم عذابه ، لا سيما والفقير شيخ على مشارف اللقاء والعرض على مولاه، وقد انبلج الصبح لذي عينين، والله سبحانه وتعالى يتوعد كل شيطان أخرس ، يعرف الحق ويكتمه ، بالطرد والحرمان ، والإبعاد من رحمة الله التي وسعت كل شيء ، في قوله سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ {159} إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [ سورة البقرة : الآيات من 159 ـ 160 ] .
وأقوم بمشيئة الله وعونه ـ بعرض ونقد علمي ، لنماذج مما وردت في هذا الكتاب ، من تعليلات فاسدة تضحك الثكلى ، ثم أقوم بنقدها وتفنيدها والرد عليها ، وقد قسمت هذه النماذج إلى عدة موضوعات عامة تجمع تحتها الكثير من المسائل والقضايا ، ويلاحظ على الكتاب في ترتيبه الموضوعي والعددي أنه لم يبذر سمومه مع بدايته، ليخدع القارئ ويعمّي عليه الأمر ، ثم يجمع خبائثه مع نهاية الكتاب ، وبالتالي سنجد هنا معظم الأفكار الضالة والتعليلات الساقطة في منتصف الكتاب وما بعده إلى نهايته .
وفي الفصل الأول أبين صورة عامة عن المؤلف وكتابه، ثم الفصل الثاني : وقد قسمت هذا الفصل إلى عدة مباحث هي :
المبحث الأول : ما يتعلق بالأنبياء عليهم السلام.
المبحث الثاني : ما يتعلق بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
المبحث الثالث : ما يتعلق بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .
المبحث الرابع : ما يتعلق بأمة محمد صلى الله عليه وسلم .
الفصل الثالث : العبادات .
الفصل الرابع : المعاملات والعلاقات الإنسانية والاجتماعية مع مثل النبط ، الأكراد ، الأعراب ، الطينة .
الفصل الخامس : علل متفرقات .
وتحت كل مبحث من هذه المباحث مسائل تدرس وتعرض للنقد والتفنيد، إبراءً للذمة ونصحاً للأمة : (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) [ سورة هود الآية : 88] .
ثم ألحق بذلك صورة موجزة ، عن الحوار الذي دار مع الأديب الشيعي بأمريكا ونتائجه ، وإشارة لتقرير علمي عن كتاب شيعي معاصر كتبته بناء على طلب من مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بمنع تداوله ، لاتساع زوايا الانحرافات والتخريب الفكري فيه ، مدعما بأدلة مما حواه الكتاب.
أسأل الله سبحانه أن يتقبل جهد الضعيف خالصا لوجهه الكريم ، يبيض به وجهه ووالديه وذريته وأحبابه في الله تعالى جميعا ، إن ربي سميع مجيب وما ذلك على الله بعزيز .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
حدائق الزيتون بالقاهرة.
كتبه
أ. د. / محمد عبد المنعم البري
رئيس جبهة علماء الأزهر الشريف
الفصل الأول
تعريف بالمؤلف وكتابه
سرد لجانب من مكانته المرموقة عند الشيعة
أولاً : حياة المؤلف (4) 306 : 381 هـ
نسبه :
هو الشيخ رئيس المحدثين ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه ، الصدوق القمي ، ولد بقم حدود سنة 306 هجرية ، ولم يُر في القميين من يضاهيه في سمو مكانته ورفيع مقامه العلمي عند الشيعة .
ونشأ في أسرة علمية من البيوتات التي ذاع صيتها بالعلم .
وكان أبو الحسن علي بن الحسين ، والد الصدوق فقيه الشيعة ، مرموق المكان لدى عامة أهل قُم ، وإليه يرجعون في الأحكام ، مع كثرة من فيها من أكابر القوم.
تُوفي والده سنة 329 هـ، وقيل إن الإمام الحادي عشر أبا محمد الحسن بن علي العسكري ، دعا له أن يرزق ذرية صالحة ، فقيل له : ستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقيهين ، وقد رزق منها بالإمام الصدوق ، وأخيه أبي الحسن .
ونشأ الصدوق في هذه البيئة العلمية ، وأصابته دعوة الإمام فكان من الحفاظ.
نشأته :
نشأ الصدوق بين أحضان العلم ، يغذيه أبوه لبان المعارف ، ويغدق عليه من فيض آدابه ، ما زاد في تكامله العلمي في الفكر الشيعي.
نشأ برعاية أبيه ، الذي كان يجمع بين العلم والعمل ، وكان ركناً من أركان الشيعة ، ترجع إليه في كثير من الفتيا ، يعمل تاجراً ، وكانت نشأة الصدوق الأولى في بلدة قم من بلاد إيران ، ساعدته على النبوغ والذكاء إذ كان يسمع الشيوخ ويروي عنهم ، وهو صغير حدث ، ولعل السر في نشاط الحركة العلمية يومئذ ، هو فضل ولاة الأمور الشيعة ، في الحكومات الإيرانية ، فإن الناس على دين ملوكهم ، وكانت السلطة في إيران للديالمة آل زبار وآل بويه ، وفاق عصر آل بويه من سبقهم ، بحسن خدمتهم لأهل العلم ، وتأييدهم لهم ، وكثرة من كان منهم في بلاطهم من وزراء ، وكتاب ، وقضاة ، كالصاحب ابن عباد ، وكانوا يلقون الرعاية من الأمراء ، خاصة ركن الدولة البويهي الذي حظي بصحبة كثير من علمائهم ، واستفاد منهم ، وفي طليعتهم الشيخ الصدوق ، إذ استدعاه وشاركه أهالي بلدة الري في تلك الرغبة ، وطلبوا من الشيخ سكنى الري ، فلبى طلبهم وأقام هناك.
أسفاره :
وللصدوق أسفارٌ متعددة ، لكثير من البلدان ، لطلب العلم والزيارة للمشهد المقدس ، أو البلد الحرام ، ومن البلاد التي سافر إليها:
1- خراسان: إذ سافر إليها في رجب سنة 352هـ لزيارة المشهد المبارك بها وهو مشهد الإمام الرضا ، وهذه الزيارة الأولى ، كما زاره ثانية في سنة 367هـ والسنة التي تليها ، وفي ذلك كله يُعلِّم الناس ، ويملي عليهم من معارفه.
2- جرجان: سمع بها من أبي الحسن محمد بن القاسم ، تفسير الإمام العسكري عليه السلام وأبي محمد عبدوس بن علي بن العباس الجرجاني .
3- نيسابور: وهي بلدة واقعة بين الري وسرخس في طريق خراسان ، أقام بها مدة وعلم أهلها.
4- مرو الرود: وهي مدينة من مدن خراسان ، وكذلك سافر إلى سرخس ، وسمع بها من أبي النصر محمد بن أحمد بن إبراهيم السرخسي.
5- سمرقند : وردها في سنة 368هـ وسمع بها أبا أسد عبد الصمد بن عبد الشهيد ، كما سافر إلى ( بلخ ) ودخلها أيضا سنة 368هـ وأجازه فيها أبو القاسم عبد الله بن أحمد الفقيه الشيعي .
6- إيلاف : من بلاد ما وراء النهر، سمع بها الحديث من أبي نصر محمد وابن الحسن بن إبراهيم الكرخي، واجتمع فيها ببعض أعلامها، وطُلب منه فيها تأليف كتابه الشهير "من لا يحضره الفقيه" ( سنتكلم عنه فيما بعد ) وذهب إلى فراغانة وهمدان ، وبغداد ، وتعلم من شيوخها ، وعلم أهلها.
7- مكة والمدينة: تشرف بحج بيت الله سنة 354 هـ وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور أهل بيته، وفي عودته مر بالكوفة، وسمع فيها من جماعة كمحمد بن بكران النقاش .
وهذه جملة أسفاره يظهر من خلالها تحرك الشيخ في كثير من البلدان ، ولكنها على كل حال زيارات خاطفة ، لم تستغرق الكثير بل كانت إقامته الدائمة بقم والري.
شيوخه :
تتلمذ الصدوق على كثير من علماء عصره، يظهر ذلك عند مطالعة كتابه "من لا يحضره الفقيه" ثاني الأصول عند الشيعة ، وقد أخذ الرواية عن كثير من الخاصة والعامة ، وتحمل عنهم الحديث في مختلف الفنون ، ومعظمهم من العلماء الكبار في الحواضر العلمية في القرن الرابع الهجري ، كبغداد والكوفة والري وبخارى ، تلك البلاد التي سافر إليها الشيخ ، وحَدَّث وحُدِّث بها ، وقد أحصى أحد علماء الشيعة ، وهو محمد الحسين النوري في خاتمة كتابه " مستدرك الوسائل " كثيراً منهم ، وذكر السيد حسن الموسوي في تقديمه لكتاب "من لا يحضره الفقيه" قائمة بأسماء معظمهم ، حتى ذكر أن عددهم 211 ، وهو لا شك عدد مبالغ فيه مبالغة واضحة ، وفيه تناقض بين ما سبق ذكره من حسن فهمه ونبوغه المبكر، ونشأته العلمية العالية إلخ ، وبين هذا العدد الجم ، فربما التقى بأحدهم مرة أو مرات سمع قليلاً أو كثيراً، فاعتبروه من شيوخه لإصباغ هالة من التفخيم لحفظه أو الرفعة لشأنهم ، وعلى كل حال فهي علوم ، ونقول يغشاها الضلال والخداع للبسطاء من باب إلباس الباطل ثوب الحق ، قال الله تعالى : (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا {5} ) [ الكهف آية : 5 ].
تلاميذه :
ذكر السيد بحر العلوم في مقدمته لعلل الشرائع قوله : " لو أردنا أن نستقصي على التحقيق والاستقراء جميع من روى عن الصدوق وأخذ عنه العلم لطال بنا البحث ، ولاحتجنا إلى زمن كثير ، خصوصاً بعد أن نقف على ما ذكره أصحاب المعاجم ، من أن شيوخ الأصحاب سمعوا منه ، وأخذوا عنه في حداثة سنه" ، وقد ذكر كبار الشيعة أسماء التلاميذ الذين أخذوا عنه في معاجمهم ، وقد بلغ عددهم حوالي عشرين يقولون إنهم من كبار العلماء فيما بعد، ويقولون أيضاً إنه لم يتيسر لهم الوقوف إلا على هذا العدد الضئيل، ولم يعثروا على بقية أسماء تلاميذه، وربما لا يكون له تلاميذ سوى هؤلاء، خاصة إذا ما عرفنا عن الشيعة رغبتهم في الكتمان والتقية والانزواء ، وعدم الإفضاء بما لديهم إلى أي أحد ، بل يتخيرون خلفاءهم اختياراً دقيقاً ، لضمان السرية والاستمرارية ، ولا أقول هذا تقليلاً من شأنه ، وإنما من واقع قراءاتي المتعددة ، وغوصي في أعماق الشخصية الشيعية.
آثاره العلمية :
سنفاجأ هنا بمبالغات ضخمة ومزايدات مفتعلة في تقييم تركته العلمية ، فيقول السيد الموسوي في تقدمته لكتاب "من لا يحضره الفقيه":
"غير خفي ما كان عليه شيخنا الصدوق ، من ثراء علمي ضخم ، وأنا في غنى عن سرد كلمات المترجمين فيه فلا حاجة إلى ال; mso-b


ساحة النقاش