الوجه الجديد لحزب الله

لا تزال الولايات المتحدة تبحث عن النموذج الأصلح الذي تراه جديرا بتسلم زمام الأمور في الشرق الأوسط فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر باتت الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة تقوم على ركائز منها استبدال المحافظة على استقرار الأنظمة الموجودة في الشرق الأوسط بتغيير هذه النظم فقبل أحداث 11 سبتمبر كانت نصيحة اللجنة التي شكلها بوش لرسم خياراته الإستراتيجية و أولويات السياسة الأمريكية تدور حول ضرورة الفصل بين التوجهات الإستراتيجية الثلاث : النفط و الإرهاب و الصراع العربي الإسرائيلي لأنه لابد أن يظل كل منهم مستقلا بذاته وبعيدا عن الآخر: الخليج وما حوله ناحية ، وفلسطين وما حولها ناحية أخرى ، و الإرهاب كوجهة ثالثة لأن المزج بين الثلاثة يخلق تفاعلات تنشأ عنها شحنات خطر يصعب تقديرها.

يضاف إلى ذلك أن الفصل بين هذه النطاقات هو الضمان لإحكام السيطرة على إدارة كل واحد منهما في حدوده المعينة وفي إطار المحسوب.

أما بعد أحداث بعد 11 سبتمبر فقد تنامي الاتجاه داخل الإدارة الأمريكية لجعل موضوع مكافحة الإرهاب في سلم أولويات هذه الإدارة لاستعادة الهيمنة المفقودة و تنفيذ أجندات مؤجلة فقد شكلت تلك الأحداث صدمة أمنية نالت من هيبة أمريكا وشكلت إطارا عاماً لرسم السياسة الخارجية بل والداخلية وأعادت رسم أولويات الإدارة الأمريكية الحالية.

لقد شكلت أحداث سبتمبر إطارا نظرياً وفكرياً جديداً يتم الاسترشاد به في رسم السياسية الخارجية الأمريكية وبعلاقات أمريكا بأشخاص المجتمع الدولي، وعليه فقد قسم بوش الدول إما معنا أو ضدنا وبذلك فقد أعاد للعلاقات الدولية أطر الحرب الباردة بما تضمنته تلك التصورات من تأزيم للعلاقات الدولية وتفجير الصراعات الدولية وهيمنة ظاهرة الصراع الدولي على مظاهر التعاون في العلاقات الدولية، كما أسهمت تلك النظرة بتأجيج حده التوترات الدولية لاسيما في البؤر المشتعلة أصلا والتي أهمها على الإطلاق بؤرة الصراع العربي الإسرائيلي.

و نتج عن التفكير الأمريكي في تغيير إستراتيجيتها باستبدال النظم التي خرج منها الذين ضربوا الولايات المتحدة بأخرى و لكن ما هو البديل ؟و من هنا جاء التفكير في البديل الأكثر شعبية داخل العالم الإسلامي و هي الحركات الإسلامية .

و مع بداية الفترة الثانية لحكم الرئيس الأمريكي جورج بوش بدا أن الحلم الأمريكي في العراق توقف و أثبت عجزه أمام ضربات المقاومة السنية و ازدادت وتيرة محاولة تدجين الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط لتتناغم مع الأهداف الأمريكية و من هنا كان ذلك أحد الأسباب التي جعلت حزب الله يدخل على الأجندة الأمريكية .

أما السبب الآخر فيتمثل في بعد آخر في الإستراتيجية الأمريكية و هو نظرتها الجديدة في تعاملها مع الأقليات في الوطن العربي و خاصة الشيعة بقصد تحجيم الأغلبية السنية و التي في الغالب تقاوم النفوذ الأمريكي و سعيها للهيمنة.

و في هذا الإطار جاء مقال هيلينا كوبان في دورية بوستون ريفيو عدد أبريل و مايو 2005 تحت عنوان (الوجه الجديد لحزب الله ) و الملاحظ أن هذا المقال جاء بعد رحلة قامت بها الكاتبة إلى بيروت و لبنان و التقت فيها بالعديد من المسئولين في حزب الله و خارج الحزب لتعد في النهاية تقريرا للإدارة الأمريكية يمكنها من وضع إطار جديد في تعاملها مع هذا الحزب الشيعي.

وتقول كاتبة المقال إنها قامت خلال شهري أكتوبر ونوفمبر الماضيين بالعديد من الزيارات لمقر جماعة حزب الله في ضاحية بيروت التي تتكون من ثلاث بلديات كبرى تتاخم حدود العاصمة اللبنانية من الحدود الجنوبية، وتعتبر مركزًا للشيعة في لبنان وتضم عددًا من المنظمات والفصائل الشيعية القوية مثل حزب الله وجماعة الرفاهية الاجتماعية التي يترأسها الزعيم الشيعي محمد حسين فضل الله البالغ من العمر 69 عامًا، وقد شهدت هذه المنطقة احتجاز العديد من الرهائن الأمريكيين والغربيين في أواسط وأواخر حقبة الثمانينيات على يد الفدائيين الشيعة الذين يرتبطون بنوع ارتباط مع جماعة حزب الله، وتوجد في شارع ضاحية بيروت عدة مكاتب تابعة لجماعة حزب الله تحمل اسم زعيم الحزب الأول الشيخ راغب حرب الذي اغتالته إسرائيل عام 1984.

وتتذكر الكاتبة فترة عملها في لبنان أواخر السبعينيات عندما كانت منطقة ضاحية بيروت عبارة عن أكواخ واسعة، وتكاد تنفجر من الازدحام بسبب التدفق الهائل لمئات الآلاف من الشيعة الجدد الوافدين، حيث كان العديد من الشيعة في لبنان يهربون إليها بسبب فقر المناطق التي يعيشون فيها على غرار منطقة بعلبك في شرقي لبنان، بينهم قدم الآخرون إلى ضاحية بيروت هربًا من القتال الإسرائيلي الفلسطينيّ الشرس في منطقة إميل جبيل التي تسكنها أغلبية شيعية جنوب لبنان، والبعض الآخر مرحلون من شرق وجنوب لبنان بعدما مارست الميليشيات المسيحية عمليات تطهير عرقي خاصة في عامي 1975 و1976.

وتقول الكاتبة إن منطقة ضاحية بيروت اليوم تختلف بشكل كبير حيث تنتشر فيها العمارات السكنية ذات الطوابق المرتفعة، والقليل من النساء في الشوارع يرتدين الحجاب الكامل بينما ترتدي أغلبية النساء أوشحة الرأس.

وتضيف الكاتبة قائلة: "في السبعينيات قضيت الكثير من الوقت أطوف على مكاتب كبار المسئولين في مختلف القوى السياسية اللبنانية وحتى الفصائل والفئات الفلسطينيّة، وقد كانت المقابلات الصحفية مع المسئولين في ذلك الوقت غير سهلة على الإطلاق للدرجة التي لا تكون متأكدًا معها مما إذا كنت ستنجح في توجيه كل الأسئلة التي تحملها في جعبتك وتحصل على أجوبة شافية عليها أم لا، وفي تلك المرحلة لم يكن هناك وجود لمكاتب حزب الله التي يمكن الاتصال بها".

وتؤكد الكاتبة أن الأوضاع الآن تغيرت تمامًا، حيث تقول: "في أول زيارة لي لمكاتب حزب الله في الخريف الماضي، رحب بي محمد عفيف رئيس قسم العلاقات الإعلامية والعضو بالمكتب السياسي حزب الله المكون من أحد عشر شخصًا، وهو الذي رتب لي سلسلة من اللقاءات الصحفية، وقد كان جميع من اجتمعت معهم من مسئولي الحزب من الرجال، رغم أنني أعلم أن هناك نساء يعملن في مكاتب أخرى تابعة للحزب، ولم يكن هناك أحد ممن التقيت بهم يمكن اعتباره من رجال الدين، بل كان جميع من التقيت بهم يرتدون الزي الغربي الطراز لكن بدون رابطة عنق – مثل المسئولين الإيرانيين – وهم لم يصافحوني أبدًا وكانوا يحاولون مساعدتي ولكن بشكل حذر للغاية، وكان يبدو واضحًا أن هذا هو نمط سلوكهم بعد أن تعرض العشرات من زعماء وكوادر حزب الله للاغتيال من قبل إسرائيل على مدار العشرين عامًا الماضية، وهم لا يعرفونني ولم يسبق لهم أن رأوني أو سمعوا عني".

وتضيف الكاتبة: "هناك شخص يرمز له بحرفي زد .إتش وفقًا لطلبه كان يعتبر مصدر موثوق على مقربة من حزب الله، وقد تحدث معي حول إستراتيجية حزب الله الخاصة بالعمل السياسي في ظل نظام ديمقراطي يحكم لبنان .

و يجيب زد إتش عن موضوع خطير يتعلق بعدم رغبة حزب الله حتى الآن في السيطرة على إحدى الحقائب الوزارية في الحكومة، بقوله: نحن نؤمن بأن مشاركة أي حزب سياسي في الحكومة يجب أن تعني تأثير حقيقي لهذا الحزب على أسلوب عمل الحكومة، لكن في لبنان لا يمكنك ان تتابع تنفيذ برنامج حزبك إذا دخلت الحكومة لأن الحكومات في لبنان تتشكل انطلاقًا من الائتلافات التي تتم، في أي مكان آخر يمكنك أن تدخل بحزبك في الحكومة على أساس برنامج محدد وتتحرك وفقًا لهذا البرنامج لكن في لبنان لا يمكنك ذلك، كما انه يوجد بعد آخر يتمثل في تطلعات الجماهير بمعنى أن حزب الله يمثل شريحة كبيرة من المواطنين اللبنانيين وهؤلاء الناس لديهم طموحات وآمال ولو وافق حزب الله على أخذ حقيبة وزارية في أية حكومة وواجهته حقيقة عدم تمكنه من تلبية مطالب مؤيديه فإنه سيخسر من مصداقيته وشعبيته لأن لبنان فيها الفساد منتشر في كل مجال، ونرى أنه من المحتم تجديد كافة المؤسسات لكنها مسألة صعبة للغاية وستستغرق وقتًا، وإضافة إلى ذلك هناك حقيقة أن الهيكل السياسي في لبنان مازال طائفيًا إلى حد بعيد، وبالتالي فإن الناس ينقادون ليس وفقًا للمصالح والمعايير الموضوعية وإنما وفقًا للعواطف والمشاعر الطائفية، ورؤيتنا تقول إن السياسيين في لبنان يقودون الناس بنفس منهج العشيرة القديم أو التعامل القبلي الذي يقوم على مراعاة المصالح الطائفية بدلا من خدمة الوطن كوحدة واحدة، لكل هذه الأسباب فإننا ننأى بأنفسنا عن الدخول في أية حكومة في الوقت الحالي، حتى إن تحملنا السلبيات التي تواجهنا بسبب هذا الخيار.

أما بالنسبة للبلديات فقد قال زد إتش: "لقد حاولنا إصلاح المؤسسات البلدية، وفي بعض الأماكن نجحنا، كما حاولنا تعلّم كيفية التعامل مع الائتلافات التي يمكن ان تشكلها أطراف وقوى أخرى، حتى نتمكن في النهاية من تقديم مستوى جيد من الخدمات للمواطنين، وكان نصب أعيننا أنه من الهام جدًا إدراك دور البلديات والمجالس المحلية في خدمة كل مواطن بغض النظر عن دينه أو المنطقة التي ينتمي إليها، وفي مفهومنا أفضل الناس أنفعهم للناس، ومن ثم فقد اعتمد الناس على أعضائنا وكوادرنا في رفع مستوى الخدمات والقضاء على الفساد".

و تلاحظ الكاتبة أن زد إتش طوال حديثه معها الذي طال لثلاث ساعات كاملة لم يستشهد بأي مصدر ديني وهو نفس ما فعله بقية مسئولي حزب الله الذين التفت بهم، وأشارت إلى أن المناقشات كانت سياسية بحتة وهو ما أعطاها انطباعًا بان هؤلاء الناس يرغبون بصدق في الاندماج داخل نظام حكم مدني يراعي المساواة ويخضع لسيادة القانون بدلا من الانصياع لحكم الدين.

أما غالب أبو زينب عضو المكتب السياسي لحزب الله والمسئول عن علاقات الحزب بالجاليات غير الشيعية في لبنان فإنه يشدد على أن الشيعة يمثلون نصف سكان لبنان تقريبًا و هذه مغالطة من جانب المسئول الشيعي و لم تحاول الكاتبة التشكيك في تلك الفرضية المزعومة ويشير إلى أن وظيفته الخاصة بتنسيق العلاقات بين حزب الله وبقية الجاليات غير الشيعية في لبنان تعتبر من الأهمية بمكان، وقال غالب: "نحن عشنا في لبنان وسنعيش فيه جميعًا، كوحدة واحدة ورغم الأزمات التي حاقت بالبلاد في أكثر من مرحلة إلا أن الحقيقة أن هذه الأزمات كانت بسبب ظروف خارجية"، لكنه انتقد في الوقت نفسه الأدوار التي لعبها الموارنة حيث قال: "نهاية الحرب الباردة سمحت لنا بالعودة إلى الأوضاع الطبيعية، لكن هذا لم يضع حلولاً لكل مشاكلنا، لأن الموارنة مثلا رأوا أن اتفاق الطائف يمثل هزيمة كبيرة لهم، ولقد ظهر مدى إحباطهم عندما حلت بالبلاد أزمات اقتصادية وكساد في التسعينيات حيث حدثت هجرة كبيرة من جانب المسيحيين والمارونيين إلى خارج البلاد، كما أنهم قاطعوا الانتخابات البرلمانية في الفترة بين عامي 1992 و1996.

وأوضح مسئول حزب الله أن هذه الهجرة التي قام بها المسيحيون كان لها نتائج معقدة على مستقبل المشروع السياسي لحزب الله، وقال غالب: "إذا نظرت إلى حقيقة المواطنين اللبنانيين وتعدادهم فستجد أن المسلمين أكثر من المسيحيين بقليل، لكن 30 بالمائة من المسيحيين على الأقل المسجلين كمواطنين لهم حق التصويت موجودين خارج البلاد، وهم بالفعل يخشون من امتلاك طرف واحد لإدارة نظام التصويت وهذا ما يجعلنا نشعر بوجود عقبات أمام طموحنا السياسي".

وقال غالب أبو زينب: "على أية حال، حزب الله لم يكن ينوي اتخاذ أية إجراءات لإجبار أي من المواطنين على اختيار نظام معين للتصويت، لأننا ندرك جيدًا أنه من اجل الوصول إلى ديمقراطية حقيقية فينبغي أن يكون كل شخص مقتنع بأنه سيحقق منفعته، وليس مدفوعًا بمشاعر الخوف والإكراه، لو تم تطبيق نظام الأقلية والأغلبية في الوقت الحالي من المرجح جدًا أن تتفجر الأوضاع ونحن لا نريد لهذا أن يحدث".

و تتناول الكاتبة في مقالها العلاقات الشيعية الإسرائيلية بدء من حركة أمل حتى حزب الله عندما غزت إسرائيل لبنان أولاً في يونيو من عام 1982، وجدت القوّات الإسرائيلية أن الكثيرين من الشيعة يرحبون بها بعد أن شعروا بالندم على الترحاب الذي أعطوه لمنظمة التحرير الفلسطينية، خاصة وأن القوات الإسرائيلية كانت قد أخذت حزب أمل الشيعي الذي كان يمثل القوة الشيعية الأكبر في لبنان في ذلك الوقت في صفها وعندما دخلت قوات إسرائيل في الجنوب لم تواجه أية مقاومة، بل إن بعض الشيعة ساعدها على التقدم، لكن كلما كانت القوات الإسرائيلية تقترب من ضاحية بيروت كلما كان الرفض لها يزداد وبدأت عند ذلك المقاومة الشيعية الجدية، لكن القوات الإسرائيلية ربحت معركتها مع هذه المقاومة وأجبرت في النهاية مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية على الرحيل خارج لبنان، ودخل زعيم حزب أمل نبيه بري التحالف الحاكم بقيادة أمين الجميل شقيق الراحل بشير الجميل الذي كانت كل من تل أبيب وواشنطن تعدانه لرئاسة لبنان.

غير أن أعدادًا صغيرة من شيعة الجنوب تحدت قيادة حزب أمل الشيعي وقاوموا تقدم القوات الإسرائيلية منذ البداية، وعملوا على تصعيد المواجهات مع القوات الإسرائيلية التي غزت مدنهم وقراهم في الجنوب، وفي نوفمبر عام 1982 فجر مهاجمون محليون موقع قيادة الجيش الإسرائيلي وأسفر ذلك عن مقتل 75 من القوات الإسرائيلية وعملائها في الداخل من الجماعة التي أسمت نفسها جيش جنوب لبنان، وبعدها بدأت جماعات شيعية صغيرة تهاجم الأهداف ذات الصلة بالولايات المتحدة في بيروت، على اعتبار أن واشنطن لم تكن تخفي دعمها لإسرائيل، وقد شنت هذه الشبكات الشيعية الصغيرة في بيروت هجمات تدميرية مذهلة ضد القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية وضد السفارة الأمريكية التي استهدفت مرتين، ثم نجحت هذه الجماعات في اختطاف مواطنين أمريكيين وغربيين عديدين، واغتالت رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت واختطفوا عددًا من طائرات الركاب أيضًا.

وكانت كل تلك الشبكات تتلقى الدعم الكامل من الجالية الشيعية التي مقرّها في بعلبك، التي كانت تعتبر منطقة رئيسية لم ينجح الإسرائيليون في دخولها، وظلت من الناحية الفعلية تحت سيطرة جارتها سوريا، كما كانت بعلبك كذلك مقرًا لألف وخمسمائة من الحرس الثوري الإيراني الذي أرسله خميني إيران إلى لبنان بعد الغزو الإسرائيلي للمساعدة على تكوين مقاومة لبنانية ضد الاحتلال.

أما الشّيخ راغب حرب الإمام المعادي لإسرائيل فقد كان ينتمي لقرية جيبشيت الجنوبية الكبيرة وأصبح زعيم المقاومة الشيعية الجنوبية، وفي فبراير من عام 1984، وبينما حركة المقاومة ما زالت تشتعل قامت القوات الإسرائيلية بقتل راغب حرب، وبعدها اجتمع مؤيدوه وأتباعه وأصدروا رسالة مفتوحة تتضمن تشكيل جماعة جديدة باسم "حزب الله"، وكان زعيمها الأول الشيخ صبحي طفيلي.

وفي عام 1996 شنّ الجيش الإسرائيلي مرة أخرى العديد من الهجمات القوية جدا لم تحدث منذ الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وسمى هذه الهجمات باسم "عملية عناقيد الغضب"، وقد بدت هذه الضربات حاسمة واستخدم فيه الإسرائيليون المدفعية وقاذفات القنابل وطالت منطقة جنوب لبنان بأكملها، وقد أعرب شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت عن قناعته بأن توجيه مثل هذه الضربات بمثابة رسالة للبنانيين بأن العقاب سينالهم باستمرار طالما سمحوا لنشاطات حزب الله وأية نشاطات أخرى معادية لإسرائيل، وبأن بيروت ليس أمامها من خيار سوى تفكيك حزب الله وإجباره على التوقف، لكن ونظرًا للممارسات السياسية لحزب الله طوال الأعوام التي سبقت عناقيد الغضب فقد كان المجتمع اللبناني بكامل صفوفه وطوائفه ملتف بشدة حول حزب الله، حتى إن التقارير المؤكدة أشارت إلى قيام النساء المسيحيات من الطبقات المتوسطة في شرق بيروت بنزع مجوهراتهن ومصوغاتهن وإلقائها في صندوق للتبرعات تهدف لتشجيع ودعم حزب الله، الذي امتدت حملة دعمه وتأييده في كل مناطق لبنان.

وقد استمر الإسرائيليون في اعتدائهم "عملية عناقيد الغضب" طوال أسبوعين كاملين، لكن في النهاية اتضح لهم أنه من المستحيل أن ينجحوا في تحقيق هدفهم، كما ان الضغوط الدبلوماسية تواصلت بقوة على تل أبيب واضطر بيريز في النهاية إلى الموافقة على وقف إطلاق النار وفقًا لشروط اعتبرتها إسرائيل مذلة ومهينة للغاية، حيث لم تتنازل تل أبيب عن مطالبتها بتفكيك حزب الله فحسب وإنما تم التوقيع على اتفاق بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وسوريا يسمح في خلاصته لحزب الله بالتوسع أكثر ومواصلة الانتشار وتفعيل تحركاته العسكرية طالما أنها لا تطال سوى القوات الإسرائيلية داخل أراضي لبنان.

و تنقل الكاتبة عن دانيال سوبيلمان محلّل شؤون الاستراتيجي في صحيفة هآرتس اليومية الإسرائيلية و من أكثر المراقبين الذين يشعرون بضرورة البقاء في حالة من الحذر حيال ما يجري في الجنوب حيث كتب في أغسطس من عام 2003:

(عندما يبرز تساؤل عن السبب وراء عدم الاكتراث بالمخاوف التي أبداها "أمان" (جهاز الاستخبارات العسكرية الصهيونية) من احتمالات ان يؤثر انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان على استقرار الحدود الشمالية لإسرائيل؟ فإن الإجابة تتمثل في أن حزب الله وعلى الرغم من انه لم يوقف أنشطته الفدائية طوال العامين الماضيين إلا أنه أثبت بشكل أكيد أنه تنظيم منضبط مسئول إلى حد ما يدرك جيدًا مدى الالتزامات المفروضة عليه في ظل المعطيات المطروحة على الساحة، وأنه قادر على حماية الاستقرار والسعي نحو عدم التصعيد، حتى إن حسن نصر الله بنفسه أكد مؤخرًا في خطاب له هذا المعنى.

و في موقف أكثر خطورة يقول المحلل الإسرائيلي: "في أواخر شهر مارس وفي أوائل شهر أبريل من عام 2002 وقعت بعض الحوادث الأكثر خطورة وجدية في منطقة مزارع شبعا، حيث أطلق مقاتلو حزب الله قذائف الهاون والكاتيوشا بشكل كثيف وظلوا يهاجمون باستمرار في منطقة مزارع شبعا، صحيح أنه لم تقع إصابات في صفوف الإسرائيليين لكنها كانت المرة الأولى التي تجرؤ فيها صواريخ حزب الله على السقوط في منطقة الجولان السورية، وقد تزامن ذلك مع تصاعد التوترات في الأراضي الفلسطينية، كما ان حسن نصر الله في الثامن من مارس طلب من البلدان المجاورة السماح بمرور التجهيزات العسكرية التي يمكن تساعد الفلسطينيين في كفاحهم وانتفاضتهم ضد إسرائيل، وفي مناسبات عديدة أكد نصر الله أن الوقت قد حان للتحرك بالفعل وليس مجرد الكلام".

لكن في 12 أبريل من عام 2002 زار وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي بيروت حيث طالب الحكومة اللبنانية وحسن نصر الله بضرورة التعقل وضبط النفس لتفويت الفرصة التي ترغب فيها إسرائيل باستغلال الموقف ومهاجمة لبنان من جديد، وفي اليوم التالي لهذه الزيارة كتب سوبيلمان مقالا بعنوان.. "حزب الله يغمد سيفه" جاء فيه: "في مارس من عام 2002 اتضح أنه ليس مقاتلي حزب الله وحدهم هم من يتلهفون على إشعال الحدود اللبنانية الإسرائيلية وإنما الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين بلبنان كانوا أيضًا حريصين على حدوث ذلك، لكن عندما وافق حزب الله ومن يساندونه في لبنان وسوريا وإيران وافقوا على العودة إلى السياسة الأكثر تعقلاً لمنع تصعيد التوتر في جنوب لبنان ضاعت الفرصة على الفلسطينيين".

بل إن التقارير التي صدرت مؤخرًا تبين أن مقاتلي حزب الله لعبوا دورًا هامًا في مساعدة الحكومة اللبنانية على كبح جماح الجماعات الفلسطينية التي أرادت أن تستغل مخيمات اللاجئين في جنوب لبنان لشن هجمات ضد إسرائيل، والحقيقة أن مثل هذه المعلومات تعطي دلالات غاية في الأهمية والحساسية لأنها تؤكد أن جماعة حزب الله ورغم خطاباتها التي تتسم بالتشدد لكنها في الوقت الحرج تعرف جيدًا كيف تتصرف وتستطيع أن تنفذ إرادتها التي عادة ما تصب في مصلحة لبنان الوطنية الداخلية وكذلك للحفاظ كذلك على قوتها الرادعة لا يمكن استخفافها للدخول في دائرة ليست دائرتها.

و تتساءل الكاتبة عن أن المعادلة الصعبة الآن هي كيفية التوفيق بين مواقف حسن نصر الله المعلنة من معاداة إسرائيل على طول الخط وفي الوقت نفسه انضباط حزب الله والتزامه بقواعد اللعبة السياسية التي تحدث عنها سوبيلمان وآخرون من خلال الواقع الذي حدث في جنوب لبنان؟ والإجابة قد تكون في أنه على طول حدود لبنان الجنوبية مع إسرائيل، ظل كل من حزب الله وإسرائيل حذرين من تصعيد المواجهات لكن الانسحاب الإسرائيلي الذي نجم عن سوء تقدير لحقيقة قوة الردع الإسرائيلية في التعامل مع حزب الله قد أدى إلى تغييرات في سلوكيات حزب الله نفسه، وأصبحت الخطابات الرسمية من قادة الحزب تسير في اتجاه ، والحدود المرسومة دوليًا تعني شيئا آخر وتحكم وفقًا لمعايير مختلفة.

والحقيقة أن نصر الله قد يحثّ حماس على ان تحافظ على كل الخيارات مفتوحة في غزة، على الرغم من أنه لم يفعل هذا على طول الحدود اللبنانية عندما تصدى لإسرائيل، بل إن مقاتلي حزب الله تدخلوا أكثر من مرة لمنع الفلسطينيين الموجودين في لبنان من انتهاك الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وفي عام 2002 عارض نصر الله النداءات الموجهة إليه حتى من العديد من الأصوات العربية بأن يقوم حزب الله بالإدلاء بدلوه في الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين ولو من خلال استخدام مقاتليه كوسيلة تأمين لنقل الجرحى والمصابين بعد الضغوط التي فرضتها إسرائيل على غزة والضفة الغربية.و لقد لاحظ العديد من الباحثين الخفة والمرونة السياسية التي اتسمت بها زعامات حزب الله في التحرك التكتيكي سواء على صعيد التعامل مع إسرائيل أو في الداخل اللبناني من خلال تطويل ومتابعة تنفيذ برنامج سياسي واقعي على حد وصف الكاتبة .

و من خلال هذه المقال يبدو ان الكاتبة التي أتت لمحاولة استكشاف حزب الله و محاولة إدخاله في الحظيرة الأمريكية لتوافق مع الإستراتيجيات الأمريكية في المنطقة قد توصلت إلى الحقائق الآتية و التي استنتجناها من خلال مقالها الطويل و يتلخص في عدة نقاط :

1. حزب الله متوغل في الدولة اللبنانية و داخل الطائفة الشيعية بالتحديد

2. له قدرات خاصة في التحالف و التعايش مع جميع الطوائف و القوى اللبنانية المختلفة

3. براجماتي و يبدو ملتزما بالاتفاقات التي عقدتها إسرائيل معه

4. لا تهمه الشريعة أو حتى القواعد الإسلامية في التعامل

و يبدو أن هذه المؤهلات تمكن الولايات المتحدة من استخدامه بصورة ما في تعاملها مع المنطقة وهذا ما سنشهده في الأيام القادمة

 

  • Currently 90/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
31 تصويتات / 284 مشاهدة
نشرت فى 11 يوليو 2008 بواسطة al7oot

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

38,412