دفعني هذا البحث إلى القيام بإجراء إحصاء عددي للمعتقدات العامية والخرافات الشعبية التي جمعها الأسدي في موسوعته, فوجدت قد بلغت /461/ معتقداً, وهذا العدد تقريبي لأن المؤلف قد يذكر في الموضع الواحد أكثر من معتقد واحد, ثم إنه قد يذكر المعتقد الواحد في أماكن متعددة تبعاً للمفردات اللغوية التي ترد فيه, ومع ذلك فإن هذا العدد ليس بالقليل, فإن الباحث الذي يبتغي الوصول إلى مرتسم واضح وتفصيلي عن التفكير الشعبي سيجد في هذا العدد الوفير ما يعينه على الإحاطة بكل جوانب هذا التفكير, حتى تأتي نتائجه أقرب إلى الدقة والشمولية. غير أن الوقت لا يتسع للقيام بمثل هذا العمل الآن, وحسبي أن أقدم مخططاً أولياً لعله يكون محفزاً لبحث مستقبلي إذا سنحت الفرصة وساعفت الهمة, لاسيما وأن المؤلف رحمه الله لم يعرض هذه المعتقدات في أنماطها الوصفية السلوكية, بل في أنماطها اللغوية المنوطة, تمشياً مع منهج الموسوعة القائمة على البناء اللغوي المعجمي. وهذا ما يجعل الباحث مضطراً إلى اقتصاص هذه الأنماط, ودراستها وتحليلها, والنظر في محتواها الذهني وردها إلى أصولها التراثية أو المجتلبة, ثم استنتاج الظواهر والنتائج التي بها تكتمل الصورة وتصبح أدنى إلى الثبات.
يعرف الثقافة بعض العلماء بقولهم:"بأنها ذلك المجموع المعقد الذي يشمل المعارف والعقائد والفن والقانون والأعراف, وكل مهارة أو عادة اكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في مجتمع ما".
وعلى ضوء هذا التعريف يمكن أن نعد المعتقدات الشعبية عنصراً من العناصر الأساسية التي تشارك في رسم ملامح الثقافة العامة في مجتمع من المجتمعات, على اعتبار كون هذه الملامح مظهراً من مظاهر التراث غير المادي لهذا المجتمع.
إلا أن هذه المعتقدات وإن كانت مصاقبة للخرافة العقلية والأوهام الفكرية, لا يمكن أن تكون تعبيراً عن بدائية عن الإنسان وبعده عن العلم والتقدم المعرفي. إذ إن من العجيب أن نجد في عصرنا المستنير هذا. وفي البلدان الأوربية تمدناً وحضارة, كإنكلترا مثلاً, أن نجد بعض الجماعات التي تؤمن بالسحر والشعوذة, تنتشر انتشاراً واسعاً, وتلقى من الشباب إقبالاً عريضاً. وعلة ذلك في ظن أن العلم مهما فتح من أبواب الكون الإنساني والكون الطبيعي, مهما احتفى بالوجود احتفاء فيزيائياً صرفاً, لم يستطيع أن يكبت في النفس البشرية الدافع الفطري إلى تجاوز العالم المنظور إلى عالم خفي غامض, لا يخضع في علاقاته للعقل ومقاييسه, ولا للعلم وقوانينه.
على أن سمة التفكير الخرافي في المجتمع الحلبي خاصة وفي المجتمعات الإسلامية عامة, ليست من السمات البارزة التي تستحوذ على انتباه الباحثين حينما يريدون الوصول إلى النتائج الواقعية الموضوعية القارة, وذلك لأن العقلية الشعبية إنما تستمد أصولها ومكوناتها من الموروثات الدينية والفكرية التي ظل المجتمع العربي مطبوعاً بها إلى يومنا هذا وهي موروثات أمدت التفكير العربي بالرؤية الواضحة في أمور الكون الإنساني, وحددت مفهوم الموت والحياة, فسرت الكثير من ظواهر الوجود تفسيراً يقطع الطريق على ألوان التفكير الخرافي والأسطوري أن تشيع في الناس. ألم يقف أبو تمام في القرن الثالث الهجري يعلن سخريته من المنجمين الذين تتأى آراؤهم وتخرصاتهم عن سداد العقل وسلامة المنطق. ثم جاء بعده أبو العلاء مستنكراً من هؤلاء المنجمين عبثهم بالعامة واستخفافهم بقوانين الحياة. فرسم صورة بينة من صور البعث حين قال:
|
سألت منجّمها عن الطفل الذي |
|
في المهد كم هو عائش من دهره |
ولم يكن أبو تمام ولا أبو العلاء ليجاهرا بهذا الموقف الجريء لولا قناعتهما بأن الركائز الفكرية في عصرها كانت تناصرهما على محاربة أي معتقد يخرج على نهج الواقع ويشذ عن مسلك العقل.
وعلى ضوء ما تقدم يمكننا أن نصنف المعتقدات الشعبية في المجتمع الحلبي في ثلاث شعب:
أولها معتقدات استوردها الحلبيون أو تسربت إليهم من البيزنطيين أو الأمم الأخرى التي خالتطهم, فتركت آثار تفكيرها مع ما تركته من المفردات اللغوية والعادات وطرائق اللباس والطعام, فمن ذلك قولهم: (من شان يشفى المريض لازم يبات في بيت جواتوا قبر ولي). ومن ذلك أيضاً تعليقهم الخرزة الزرقاء أو نضوة الحصان على الجدران أو على أبواب البيوت, ودرءاً للشر واستجلاباً للخير, أما ما لم يتفق مع تفكيرهم وطبيعة تكوينهم فقد نبذوه وقابلوه بالإعراض والتهكم, كالأساطير الرمزية والخرافات التفسيرية التي فرضت سلطانها عند الأمم الأخرى, وامتد تأثيرها حتى غدت في حياتهم القانون الشامل والعرف المستحكم.
وثاني هذه الشعب معتقدات جرت على ألسنة العامة مما يخالف العقل ويجانب الحقائق العلمية, ولكنه لم يصل عندهم إلى مستقر القناعة والإيمان, ولم ينتج عنه سلوك اجتماعي أو ممارسة فعلية, فظل مفرغاً من المعنى مبرءاً من الآثار, تنطق به العامة من غير أن ينحرف بهم عن مواقع التندر والطرافة, فمن هذه المعتقدات ما هو ناجم عن رغبتهم في تفسير بعض الظواهر الحادثة. كقولهم:(البتشردق وهو عم بياكل بكون بدو يجيه أرمغان من واحد بخيل). أو ناجم عن تشوفهم إلى الربط بين الأمور ربطاً يتعاقل صاحبه فيزعم أنه من أهل العلم والمعرفة, كقولهم:(إذ درنا السدّاجة من طرف لطرف بتتسر الجازة). أو قولهم إذا جنت<!-- أدنك بكون حدا عم بذكرك).أو قولهم:(إذا واحد نط على فرد إجر بتغلى الحنطة).
غير أن من هذه المعتقدات ما هو ناجم عن الخوف من بعض الظواهر المرئية أو الخفية غير المرئية. فهم يخافون من بعض الحيوانات, كالحية مثلاً فيقولون:(الحية شقد ما كبرت ما بتموت إلا حتى يجوَّا الملائكة وبأخذَّوا أو يزتوا ورا جبال قاف). وهذا المعتقد ينطوي على دلالات رمزية مهمة أظهرت أن الحية رمز للشر. وأن الشر أزلي يرافق الإنسان, فلا يدركه الفناء إلا بقوى سحرية خارجة عن نطاق الإنسان وقدرته. ثم إنه لا يكفي أن يموت هذا الشر وتبقى جثته أمام العين, إذ لا بد من إبعادها إلى ما وراء تلك الجبال المحيطة بالأرض مخافة أن تدب الحياة فيها من جديد.
وكذلك خافوا من الميت, ورسم لهم خيالهم صورة مفزعة عنه, فهم يرون أنه قادر على إيذاء من يشاء من أفراد الأسرة أو اختطافه إلى عالم الأموات, فقالوا: (لازم نحط قطفة خبزة في كل قرنه من قراني المغتسل تما يجي الميت في الليل ويعض أهلوا). كما قالوا: ( إذا مات حدا وعينه مفتحة معناها بدُّ يأخذ حدا معهو). إلا أن خوفهم من الميت لم يؤد بهم إلى الخوف من الموت نفسه, لأنهم مقتنعون بأن الموت حق, وأنه سبيل لقاء الله والتنعم بملكوته الواسع.
وكذلك خافوا من الجن, وزعموا أن بعض الأماكن الخربة مسكونة بالجن, فلا بد من التوقي والحذر عند القيام بأي عمل, فقالوا: ( لازم إذا صبيتي مي غالية عالأرض تزمزقي وتقولي: دستور يا حاضرين, تما يلطشوكي الجان). والزمزقة إخراج صوت من الشفتين مضمومتين بشهيق حاد. وهم يرددون كلمة (دستور يا حاضرين) كثيراً, ومعناها طلب الأذن والرخصة من الجن لاسيما في الأماكن النجسة. والشياطين مثل الجن أيضاً, لأنها أرواح شريرة تترصد الإنسان وتسبب له الأذى والضر, وعلى ذلك يقولون:(البحط إيدو عالأرض وما برفعا قوام بجي الشيطان وبربط جحشو فيا).
وثالث هذه الشعب, وهو الأكثر شيوعاً ووضوحاً وطواعية للتفسير ما يتردد على ألسنة العامة من معتقدات تتخذ شكل الحكم المعروفة في صياغتها وأدائها التعبيري. وهذا الصنف وإن كان يتفق مع الصنفين السابقين في مخالفة العقل ومجانبة المنطق فهو ذو طابع تربوي توجيهي وتقصد أخلاقي تهذيبي, كان الكبار يخترعون هذه المعتقدات اختراعاً ليزرعوا في نفوس الناشئة الفضائل والقيم النبيلة إلى جانب الأهداف السلوكية, والاجتماعية الأخرى.
فقد دفعهم حرصهم على قواعد الصحة العامة وتجنب الوقوع في عدوى الأمراض إلى أن يزعموا قائلين:(من تم لتم بتموت الأم). ومثل ذلك قولهم:(البياكل بملعقة غيرو بصير لوقويطات). وكذلك إلى أن يقولوا: (إذا نسي العم بياكل وحط إيدو عالأرض بتاكل معو الجان). وفي ذلك تنبيه للصغار ألا يلوثوا أيديهم بتراب الأرض وهم يمسكون الطعام الذي يفترض أن يظل نظيفاً, وكذلك قالوا: (إذا نشَّف واحد وجو أو إيديه ببشكير غيروا بصير بيناتن عداوة). كما اعتقدوا أن (تقليم الأظافر بعد المغرب حرام). وعلة ذلك ألا يطير نثار من الأظافر المقلمة فوق طعام قريب, ولاسيما والنور في أيامهم شحيح. ومن ذلك قولهم أيضاً: (لا توقفي فوق راس الولد بنشوص). وقولهم: (لا تنفخوا بوج الولد بصيرلو أبو صفار). وذلك لأن نفس الإنسان قد يكون مضراً برئتي الطفل الوليد.
وبعض هذه المعتقدات كان الدافع إليه اقتصادياً ناتجاً عما كانوا بعانونه من خصاصة وفقر, فدعوا إلى تجنب الإسراف في الطعام والشراب, وضرورة احترام النعمة وعدم التبذر فيها, فقالوا: ( البياكل جبنة حاف بينقرع). وقالوا: (البياكل لب البصلة وبكب البقية بموتوا أمو وأبو).
كما حاولوا من خلال هذه المعتقدات أن يرسخوا بعض القواعد الاجتماعية الأخلاقية, مما يؤكد نمو الذوق السليم عندهم مراعاة الحاضرين, فقالوا: البتاوب وما بحط إيدو عتمو بدخل فيه الشيطان). وقالوا: (البقرقع بقبقابو في الليل بتعاوذو منو الجان).
وانصرف بعض هذه المعتقدات إلى النساء لحضهن على النشاط وعدم إهمال واجباتهم المنزلية. فقالو: ( المرا اللي ما بتنضف بيتا بجيا اولاد قرعان). وقالوا: ( اللي بتنشف لقن خسيلا بعد أول تم بتعاون استنا بلقيس).
ووضعوا حداً بين النجاسة والطهارة تمشياً مع تعاليمهم الدينية, وتوخياً لحسن النظافة فقالوا: ( البدخل عبيت المي حفيان بضل إجريه نسِّه أربعين يوم).
ويذهب بعض هذه المعتقدات إلى تأصيل مشاعر الرأفة والحنان التي دعا إليها الدين, فقالوا: (البمسح عراس يتيم تلت مرات بتنكتب لو حجة). وإشفاقاً منهم على المولود الأنثى الذي هو في اعتقادهم أدنى من المولود الذكر, فقالوا: ( اللي بكر أولادو بنت بكون مرزوق). وفي ذلك تخفيف عن الأب الذي إذا بشر بالأنثى ظل وحهه مسوداً وهو كظيم. وقد زعموا (أن الملك يصيح على لسان الله وقت ولادة الصبى: أنته معين لأبوك, أما في البنت فيقولو: أنا معين أبوكي).
والملاحظ أن هذه المعتقدات في الغالب تتجه في خطاياها إلى الصغار كما تتجه إلى النساء, وأنها تعتمد في سبيل ترسيخها على الحقائق والمفاهيم الشرعية التي هي قوام تكوينهم النفسي والعقلي والاجتماعي, وإن كانوا في بعض الأحيان يخرجون عن هذه الحقائق ويحرفونها بسبب جهلهم تحريفاً قد يؤدي بها إلى التشويه, أو يلصقون بها ما تسرب إلى عقولهم من البدع والأباطيل.
أما من حيث الصياغة اللفظية فإن معظم هذه المعتقدات قد سكبت في قوالب شرطية صارمة تكسبها شيئاً من الهيبة, وتدفع بسامعها إلى حدود الاقتناع والتصديق.


