|
لغم.. لكل ثلاثة مصريين! | |||
|
|
|||
868 ألف فدان من أجود الأراضي الزراعية ممنوع زراعتها.. مئات الفصائل من النباتات والحيوانات تندثر، ولن يقترب أحد لإنقاذها؛ فالموت أو الإعاقة جزاء من يقترب من سلة غذاء الإمبراطورية الرومانية.. طبقا لإحصاءات اللجنة الدائمة لمواجهة خطر الألغام التابعة للأمين العام للأمم المتحدة يوجد في مصر وحدها حوالي 22 مليون لغم أرضي، أي بمعدل لغم لكل ثلاثة مصريين، وبهذا يكون نصيب مصر حوالي 14% من ألغام العالم المزروعة في أماكن متفرقة منه. توجد ثلثا الألغام الموجودة في مصر في منطقة "العلمين" بالصحراء الغربية المصرية؛ حيث يقبع ما يزيد على 17 مليون لغم من مخلفات الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى نحو 5 ملايين لغم في أماكن متفرقة من شبه جزيرة سيناء وسواحل البحر الأحمر وبعض مناطق قناة السويس التي كانت مسرحًا للعمليات الحربية مع إسرائيل أو أماكن لتمركز قوات الطرفين. ورغم أن السجلات الرسمية المصرية تذكر أن عدد ضحايا الألغام بها حتى الآن نحو 8400 شخص ما بين قتيل ومصاب -غالبيتهم من الأطفال والمدنيين- فإنه من المعتقد أن العدد الحقيقي للضحايا يفوق ذلك كثيرا؛ حيث إن الرصد الفعلي لم يبدأ إلا منذ عشرين عاما، فضلا عن أن البدو لا يهتمون بالإبلاغ عن وقوع الضحايا خاصة إذا كانوا من الأطفال. حدائق تقتل زائريها تكمن مشكلة الألغام كما يوضح الكيميائي "سامي عبادة" رئيس المركز المصري لمكافحة الألغام فيما تحدثه من إصابات بالغة نتيجة لانفجارها وتغلغل الشظايا المعدنية في الجسم عندما تطؤها قدم الضحية. وينتج عن الإصابة فقد الحياة أو فقد حاسة من الحواس والأطراف على الأقل، حيث تنفجر أنسجة القدم، وقد يتطاير الجزء السفلي من الساق، ونادرا ما تقتصر الإصابة على ساق واحدة؛ فكثيرا ما تتعرض الساق الأخرى والأعضاء التناسلية والذراعان والصدر والوجه لإصابات أقل وإن كانت شديدة. ومع الانفجار تتغلغل الأقذار والأوساخ والوحل، وغير ذلك من أنواع الركام في أنسجة الجسم, كما توجد أنواع يُطلق عليها الألغام الوثابة؛ حيث إنها تتطاير في الهواء قبل انفجارها فيؤدي الانفجار والشظايا إلى قتل الأفراد الذين يتواجدون في نطاقها القاتل على حين يصاب الأفراد الموجودون في أطراف منطقة الانفجار بالشظايا أو الكرات المعدنية محدثة أكبر قدر من القتل والإصابات البالغة. وتتمثل مهمة الجراح في بتر كل الأنسجة الميتة أو الشديدة التلف وإزالة كل الشظايا والأقذار، وهو عمل سهل من الناحية النظرية إلا أنه شديد الصعوبة من الناحية العملية. وفي حالة بتر إحدى الساقين يؤدي الانفجار إلى دفع الشظايا إلى أعلى الساق وهو ما يقتضي الارتفاع بمستوى البتر في الساق إلى حد يزيد عن ذلك الذي يعتقده الجراح غير المحنك، كما تؤدي الأساليب غير السليمة للبتر إلى معاناة لا لزوم لها؛ إذ تستدعي إجراء عمليات عديدة وتجعل من الصعب تركيب أجهزة تعويضية. وما لم يتوافر العلاج الطبيعي والأجهزة التعويضية يكون مصير المصابين ببتر الساق هو العجز الدائم وفقدان القدرة على الاعتماد على النفس وكسب العيش، أما الذين يتعرضون لبتر الساقين فعادة ما يحتاجون إلى كراسٍ بعجلات. ويطالب الكيميائي سامي عبادة بوضع علامات إرشادية بالمساحات الملغومة وتشجير المنطقة وتسويرها لمنع تحرك الألغام إلى مناطق أخرى عامرة؛ حيث إن المشكلة الكبرى تكمن في أن الألغام تحركت بفعل الرياح الشديدة والسيول والكثبان الرملية المتحركة من أماكن زراعتها إلى المناطق المتاخمة كسيدي براني وبرج العرب والواحات الخارجة. سلة الغذاء.. قنبلة موقوتة ولا تتوقف الأضرار التي تسببها الألغام على تعريض حياة الإنسان للخطر، ولكنها تمتد إلى كافة عناصر البيئة كما يوضح الأستاذ محمد بسيوني المدير العام للمركز المصري لمكافحة الألغام، حيث تعيق الاستفادة من مياه الأمطار الكثيفة التي تسقط على منطقة "العلمين"، والتي تصل إلى حد السيول طوال شهري نوفمبر وديسمبر، وتقدر بما بين 150ملم3 إلى 250 ملم3 سنويا. فضلا عن عدم الاستفادة من المياه الجوفية الصالحة للشرب، وعدم الاستفادة من الأراضي الخصبة التي تذخر بها المنطقة والتي تبلغ مساحتها وفقا لتقديرات الأمم لمتحدة نحو850 ألف فدان، بينما يقدرها الدكتور رشدي سعيد الخبير الجيولوجي الدولي بمليوني فدان يمكن زراعتها فورا على مياه الأمطار والمياه الجوفية؛ الأمر الذي يعني تعطيل إمكانية إضافة ما يقرب من 15 إلى 30% إلى المساحة المزروعة بمصر حاليا حسب أقل تقدير، وقد كانت الإمبراطورية الرومانية تعتمد على هذه المنطقة في تدبير احتياجاتها من الغذاء والخضر والفواكه. ويؤكد محمد بسيوني أن عدم زراعة المنطقة يعد إهدارًا للموارد الطبيعية وإخلالا بالمعاهدات الدولية الخاصة بالبيئة التي تقضي بزراعة الأرض الصالحة للزراعة في إطار تحقيق التنمية المستدامة من أجل الحفاظ على الحياة على كوكب الأرض. ثروات.. لا تجد من يجمعها ووفق أحدث دراسة قامت بها جامعة الإسكندرية تذخر منطقة الألغام بالعلمين بأكثر من 430 نباتا وعشبا طبيعيا بعضها يتسم بالندرة على المستوى العالمي، وتتعرض حياة عشرات الأنواع من الزواحف والحشرات والحيوانات البرية للخطر، بعضها من الفصائل النادرة والمحمية باتفاقيات دولية. كذلك تذخر المنطقة بالمعادن وفي مقدمتها البترول والنحاس والفوسفات والفضة والذهب بكميات وفيرة لا تحتاج إلى تكاليف استثمارية عالية لاستخراجها. كما تعيق الألغام إقامة العديد من المصانع والمشروعات العمرانية والسياحية؛ حيث تتميز المنطقة بالطقس المعتدل طوال العام، وهو ما يهيئ الفرصة لإقامة العديد من المنشآت السياحية وتنشيط السياحة وما يرتبط بها من خدمات. بالإضافة إلى أن وجود الألغام أدى إلى توقف مشروع منخفض "القطارة" لتوليد الكهرباء والذي كان من الممكن حال إتمامه توليد طاقة كهربائية تعادل من 4 إلى 5 أمثال طاقة السد العالي! ويؤكد المدير العام للمركز المصري لمكافحة الألغام أنه من الصعب تقدير حجم الخسارة الاقتصادية التي يسببها وجود الألغام بهذه المنطقة، فمن الصعب تقدير حجم الفرص التنموية الضائعة وما يرتبط بها من فرص عمل مهدرة، بينما تنهش البطالة بأنواعها السافرة والمقنعة شباب الخريجين المصريين. جدير بالذكر أن تكلفة إزالة اللغم الواحد تصل -حسب تقديرات الأمم المتحدة- من 300 إلى 1000 دولار؛ وهو ما يعني أن مصر بحاجة إلى نحو من 5 إلى 6 مليارات دولار على أقل تقدير لإزالة ما بأراضيها من ألغام طبقا للتقديرات العالمية، علمًا بأن الوثيقة الثالثة من اتفاقية جنيف (المواد من 27، 32) تنص على أن الدول المنتصرة والمهزومة مسؤولة عن تطهير أرض المعارك والحفاظ على المدنيين والموارد الطبيعية وترك الأرض نظيفة.. ويبقى السؤال: من سيتحمل فاتورة إزالة تلك الألغام؟ | |||
نشرت فى 19 نوفمبر 2005
بواسطة ahmedorbano
عدد زيارات الموقع
77,538



ساحة النقاش