تعود كلمة >السامية< في أصلها اللغوي إلى >سام< أحد أبناء نوح ـ عليه السلام ـ وعلى فصيلة لغوية كبرى تضم مجموعة من اللغات التي تحدثت بها بعض الأمم التي يعتقد أنها تحدرت من الأصل السامي أو من الأب السامي، وهو >سام بن نوح< ومن الواضح أن >سفر التكوين< أو سفر الخَلْق، وهو السفر الأول في التوراة يعدّ أول ما عرض إلى أن أولاد نوح هم سام وحام ويافث، كما عرض إلى الشعوب التي انحدرت من أصلاب كل ولد منهم· ومما يلحظ أن سفر التكوين اعتمد في تقسيمه السابق على الروابط السياسية والثقافية والجغرافية، أكثر من اعتماده على صلات القرابة والروابط الشعبية، فقد عدَّ >الليديين< والعيلاميين< من الساميين، مع أنهما من الناحية الشعبية >السلالية< أجنبيان عن الشعوب السامية، وأجنبيان أحدهما عن الآخر، كما عدَّ الفنيقيين >سكان لبنان< من الشعوب الحامية نسبة إلى حام، لتعدد الصلات السياسية والثقافية التي كانت تربطهم بالشعوب الحامية المصرية والبربرية، ولما كان بين الفنيقيين وبين العبريين من عداء وحرب··· مع أن الفنيقيين من أخلص الساميين نسباً وأقربهم رحماً من العبريين أنفسهم·(1) وبذلك يعتقد أن العابثين والمحرفين للتوراة ولما جاء في سفر التكوين قد أحدثوا أول اختلاق واختراق للفكر الإنساني، حيث كرسوا ـ لحاجة في نفوسهم ـ مفهوم السامية على النحو السابق لخدمة مصالحهم، في قصرهم ذلك المفهوم على مجموعة من الشعوب دون غيرها لاعتبارات تجاوزت وشائج القربى وصلات الرحم ولحمة النسب والدم، وهي الأصل في تحديد مختلف الأجناس البشرية، ومن ثم تحديد الفصائل اللغوية، ومن المعروف أن التوراة كتبت بعد وفاة موسى عليه السلام (ت حوالي القرن 1500 ق·م) ببضعة قرون، فقد دونت في أواخر القرن التاسع إلى السادس ق·م، فكان مجال العبث والتحريف مفتوحاً، ومنها ما ورد في سفر التكوين حول موضوعنا الراهن، وغيره من موضوعات تفيض بها التوراة وضعاً وتزييفاً وافتراء على الله ورسله، وليس ذنب البشرية بعد ذلك أن التوراة منذ زمن بعيد هي ليست التوراة التي نزلت من قبل، وقد فطن العلماء إلى ما في سفر التكوين من تزييف وتسييس لمفهوم السامية >فأخرجوا من نطاقها القديم جميع الشعوب التي ظهر لهم أنها أجنبية عن السامية، وأضافوا إليها الشعوب السامية التي سكت عنها أو عدها من فصائل أخرى، حتى استقر مدلولها في عرفهم على الوجه السابق<(2)، فأصبحت السامية محصورة في الآشوريين، والبابليين، والفنيقيين، والعبريين، والعرب، واليمنيين، والحبشيين· مع الجنس السامي لا أحد ينكر أن بني إسرائيل من الأسباط ومن تحدر من أصلابهم من الشعوب السامية، فإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ـ عليهم السلام ـ لكن تاريخ بني إسرائيل القديم منه والحديث حدثت فيه تحولات كبرى ومتغيرات لم تجعل الأعراق نقية، ولا الأصول صافية ولا الأجناس البشرية خالصة في عروقها ودمائها كما كانت منذ العهود القديمة· من الباحثين من ذهب إلى أنه لم يعد هناك على الأرض جنس بشري صاف، خالص في نقائه وانتمائه إلى أمشاجه وأصوله القديمة، بحيث تجعل منه سلالة بشرية خالصة لم تختلط بدماء الغرباء >الأغيار<(3)· ولعل كثيراً من الشعوب التي استقرت في أماكن محددة، وأقاليم معروفة لآلاف السنين قد أصابها شيء من اختلاط الأنساب، وهذا الأمر ينطبق بصفة أخص على بني إسرائيل، حيث ارتحلوا من مكان إلى مكان، ومن خروج إلى خروج، وتوزعوا في أرجاء المعمورة، وخلال الزمن البعيد الممتد لبضعة آلاف سنة ظهرت أجيال وسلالات متباينة اختلطت فيها دماء الساميين بغير الساميين، وإذا كان هناك نقاء عرقي لدى بعض الشعوب أو أكثرها مثل: >الكتلة الاسكندنافية، عرب الجزيرة في صحراء الدهناء، الجنس الأصفر، الجنس الأسود< فإن بني إسرائيل في هذه الأيام، وقبلها بمئات السنين هم أبعد ما يكونون عما يسمى النقاء العرقي وصفاء الجنس البشري رغم زعمهم غير ذلك، والأسباب والعلل في ذلك كثيرة سبقت الإشارة إليها، ويأتي معها اعتمادهم في تحديد هوية الجنس البشري >اليهودي< على العقيدة الدينية، التي لم تكن أساساً علمياً، ويستند إليه في تحديد طبيعة الأجناس البشرية ومعرفة هويتها وخصائصها وملامحها التي تميزها من غيرها· >فنحن نطلق اليوم اسم اليهودي بصورة مبهمة، على كل الناس الذين اعتنقوا يوماً الدين اليهودي، على أن الواقع هو أن الكثير من هؤلاء ليسوا ساميين، من حيث أصلهم العرقي، ذلك أن عدداً واضحاً ممن اعتنقوا الدين اليهودي هم من سلالة >الهيروديين< المنحدرين من >الإيدوميين< ذوي الدم التركي ـ المغولي، والمصادر اليهودية ذاتها تقر بأن 28% من المنضمين إلى الحركة الصهيونية هم أشكنازيون، أي يهود غير ساميين، ليست لهم علاقة عرقية تاريخية بفلسطين<(4)· اليهود اليوم وهم نحو خمسة عشر مليوناً يشكلون خليطاً مركباً ومزيجاً معقداً، شاركت فيه مختلف الأجناس البشرية في العالم، بسبب الانتماء الديني الضيق، وهو الرابطة الجامعة فيما بينهم، وليس رابطة الأعراق والأنساب ولحمة الدم، إلا في القليل النادر، لذلك التقى الأسود الشديد في سواده مع الأصفر الفاقع الصفرة، والفلاشا مع السفرديم >يهود الشرق< مع الأشكناز >يهود الغرب< مع الخزر، مع البربر >يهود المغرب<، ويلتقون جميعاً مع اليهود العرب >وأكثرهم ساميون< في صعيد واحد، هو صعيد الهوية اليهودية >التوراتية<، واستناداً إلى هذا الواقع المعقد المتشابك ينبغي ـ موضوعياً ـ وعلمياً ـ أن تسقط عنهم صفة >السامية<، لأن أكثرهم في حقيقة الأمر ليسوا ساميين، ولا يمتون إلى السامية بأوهى صلة ـ ما عدا القلة ولا يجوز عقلاً أن تنسحب صفة الجزء على الكل والقلة على الكثرة الكاثرة، وبخاصة في ميدان الأجناس البشرية، ذات المباحث العلمية الدقيقة· ولعل من نافلة الحديث أن نورد جدولين، يوضحان عدد اليهود الذين هُجِّروا من البلاد العربية، وغير العربية غداة قيام دولة إسرائيل سنة 1948م، وقد أطلق على هذه العملية >بساط الريح<، وقد حدثت بين أعوام 1948 ـ 1953م، وكنا نأمل أن تكون بين أيدينا وثيقة أخرى توضح عدد يهود >الفلاشا< الذين هُجِّروا من أثيوبيا أواخر الثمانينيات· جدول رقم (1) يوضح عدد اليهود المهاجرين من البلاد العربية(5) القطر عدد المهاجرين اليهود العراق 121.512 اليمن وعدن 48.354 المغرب 45.412 ليبيا 30.482 مصر 16.508
القطر عدد المهاجرين اليهود تركيا 43.213 إيران 24.804 دول أخرى 9.000 وحتى هؤلاء اليهود الذين هُجِّروا من البلاد العربية، وغير العربية يتشكك المرء كثيراً في أصولهم السامية، فقد كان كثير من هذه الدول التي ورد ذكرها في الجدولين، وغيرها >محطة< موقتة ومنطقة عبور، بعد الحربين العالميتين لليهود الفارين من أوروبا· مع اللغات السامية والأمر ينطبق على اللغات السامية، ومنها اللغة العبرية التي لم تعد خالصة نقية من شوائب الدخيل كما كانت عليه في عهدها القديم، فعندما حاول علماء الألسنيات تصنيف اللغات إلى مجموعات وفصائل تسهيلاً لبحثها ودراستها وتوصيفها، استند بعضهم إلى ما ورد في سفر التكوين بخصوص سام أحد أبناء نوح، فجاء مصطلح >السامية< ليضم مجموعة اللغات التي تنتمي إلى تلك الشعوب، وقد عزز من هذه الفرضية ما وجده العلماء من أوجه التشابه بين تلك اللغات على مستوى كثير من المفردات، والتراكيب، والضمائر والأعداد، والتذكير والتأنيث وتصريف الأفعال وأدوات التعريف(6)، كما هي الحال عندما صنفوا الشعوب فوجدوا كثيراً من أوجه التشابه والتماثل في الصفات الجسمية والملامح العامة والمظاهر الحضارية تشيع بينهم جميعاً· ولا أحد ينكر أن اللغة العبرية القديمة، وهي لغة التوراة، هي إحدى اللغات السامية التي انفصلت عن الأصل السامي أو عن السامية الأم، حالها في ذلك حال غيرها من اللغات السامية، من حيث الانتماء ـ فقط ـ إلى أرومة واحدة، وأصل لغوي واحد، قديم، هو الأصل السامي· لكن اللغة العبرية الحديثة تعد عند علماء الألسنيات من اللغات المصنوعة، أي التي صنعت صناعة، حيث يجلس العلماء ويستعرضون اللغة العبرية القديمة التي لم تعد تفي بحاجات العصر، فيستعيرون من لغات شتى مفردات ومصطلحات ومسميات، يسدون بها ما في اللغة القديمة من نقص وعجز وقصور، قد تكون من الألمانية>وهي الأكثر< أو الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها، وقد تكون من العربية، وقد قال أحدهم: >لولا العربية لما عرفت العبرية!!< وقد جاء ذلك كله في محاولة >لعبرنة< شاملة وهو ما كانت تحتاج اللغة العبرية الحديثة· والسؤال الذي يلقي بنفسه هنا: ما مدى تمثّل السامية الأم في اللغة العبرية الحديثة، هذه اللغة المصنوعة صناعة التي دخلتها مئات المئات من المفردات غير السامية، ألا يجعل ذلك صفة السامية منفية عنها، وغريبة عليها، ولو بقدر معين؟ الذي يمكن أن نؤكده في هذا السياق أن صفة >السامية< كعنصر بشري تنتفي عن الأكثرية من يهود العالم بما فيهم سكان الدولة العبرية، فالذين ينحدرون من أصل سامي لا يشكلون أكثر من مليون نسمة من بين خمسة عشر مليوناً، كما أن هذه الصفة كعنصر لغوي لا يجعل من العبرية الحديثة لغة سامية خالصة، تتمتع بصفة الأصالة والنقاء اللغوي· وقد يقال رداً علينا: إن هذه الحالة تكاد تكون عامة في مختلف لغات البشر، فليس هناك صفاء ونقاء لغوي خالص في أية لغة حية على وجه الأرض لوجود ما يسمى بعامل الدمج اللغوي ودخول كلمات أجنبية دخيلة في مختلف اللغات، بما فيها اللغة العربية، غير أننا نؤكد فنقول: إن هذه الحالة بالنسبة إلى اللغة العبرية الحديثة تجعل درجات الصفاء اللغوي تقل بنسب عالية، وتزداد معها حالة الانزياح والإقصاء والابتعاد عن الأصل السامي وعن العبرية القديمة ذاتها، والأمر نفسه لا يختلف عن مستويات النقاء العرقي الذي يدعونه في شعبهم، فماذا بقي لبني إسرائيل اليوم من الأصول السامية التي يتشبثون بها، ويحرصون عليها في مختلف المحافل والمنتديات؟ وأعتقد أنه قد انقضى ذلك الزمن الذي كانت فيه بعض الشعوب تفاخر بأنسابها وأعراقها، وأن لغتها أفضل من لغة غيرها، فالشعوب ولغاتها تحيا بحياة أبنائها، وتموت هي ولغاتها بموات أبنائها· |
نشرت فى 4 سبتمبر 2005
بواسطة ahmedorbano
عدد زيارات الموقع
77,519
في مفهوم السامية

ساحة النقاش