هوامش على قضية هجرة اليهود السوفيت
- التاريخ :- 27/2/1990
- المكان :- صحف عربية
...............................
ونبدأ أولا بموضوع القضية..نفحصه حتى وأن بدا الفحص نوعاً من البدهيات الأولية يعاد تقريرها.
والحقيقة أنه فى بعض الأحيان، فى بعض القضايا، فإن استعادة البدهيات يكون ضرورياً، ليس فقط لتنشيط الذاكرة - ولكن - علاوة على ذلك - للتثبت من أن القواعد الأساسية للموضوع فى مكانها الصحيح.
موضوع القضية أن تعداد يهود العالم - فى هذه اللحظة - حوالى أربعة عشر مليوناً من البشر، يظنون جميعاً أن لديهم وعداً إلهياً بأرض تكون فى يوم من الأيام وطناً لهم يجمعهم بعد شتات - لكن هناك خلافاً بينهم على توقيت حلول هذا الوعد وتنفيذه:
* فهناك بينهم من يرونه وعداً حالاً جاء استحقاقه الآن - وفى إسرائيل.
* كما أن هناك بينهم من يرونه وعداً مؤجلاً. أى أنه وعد بالفكرة وليس بالفعل. ثم أنه مؤجل إلى زمن آخر لم تظهر بعد علاماته!
وبصفة عامة فإن المنادين بالوعد حالاً فى إسرائيل - هم بين اليهود أقلية مؤمنة بالصهيونية، وهم بالفعل الآن فى إسرائيل.
وأما الراءون بالوعد مؤجلاً - رمزا أو فكرة - فهم بين اليهود أغلبية، وقد فضلوا الحياة فى شتات يعرفونه ويعرفون مكانهم فيه - على الرحيل إلى فردوس صهيونى يبدو أمامهم مغامرة مجهولة وخطرة بسبب قيام إسرائيل فى محيط ليس مستعداً حتى آخر الساعة لقبول توسعها لكى تستطيع استيعاب كل اليهود!
وهكذا فان توزيع اليهود فى العالم بالضبط (وطبقاً لأرقام جهاز الإحصاء المركزى فى إسرائيل التى نشرت رسمياً فى أوائل سنة 1988، وهذه آخر سنة نشرت فيها إحصاءات كاملة) - كما يلى:
* عدد اليهود فى إسرائيل هو 3561000- منهم 460000 رحلوا عنها بعد أن هاجروا إليها، وكلهم قصدوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومعظمهم تركزوا فى ولاية نيويورك بالذات - واعتبرها هناك أرض الميعاد الحقيقية تسيل لبناً وعسلاً، فى حين أن أرض إسرائيل لا يسيل فيها إلا اللهب والحجارة.
وعلى هذا الأساس فإن عدد اليهود المتمسكين بالوعد الحال والباقين فى إسرائيل - هو 3 ملايين ومائة ألف فقط!
وأما يهود الشتات الذين لم يذهبوا إلى الفردوس الصهيونى حتى الآن - فهم موزعون فى العالم على النحو التالى:
5900000 فى الولايات المتحدة الأمريكية (قرابة نصفهم فى نيويورك).
2300000 فى الاتحاد السوفيتى (وبعض بلدان أوروبا الشرقية).
1000000 فى أفريقيا (معظمهم فى جنوب أفريقيا).
800000 فى أمريكا اللاتينية.
500000 فى أوروبا الغربية (أكثرهم موزع بين بريطانيا وفرنسا).
وبهذا يصبح المجموع فى حدود 14 مليونا. أقل من ثلثهم فى إسرائيل، وأكثر من الثلثين خارجها!
فإذا انتقلنا خطوة فى التعرف على القضية بعد ذلك - ظهر لنا أن أقل من ثلث اليهود - أى هؤلاء الذين يعيشون فى إسرائيل - يرون أن نموهم وازدهارهم وأمنهم لا تتحقق كلها - إلا بزيادة عددهم بحيث يمكن أن تكون منهم دولة حقيقية لها مستقبل (فى زمن تقول فيه تقارير الأمم المتحدة "أن الدول القابلة لمجاراة الأزمنة المتغيرة فى القرن الواحد والعشرين سوف تكون تلك الدول - أو اتحادات الدول - التى لا يقل تعداد سكانها عن مائة مليون"). إلى جانب ذلك فان زيادة عدد اليهود فى إسرائيل تبعد عنهم شبح قنبلة زمنية تهدد غدهم، وهى تتمثل فى حقيقة أن الفلسطينيين العرب الذين يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية يصل عددهم إلى اثنين وربع مليون فلسطينى (750 ألفاً فى شمال إسرائيل من سنة 1984 - و865 ألفاً فى الضفة الغربية - و635 ألفاً فى قطاع غزة). وهذا يجعل الفلسطينيين بنسبة 42% من السكان الذين يعيشون تحت السيطرة الحالية للدولة الإسرائيلية. ولأن نسبة المواليد عند العرب أكثر منها عند اليهود، فإن أدق الحسابات تشير إلى أن الفلسطينيين العرب سوف يصلون إلى نسبة 50% مع نهاية التسعينات وفى أوائل الحقبة الأولى من القرن القادم. وهذه هى "القنبلة السكانية" كما يسمونها لأنها - من وجهة نظرهم - سوف تغير الطبيعة اليهودية للدولة الصهيونية بكل ما يترتب على ذلك من آثار مادية ومعنوية وأمنية!
وهذا كله لا يدخل فى حسابه حوالى 2 مليون فلسطينى منتشرين فى الخارج سواء فى أرجاء العالم العربى أو بعيدا عنها.
وترتيباً على هذا فإن حلم هجرة يهودية واسعة تنضم إلى اليهود فى إسرائيل - أصبح هو الضمان الحقيقى للحياة وللمستقبل.
ولكن الطرق أمام هذا الحلم فى الحياة وفى المستقبل ليست مفتوحة؛ ذلك أن يهود الولايات المتحدة لن يهاجروا إلى إسرائيل، وكذلك يهود أوروبا الغربية، وأيضاً أغلبية يهود جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية. فهؤلاء جميعا استقروا حيث هم، وهناك صنع كل منهم فردوسه اليهودى، كما أن بعضهم يذوب - ويريد أن يذوب - وفى المحيط الذى يعيش فيه (وإن بقى لديهم قدر كبير من التعاطف - ولو بوخز الضمير - مع أبناء دينهم الذين زحفوا إلى الفردوس الصهيونى واقتحموا أبوابه - وكان أكثر وخز الضمير بين يهود أمريكا لأنهم الجزء الأكبر من يهود العالم والجزء الأغنى - خصوصاً وقد وجدوا فى أمريكا معاقل للنفوذ ودواعى للتوافق بينهم وبين السياسة الأمريكية).
والنتيجة بعد هذا كله - أنه يتبقى من يهود العالم 2.3 مليون يتركز فيهم وحدهم تقريباً أى أمل لإسرائيل فى زيادة الهجرة إليها - وهم يهود الاتحاد السوفيتى.
جذورهم ليست عميقة فى أرضه لأسباب تاريخية. وحياتهم فيه ليست رخاء لأسباب واقعية.
وهكذا بدأت إسرائيل وكل المتعاطفين معها - يهوداً أو غير يهود - يعلقون أملهم واهتمامهم على يهود الاتحاد السوفيتى باعتبارهم الاحتياطى الجاهز والمستعد، أو يمكن أن يكون جاهزاً ومستعداً، لمغامرة الفردوس الصهيونى!
ثم وقفت دون ذلك عقبات:
1- أن الاتحاد السوفيتى يضع قيوداً على الهجرة منه ضمن منطق للدولة السوفيتية رتبت عليه قوانينها حقباً متوالية.
2- أن اليهود الراغبين فى الهجرة من الاتحاد السوفيتى يريدونها إلى الولايات المتحدة فهناك يسيل اللبن والعسل - فى ظنهم.
3- أنهم لا يريدون الخروج من حصار التاريخ فى الاتحاد السوفيتى ليجدوا أنفسهم فى حصار الجغرافيا فى إسرائيل.
4- ثم أن ما يصلهم من الأخبار عن الحياة فى إسرائيل ليس مشجعاً، فهناك تنتظرهم مخاطر لا يريدونها، ومستويات للمعيشة ليست أفضل كثيراً مما هم فيه فعلاً.
ومع ذلك فإن الذين علقوا أملهم واهتمامهم على يهود الاتحاد السوفيتى راحوا يضغطون بكل الوسائل ليفتحوا أسواره للهجرة أو يكسروا ثغرات فى هذه الأسوار.
وطوال الحقب الممتدة من منتصف الخمسينات إلى نهاية الثمانينات - لم يزد معدل هجرة اليهود من الاتحاد السوفيتى عن متوسط سنوى قدره أربعة آلاف مهاجر.
خطوة أخرى فى التعرف على الموضوع، وهى تجىء بعد الزلزال السوفيتى فى النصف الثانى من الثمانينات، وفى هذه الفترة اتجه الاتحاد السوفيتى كسياسية عامة وبمنطق البيروسترويكا والجلاسنوست الذى طرحه "جورباتشوف" - إلى رفع القيود على الهجرة وعلى غيرها من عوائق الحياة، وكان العالم كله - بما فيه العرب أنفسهم - يشجع ويصفق.
وفى السنة الماضية (1989) - والأبواب كلها مفتوحة هاجر من الاتحاد السوفيتى سبعون ألف يهودى - منهم تسعة آلاف فقط هاجروا إلى إسرائيل، وأما الباقون فقد قصد بعضهم إلى الولايات المتحدة، واختار بعضهم أوروبا. وعندما تنبهت إسرائيل إلى هذا التسرب الذى لا يترك لها غير أقل القليل من أعداد المهاجرين، سارعت إلى الحركة وحاولت أن تسد المنافذ المفتوحة حتى لا تترك للمهاجرين من الاتحاد السوفيتى إلا منفذاً واحداً يؤدى بهم إلى إسرائيل!
وكان الاتحاد السوفيتى حتى الشهور الأخيرة من العام الماضى يعطى لليهود الراغبين فى الهجرة منه تصريحات سفر جماعية تأخذهم إلى مراكز تجمع فى النمسا وفى المجر وتشيكوسلوفاكيا - وهناك كان عليهم أن يختاروا اتجاه هجرتهم النهائى.
وكانت الغالبية العظمى منهم لا تزال تحلم بأمريكا - أو بعدها بأى بلد فى أوروبا الغربية - وكان ذلك مأزقاً لإسرائيل. فقد ظلت تعمل طويلاً على فتح أبواب فإن تدفق المهاجرين لم يتجه إليها.
كان أول ما لجأت له إسرائيل هو الدعاية الصهيونية المكثفة فى مراكز تجمع المهاجرين - لكن هؤلاء كانوا قد شبعوا دعاية من تجربتهم السابقة فى الاتحاد السوفيتى، وقد أصموا آذانهم عما كانوا يسمعوه، وفتحوا عيونهم على ما كانوا يحلمون به دواماً، وهو الفردوس الأمريكى.
وعندما فشل الإقناع بالدعاية - رغم كل دعاوى الدين والوطنية! - لجأت إسرائيل إلى أسلوب آخر وهو أسلوب القسر، فإذا الكونجرس الأمريكى بمجلسيه يقر على وجه السرعة قانوناً خاصاً يضع قيوداً على هجرة اليهود إلى الولايات المتحدة. وكان ذلك تصرفاً عجيباً من البلد الذى أعطى نفسه الحق فى شن حرب صليبية باسم حقوق الإنسان، وفى مقدمتها حق الهجرة، ولليهود بالذات، ومن الاتحاد السوفيتى على وجه التخصيص!
وكان الأعجب أن القانون الجديد نص على حصة محددة لليهود السوفيت تعلقت بها قيود مفزعة، أولها ألا يسمح بالهجرة إلى الولايات المتحدة إلا لأب أو لأم لديهما أبناء فى الولايات المتحدة. أى أن المسموح لهم بالسفر كانوا من كبار السن الذين لا تريدهم إسرائيل لا فى مستعمرات الاستيطان ولا فى كتائب الحرب.
وكان بعض ما نجم عن هذا الوضع المفزع - مشاهد أكثر إثارة للفزع - حتى من وجهة نظر حقوق الإنسان - فقد تكدست أعداد كبيرة من اليهود فى مراكز تجمع متعددة فى أوروبا الغربية رافضين بأى ثمن أن يذهبوا إلى إسرائيل، ومنتظرين ولو إلى آخر العمر تصريحاً بالذهاب إلى أمريكا.
وقام التليفزيون البريطانى - على سبيل المثال - بتصوير فيلم وثائقى ممتاز عن مركز تجمع فى ضاحية إيطالية على مشارف روما - تحصن فيه 12 ألف يهودى من المهاجرين السوفيت يرفضون السفر إلى إسرائيل، وترفض الولايات المتحدة سفرهم إليها.
وكانت بعض صور الفيلم الوثائقى قطعاً من العذاب الإنسانى حزينة ويائسة! وهو عذاب مازال مستمراً حتى هذه الدقيقة!
وخطوة أخرى إلى الحقيقة فى موضوع القضية..
فقد رأت إسرائيل أن ما يجرى تصاعد من درجة "المأساة" إلى درجة "الفضيحة"، وراحت تفتش عن وسيلة يتم بها ترحيل اليهود السوفيت الراغبين فى الهجرة من الاتحاد السوفيتى إلى إسرائيل مباشرة دون مرور بأى مراكز تجمع فى أوروبا حتى يتحقق هدفها دون مآسٍ أو فضائح.
وفى زحام التطورات فى الاتحاد السوفيتى - بما فيها مقولات تحرير الإدارة من الاعتبارات السياسية - استطاعت شركة الطيران الإسرائيلى ("العال") أن تعقد اتفاقاً مع الخطوط الجوية السوفيتية ("ايروفلوت") على تسيير خط جوى مباشر من موسكو إلى تل أبيب، كأنه خط أنابيب متصل لضخ البشر قهراً دون أن يراهم أحد - من محطة قيام إلى محطة وصول وبغير أن يظهر على السطح شىء. لا مآسٍ ولا فضائح!
عندما تسرب الخبر - تحركت قيادة الاتحاد السوفيتى أو تحرجت، ثم صدر قرار من الحكومة السوفيتية بإلغاء هذا الاتفاق بين شركة "العال" وشركة "أيروفلوت".
جرى توقيع الاتفاق بين الشركتين فى الأسبوع الأول من شهر ديسمبر 1989، وجرى إلغاؤه فى الأسبوع الثالث من شهر يناير 1990. وكان إلغاؤه صدمه. وهرعت إسرائيل إلى واشنطن تطلب عونها، وإذا ستة وتسعون عضواً من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكى - كل المجلس تقريباً - يوقعون على طلب موجه للرئيس "جورج بوش" بأن يستعمل نفوذه حتى تعود شركة "آيروفلوت" إلى اتفاقها الأصلى مع شركة "العال".
ولم يكن فى وسع "جورباتشوف" أن يفعل شيئاً، وكان رده على طلب "بوش" - طبقا لما قاله "جنادى جراسيموف" (المتحدث الرسمى باسم الزعيم السوفيتى) - هو أن "باب الهجرة ليهود الاتحاد السوفيتى مفتوح لم يغلق". ولكن ترتيب رحلات مباشرة من موسكو إلى تل أبيب لم يعد ممكناً لأسباب سياسية، وحتى لأسباب إنسانية؛ لأنه ينطوى على إجبار لليهود السوفيت بتجاهل حقوقهم الإنسانية فى اختيار المهجر الذى يفضلون الذهاب إليه"!
وعندما غادرت موسكو فى آخر زيارة قمت بها إلى الاتحاد السوفيتى، وكان ذلك فى شهر نوفمبر الأخير - 1989 - كان عدد الذين تقدموا - يهودا أو غير يهود - بطلبات هجرة منه يتراوح ما بين 120 إلى 140 ألفاً، وكان عدد اليهود بينهم يقارب النصف - أى ما بين 60 إلى 70 ألف يهودى - معظمهم من جمهورية روسيا بالذات حيث توجد سوابق عداء لليهود مترسبة من أزمنة بعيدة، وحيث ظهرت أخيراً جماعات من القوميين الروس - مثل جمعية "باميت" - أى الذاكرة - تلح من جديد على كراهية اليهود وتنسب إليهم كل شر أحاق بوطنهم من أيام القياصرة وحتى أيام البلاشفة. وكانت هناك أقوال عن آخرين من اليهود يفكرون فى الهجرة - لكن تلك كانت حتى ذلك الوقت - شهر نوفمبر - أقوالاً قد تعبر عن نوايا، ولكن هذه النوايا لم تكن قد خرجت بعدُ إلى حيز التنفيذ وكتابة الطلبات، بل لقد كانت هناك معلومات بأن بعض الذين تقدموا بطلبات للهجرة سحبوا طلباتهم وظنهم أن الأحوال فى الاتحاد السوفيتى سائرة إلى التحسن، أو لعلهم آثروا الانتظار لبعض الوقت حتى لا يجدوا أنفسهم على غير إرادتهم داخل المصيدة التى تريد أن تأخذهم أخذ عزيز مقتدر إلى حيث لا يريدون.
ومقتضاه - ببساطة - أننا لا نستطيع أن نعالج الأمر بدون تدقيق وبغير تحديد سواء فى الحقائق أو المواقف أو المسئوليات.
بصراحة أكثر: لا نستطيع أن نعتمد فى تكييف مواقفنا على ما تنقله إلينا وسائل الإعلام الغربى وفى مقدمتها وكالات الأنباء التى أصبحت الآن أول ضابط إيقاع يتحكم فى حركاتنا وأمزجتنا!
وأزعم أنه لا توجد حكومة عربية واحدة لديها معلومات محققة موثقة عن هذا الموضوع تستطيع عليها أن تبنى موقفاً وترسم سياسة!
وبغض النظر عما نعرفه من الموضوع أو لا نعرفه - فما الذى يمكن أن نطلبه فيه منطقياً ومعقولاً - ومحققاً للعدل؟
هل يمكن أن نطلب من الاتحاد السوفيتى إعادة وضع القيود على الهجرة؟
- يكاد ذلك يكون مستحيلاً، ففتح باب الهجرة للراغبين فيها يجىء ضمن سياسة عامة جديدة تهز الاتحاد السوفيتى من أقصاه إلى أدناه هزاً عنيفاً كحركة زلزال.
هل يمكن أن نطلب من الاتحاد السوفيتى منع هجرة يهوده إلى إسرائيل بالذات؟
- يكاد ذلك أيضا يكون مستحيلاً ثانياً، والدليل أن العالم العربى نفسه لم يتمكن منه. والشاهد مرة أخرى هو أرقام جهاز الإحصاء المركزى فى إسرائيل (المنشورة سنة 1988)، وفيه صفحة كاملة عن "الأصول" التى فى إسرائيل، ويظهر فى هذه الصفحة عنوان فرعى يقول: "الجذور اليهودية لمواطنى إسرائيل":
ثم ترد تحته التفاصيل بالنص التالى:
مهاجرون من أفريقيا:
483 ألف يهودى جاءوا من المغرب.
124 ألف يهودى جاءوا من الجزائر وتونس.
77 ألف يهودى جاءوا من ليبيا.
65 ألف يهودى جاءوا من مصر والسودان.
31 ألف يهودى جاءوا من بلاد أفريقية مختلفة.
مهاجرون من آسيا:
267 ألف يهودى جاءوا من العراق.
165 ألف يهودى جاءوا من اليمن (معظمهم من اليمن الجنوبى).
126 ألف يهودى جاءوا من تركيا.
98 ألف يهودى جاءوا من الهند وباكستان وعدد آخر من بلدان آسيا.
والمجموع الكلى أكثر من مليون ونصف مليون.
أى نصف سكان إسرائيل تقريبا.
وهم جميعا لم يذهبوا من حيث كانوا إلى حيث هاجروا مباشرة، وإنما خرجوا إلى مراكز تجمع - معظمها فى جنوب أوروبا الغربية - ثم اختاروا إسرائيل برضاهم أو غصباً، ثم وصلوا فى خاتمة المطاف إلى حيث أرادوا هم أو أراد لهم غيرهم سواء بالدعاية أو بالاصطياد!
(أوليس غريباً أنه من سكان إسرائيل ليس هناك أكثر من سبعمائة ألف فرد ولدوا فيها أو ولد فيها آباؤهم، والباقى كله مهاجرون؟).
ومقتضاها أننا لا نستطيع - ببساطة - أن نطلب من غيرنا ما لم نستطع أن نفعله بأنفسنا، لأنه فى واقع الأمر شرط استحالة يتصل بما هو خارج عن إرادة الطالب والمطلوب منه معاً!
تظل هناك مسألة أخيرة، وهى: إذن ماذا؟ وما هو ذلك الذى يمكن لنا أن نفعله؟
ظنى - وليس كل الظن إثماً - أن هجرة اليهود السوفيت فرع من قضية وليست هى القضية. وإذا جاز لى أن أستعمل تعبيراً سبقنى إليه زميل كريم وصديق حميم (الأستاذ أحمد بهاء الدين) - فإنه "جريمة العصر" هى قيام إسرائيل أصلاً، ثم ما ترتب على ذلك من عواقب ومضاعفات مازالت واقعة حتى اليوم، وبالتالى فإن جريمة العصر هى "جرائم العصر" - أو لعله "عصر الجرائم"!
وهكذا فإن هجرة اليهود السوفيت إلى إسرائيل تستحق أن توضع فى إطارها. ثم أن علاجها لابد أن يأخذ فى اعتباره كل الحقائق بحيث نعرض على الناس بمنطق ونسمع منهم بمنطق. وفى جو يوفر الاحترام للقائل وللسامع معا.
ثم أضيف بعض الملاحظات والمقترحات:
- لا يصح أن تكون شواغلنا الحيوية هبات زوابع تثور مرة واحدة ثم تسكن مرة واحدة، وتفرض نفسها على الاهتمام يوما ثم تذهب إلى النسيان فى يوم بعده، لأن زوبعة أخرى طرأت وقامت اللاحقة بطرد السابقة واستولت بدلا منها على أعصابنا!
- لا يحق لنا أن نلوم غير ملوم، ذلك لأن تعميم اللوم على إطلاقه دليل نقص فى شجاعة المواجهة يؤدى بمن لا يستحق اللوم، وبمن يستحقه أيضا، إلى الاستهانة باللوم وبأصحابه - شكلاً وموضوعاً!
والحاصل أننا لا نستطيع أن نسوى فى مواقفنا بين طرف يراعى بالتحرج - وبين طرف آخر يدوس على هذه المشاعر والمصالح دون حرج!
(وربما نتذكر أن الحرب الباردة انتهت - ولكن التناقضات الدولية مستمرة بطبائع الأحوال، وهناك نمط مختلف من الصراعات بل والمعسكرات يتشكل الآن، ومن المهم أن يعرف الكل فى هذا العالم أن العرب يملكون وزناً مؤثراً - وليس هناك وزن مؤثر لطرف لا يستطيع أن يتخذ لنفسه رأياً مستقلاً يعلنه للكافة بشىء من الاستقامة والحزم!).
إننا - من ناحية الخيارات والبدائل - قد نستطيع أن نطلب وقف الهجرة من الاتحاد السوفيتى تحت إشراف المفوضية العامة لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة - أو تحت أى إشراف دولى آخر - ويكون طلبنا لذلك ضمن حملة جادة لحقوق الإنسان وأبسطها ألا يرغم قسراً على الهجرة إلى مكان لا يريده. والراجح أنه بمقاييس ما جرى فعلاً سنة 1989 - فإن أقل من عشرة فى المائة من الراغبين فى مغادرة الاتحاد السوفيتى من اليهود سوف يختارون إسرائيل مهجراً وليس بالضرورة مستقراً!
- إننا على وجه اليقين لا نستطيع أن نقبل تصريحات عامة تعلن إدانتها لتوطين اليهود السوفيت فى الضفة الغربية وغزة - ومثل هذه التصريحات العامة صدرت فعلا فى موسكو وواشنطن - ذلك أن هذه التصريحات العامة لا تعنى فى واقع الأمر شيئاً - إلا إذا استطعنا إيجاد نوع من أنواع الرقابة الدولية فى الضفة الغربية وغزة - تقوم فى هذه الأرض المحتلة بمهمة متابعة التصريحات العامة. ولعل هذا النوع من الرقابة الدولية أن يخفف من عناء الذين رمتهم المقادير بالسيطرة الإسرائيلية من العرب ومن اليهود أيضاً - فقد خرجت من الضفة الغربية صور عن مظاهرات قامت بها عائلات من اليهود السوفيت الذين وصلوا فعلا إلى إسرائيل وأُعطوا بيوتاً وأراضى ثم اكتشفوا فجأة أنهم فى وسط "الانتفاضة"، وإذا هم بالتظاهر يعلنون سخطهم على التغرير بهم من جهة، وعلى وضعهم فى خط النار من جهة أخرى!
وفى البداية وفى النهاية تظل القضية الرئيسية هى قضية الدولة الفلسطينية المستقلة. وبغير قيامها فإن كل يوم مشكلة، وكل ساعة أزمة، وكل غد مفاجأة... وزوبعة، وربما عاصفة من نار!<!-- / message --><!-- sig -->
__________________
عدد زيارات الموقع
799,321


ساحة النقاش