authentication required

بالنسبة إلى أكثر من مليار مسلم في العالم، يعتبر رمضان شهراً خاصاً. وهو شهر يحتفون من خلاله بذكرى تجلّي القرآن. في الإسلام، إنه الطقس الديني الأكثر اتباعاً. وها هو الإمام رشيد أوزاني من جامع باريس يقول: " يمثّل شهر رمضان العودة إلى الاستقامة، والإحسان. إذاً، يجب الإستفادة منه، واستغلال هذه العبادة، هذا الفرض الإسلامي لنكون دوماً على السراط المستقيم."

 

  ففي خلال شهر رمضان يجب الصوم: من الفجر ولغاية مغيب الشمس. أي يجب عدم الشرب، وتناول الطعام، وإقامة علاقات زوجية، مراقبة لسانه، يديه، عدم ارتكاب الخطايا، أن يسير في الإستقامة المطلقة". إنّ رمضان هو الشهر التاسع في الروزنامة الإسلامية القمرية. ويبدأ هذه السنة حوالى الرابع و الخامس من شتنبر. وإنّ هذه الفترة المقدسة من السنة مرادف للصوم بالنسبة إلى غالبية المسلمين. 

و يتعيّن على المؤمنين أن يصوموا صوماً تاماً، من شروق الشمس ولغاية مغيبها، وخلال ثلاثين يوماً. الإمساك إذاً عن الشرب والأكل ولكن أيضاً عن المعالجة الطبية. ولكنّ الصوم لا يمكن الاستهانة به. فإذا طال، يمكن أن ينتج عنه آثار خطيرة على الصحة. حسياً بالفعل، ماذا يحدث عندما نصوم؟ كيف يتفاعل جسمنا عندما نتوقف عن تغذية أنفسنا؟ الدكتور (باتريك سيروغ) أخصائي تغذية فرنسي شهير في كلية الطب كزافييه بيشا في باريس يحدثنا قائلا : "خلال الصوم، نستهلك أولاً السكر الموجود في جسمنا أي السكر الموجود في الكبد، وبكميات قليلة في العضلات وبعد ذلك نستهلك الدهون سريعاً. ويتمّ استخدام الدهون كمصدر للطاقة ويذوبون لحين أن نأكل من جديد".

يمكننا تمييز مرحلتين في الصوم : مرحلة التكيّف ومرحلة التوازن. تدوم المرحلة الأولى حوالى 10 أيام وهي التي تسبب المشاكل عامةً. الأمر طبيعي لأنّ جسمنا يمرّ فجأة من نظامه المعتاد إلى نظام قاسٍ. ولكن بعد مرور هذه المرحلة، يعتاد جسمنا على الأمر. بطريقة ما، يوازن نفسه تلقائياً. و تشكّل خسارة الوزن إذاً نتيجة طبيعية للصوم. وهي تنتج عن عملية تنظيف الجسم. ولكن لا تقلقوا، فهي غير خطيرة. بالفعل، لا تحدث على حساب الأنسجة الحيّة. فقط يحرق جسمنا المواد الزائدة وبخاصة الدهون والفضلات. و يتكيّف الجسم على النسيج الشحمي، أي النسيج الدهني. ويشكّل هذا الأخير مخزون الطاقة في الجسم. وسيتكيّف إذاً وفق حاجاته اليومية.

هكذا، عندما نقول إنّ العضلات خسرت وزناً خلال الصوم، يعني ذلك انّ الدهن الموجود اختفى والخلايا التي تؤلّف العضلات تنقص وزناً. لكنّ عدد الخلايا الموجودة في العضل لا تتغيّر. فلنذكر أنّ رمضان هو فترة صوم قصيرة. فعلى امتداد اليوم، لا يتعدّى اثنى عشر ساعة. يتمّ تناول الوجبة الأولى بشكل عام حوالى الثانية والخامسة صباحاً. ويتمّ قطع الصوم حوالى الخامسة و النصف أوالسادسة من بعد الظهر. في هذه الظروف، لا يملك جسمنا الوقت لخسارة الطاقة. إذاً، وخلافاً للأفكار السائدة، فإنّ رمضان ليس صوماً قاسياً للجسم. ومن وجهة النظر الطبية، فإنّ خطره على الصحة ضئيل. كما يشرح باتريك سيروغ، "الأمر الوحيد الذي يمكن الإحساس به هو بعض الوهن بعد بضع ساعات من عدم الأكل. ولكنه الخطر الوحيد الفعلي".

بالفعل، يسبب الصوم مساوئ صغيرة. إنها عديدة ولكن من دون أهمية. يشعر المرء بالتعب، ويصاب بالدوار أو حتى النعس في فترة بعد الظهر. ولكن إذا كان بصحة جيدة، ولا يشكو من أي مرض، تختفي هذه العوارض كلها بعد تناول الطعام. على العكس تماماً! يمكن أن تكون فترة الصوم جيدة لجسمنا فهو يبدأ بحرق الدهون التي لا يملك الفرصة لحرقها أبداً. وهي دهون عميقة، ومخزون غير ضروري تربك جسمنا في الأوقات العادية.  

على هذا المستوى، تلعب المياه دوراً أساسياً. ولا تنسوا، يجب الامتناع عن الصودا وعصير الفاكهة! وحدها المياه تساعد جسمنا على التخلّص من كافة أنواع الفضلات. فلا تحرموا نفسكم منها! بالنسبة إلى باتريك سيروغ، "لا يجب استعمال سوى المياه بكميات كبيرة بما أنه في الليل، يجب تعبئة الجسم بالمياه التي فقدناها خلال النهار اولاً وأن نبوّل لإزالة الفضلات". فالإكثار من شرب المياه. هذه هي بإمتياز النصيحة لتجنّب المضاعفات خلال الصوم. يجب أن يمرّ استهلاك المياه من ليتر ونصف الليتر في اليوم في الأيام العادية إلى ليترين ونصف الليتر أو حتى ثلاثة ليترات.

من جهة الأكل، إليكم بعض النصائح. حتى لو بدا ذلك متناقضاً، لا يجب أبداً تناول الطعام عندما نشعر بجوع كبير. لماذا؟ لأنّ الإحساس بالجوع لا ينتهي إلاّ بعد تناول الطعام. والنتيجة، ستأكلون كثيراً مقارنة بحاجات جسمكم. بالفعل، تكمن القاعدة الكبرى بتناول الطعام بعد تخطي الإحساس بالجوع. والوسيلة الفضلى هي تناول سكريات سريعة الهضم. قطعة نشويات تفي بالغرض. لا تحبون النشويات؟ فكروا إذاً بالمنبّهات كفنجان قهوة مثلاً. جرّبوا وسترون! فربع ساعة من الانتظار كافية لتقليص الإحساس بالجوع. والهدف هو النجاح في تناول الطعام بتفكير مرتاح.

هكذا، ننصح بعدم الانكباب على الطعام بعد يوم كامل من الصوم. إنه أمر صعب عندما نعلم أنّه في المساء لدى التوقّف عن الصوم سنجد أمامنا مأدبة غنيّة بالأطايب. مع مأكولات غنيّة بالسعرات الحرارية: أطباق اللحوم، والصلصة والحلويات... ضربة قوية للمعدة التي غالباً ما تتألّم وتتضخّم من جرّاء ذلك. كما يشرح بارتيك سيروغ، يجب تناول الطعام بهدوء، بعقله وليس بإحساس الجائع! "هنالك صعوبة في هضم كافة المأكولات المقدّمة. فمن المفضّل تناول وجبة واحدة في المساء ووجبة فطور صغيرة في الصباح قبل شروق الشمس للتمكّن من استخدام المخزون خلال النهار. نشعر بحالة جيدة خلال النهار عندما نتناول هذا النوع من التغذية خلال الليل".

وفي خلال رمضان، تشكّل المشاكل الهضمية كالانتفاخ والآلام الشُرسوفيّة مشاكل الصحة الصغيرة الأساسية التي يمكن ان تظهر. لتجنّب هذه المشاكل، اتّبعوا الطريقة التالية: أصبروا أولاً وبعد ذلك تناولوا القليل من الطعام. إنتظروا من جديد لحين أن يتقلّص الإحساس بالجوع وعندها تناولوا الطعام بشكل طبيعي. لا يعني بشكل طبيعي أن تتناولوا قطعتين من السندويش كما في يوم "عادي" مثلاً. كلا، للحصول على صوم جيّد، يجب مراعاة قواعد الطبخ الأساسية. بالنسبة إلى باتريك سيروغ، "يجب تناول البروتينات أولاً بكميات كافية، والتي لا يمكن تناولها في خلال النهار.

بعد ذلك، يجب تناول النشويات أي المعجنات والخضار الجافة، والقمح. وبعدها، يجب تناول القليل من الحوامض الدهنية على شكل زيت اللفت والصويا أو الجوز للحصول على كل هذه الأطعمة".  لكنّ الصوم يمكن أن يكون له مفاعيل مختلفة عن تلك التي ذكرناها آنفاً. بخاصةٍ على صعيد الحياة المهنية. في خلال رمضان، يشتكي العديد من الأشخاص الذين يعانون من الصداع ومشاكل في التركيز. حتى ولو يمكن التوفيق بين صوم يوم واحد وعمل ما، كما يفسر لنا باتريك سيروغ: "يتوافق صوم يومٍ واحد تماماً مع عمل مهني ولكنّ الخبرة تظهر أنّه في البلدان حيث يمارس الصوم خلال رمضان، تتدنّى مردودية العامل بحوالى 50%. وتمّ إجراء دراسة في المغرب حول هذا الموضوع".

تمّ إجراء هذه الدراسة من قبل مؤسسة حسن الثاني حول البحث حول رمضان والصحة. وقد أظهرت أيضاً أنّ أكثر من ستة مغاربة من أصل عشرة يعتقدون أنّ ساعات العمل لا تتلاءم مع أسلوب العيش في خلال شهر الصوم. إذ تكون نهاية النهار الفترة الأكثر مشقة طبعاً. ولكن بشكل عام، يتأقلم معظم المسلمون مع صومهم. لكن انتبهوا: لا ينصح خلال الصوم بالقيام بنشاط جسدي مطوّل. إذ تفرض رياضة الجهد على جسمنا تمويناً مهماً من السكريّات. وهذا أمر لا نستطيع تحقيقه خلال الصوم. ونجد أخطار هامةً من حدوث نقص للسكر في الدم أو وعكة ما.

هل يتوافق رمضان مع حياة طبيعية؟ ليس فعلياً. أو على الأرجح يعتمد الأمر على صحة الفرد. في الواقع، لا يفرض الإسلام الصوم على الجميع. فهو يعفي الأفراد الذين يعانون من مشاكل صحية. ويعطينا الإمام رشيد أوزاني التفاصيل: "في الشريعة الإسلامية، فإنّ الشيخ والنساء الحوامل والمرضعات، والمسافر معفون عندما يعجزون عن الصوم". ويعفي الإسلام إذاً المرضى والأطفال والنساء الحوامل أو المرضعات. وهي ليونة تعتمد على القرارات الطبية الصارمة، يزكرها باتريك سيروغ: "لا يمكن للمرأة الحامل أن تصوم بسهولة. فهي لا تستطيع الصوم خلال النهار وتناول الطعام خلال الليل وهي لا تستطيع الصوم لفترة طويلة لأنّ الجنين حساس جداً  تجاه التغييرات الغذائية. إذاً، في بادئ الأمر، سيتغذّى الجنين من حوامض الوالدة الدهنية والتي خزنتهم في النسيج الشحمي ولكن سينقصه الكثير من الفيتامينات والمعادن الضرورية لنموّ الجنين".

من وجهة النظر الطبية، يمنع الصوم المطوّل على المرضى. حتى ولو لا يسبب أي أمراض معيّنة، فهو خطير لأنه يزيد من احتمال خلل أيضيّ. أي كافة ما ينتجه الجسم من فضلات. هكذا، تتفاقم الأمراض المزمنة، والوعائية القلبية، والكلوية والكِبديّة بسبب الصوم. إنّ حالة داء السكري خاصة جداً. إنه داء تصعب موازنته يومياً. خلال السنة، يتعيّن على المريض بالسكري أن يوازن بدقة حصة السكريّات. ولكن خلال رمضان، يجب وضع ذلك جانباً. و النتيجة، تصبح أخطار نقص السكر في الدم خلال النهار وفرط السكر في الدم خلال الليل خطيرة جداً. ولكن إذا يجب اتباع الصوم بحذافيره، من الممكن تجنّب المضاعفات عبر اتباع توصيات الأخصائي بمعالجة السكري.

مع ذلك، يمكن إعطاء بعض النصائح:
• عند مغيب الشمس، ولدى التوقف عن الصوم، ابتعدوا عن السكاكر والمشروبات الحلوة المذاق والحلويات؛
• راقبوا السكر في الدم مرات عديدة في النهار؛
• تناولوا إذا أمكن ثلاث وجبات في اليوم مقسّمة من مغيب الشمس إلى شروقها؛
• إشربوا قدر المستطاع خلال الليل؛
• طابقوا جرعات الأنسولين وفقاً لتوصيات الأخصائي بمعالجة السكري؛  
• وخصوصاً، لا توقفوا علاجكم أبدا!

بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من الأمراض الوعائية القلبية، فإنّ رمضان موافق لذلك. ولكنّ الأخطار التي يتكبدونها يمكن أن تكون خطيرة. يتوقف ذلك على مدة الصوم وبخاصة على حالة المريض الصحية. بالنسبة الى باتريك سيروغ، "عندما يكون الصوم لمدة يوم واحد، فهو يتوافق مع الأمراض الوعائية القلبية. يكمن الخطر في الصوم في تواجد الحوامض الدهنية أي الدهون التي يتمّ إنتاجها بكميات كبيرة وفي هذا الوقت، تحصلون على الكثير من الحوامض الدهنية التي تصل إلى شرايين القلب  التي يمكنها أن تؤدي إلى خلل في القلب. ولكنّ هذه الشروط لا تتواجد إلاّ في حال أطلنا الصوم لأكثر من يوم".

بالنسبة إلى الجسم، يشكل الصوم دوماً تجربة ما. ولكنه لا يشكل خطراً على الصحة. وخلافاً لمعتقد قديم، لا يطيل مدّة الحياة ولكنه لا يقصّرها أيضاً. إنّ الصوم هو مسألة ديانة فقط. لكافة الديانات إذاً هو ليس مسألة صحية.  

  • Currently 56/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
19 تصويتات / 325 مشاهدة
نشرت فى 7 أكتوبر 2005 بواسطة ahmedhasan

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

799,330