| حكاية رامز وعماد وجبل جعفر وخريطة الكنز! تحقيق : آمال عويضة | ||||
رامز عزمي وعماد فريد, نجحا في التحايل علي حرف الراء في بحر الرمال الأعظم الذي تغرق فيه صحراء مصر الغربية, ليتحول الي جيم الجمال الذي يستمد بهاءه من محاولة تقليد الطبيعة, وقد حرر المعماريان الحائزان علي جائزة الدولة التشجيعية معرفتهم الهندسية المعمارية من زواياها الحادة لتصبح هندسة إنسانية حافلة بالمنحنيات التي تتنفس في سيوة عند أقدام جبل أبيض يضم رفات جعفر ولي الواحة التي تعد الأقدم والأشهر, وتقع تحت سطح البحر بنحو 17 مترا, وتصل مساحتها الي 55 ألف كم2, وتضم 20 ألف نسمة, وتبعد عن القاهرة بنحو 820 كم2 قرب الحدود مع ليبيا, وبنحو 603كم2 عن مرسي مطروح أقرب المدن إليها. الجبل وخريطة الكنز في سيوة الواحة العصية علي الغرباء والبعيدة عن صخب القاهرة, تبلورت فكرة إعادة إبداع واحة من صنع البشر تستفيد من الاستثمار الرباني المجاني في المنطقة كمايصفه دكتور مهندس منير نعمت الله الذي أمضي سنوات عمره استشاريا لمشروعات السيطرة علي البيئة, والذي بدأت علاقته بالواحة في عام 1994 عندما تم اختياره استشاريا لمتحف البيت السيوي, مما دفعه للتفكير في إقامة مشروعه الأول المعماري. وكما يقول المهندس عماد فريد (43 عاما): كنت محظوظا وشريكي في الجائزة بالعمل قبل نحو 10 أعوام في مكتب د. نعمت الله الاستشاري, وفي تلك الأثناء شاركنا في العديد من المشروعات المتميزة, وتابعنا معه نمو البذرة التي أرقته لأعوام طويلة علي أمل استثمار خبراته لإقامة مشروع العمر. وفي أغسطس 94, وفي إحدي زياراته لسيوة, لفت نظره موقع أدرار إملال أو الجبل الأبيض باللغة السيوية. ولم يكن قد شاهده من قبل, ولم يكتشف إطلالته علي بحيرة الواحة الكبيرة وذلك بسبب صعوبة زيارته ووعورة الطريق. وهناك توقف د. نعمت الله طويلا أمام الجبل المطل علي فطناس إحدي عيون سيوة الكبريتية الشهيرة, وقال: وجدتها. ويستكمل المهندس رامز عزمي (42 عاما) الحديث بقوله: لم نكن بصحبته, ولكن بعد عودته الي القاهرة رسم لنا خريطة الكنز, وخلفها سرنا مبهورين وسقطنا قبل أن نصل الي الجبل في طين الطريق المؤدي إليه واستعنا بأبناء قبيلة أولاد موسي من قرية الجارة الذين أصبحوا فيما بعد شركاءنا الطبيعيين في النجاح حيث أن نواة مشروعنا كانت عبارة عن مساكن قريتهم الموسمية, التي كانوا يستخدمونها في بداية شهر سبتمبر من كل عام للاستجمام في موسم جمع الزيتون, والتي اتسمت بملامح معمارية خاصة ولذا تعمدنا ألا نهدمها. وكانت البدايةفي 97, والطريف أننا لم نحدد موعدا للانتهاء من المشروع, الذي كان بمثابةمولود يكبر بين أيدينا. وعلي الرغم من البدء في استقبال النزلاء بصورة شبه رسمية في 2001, إلا أننا كنا نستقبل في أثناء فترة العمل ضيوف د. نعمت الله من كل مكان ممن استمتعوا بالمكان واضافوا أفكارا خلاقة ل لاستفادة من البحيرة الشاسعة التي يصعب الغرق فيها بسبب ارتفاع نسبة ملوحتها بمستوي يقترب من البحر الميت, وهو الأمر المفيد للجلد, كما جلبنا الخيول, وخططنا لرحلات السفاري والسهرات الفلكلورية. ونحن حريصون علي الاحتفاء بزوار الشيخ جعفر واحتفالهم السنوي الذي يطوفون فيه بالمكان بأعلامهم الخضراء, ويعقدون جلسات الذكر بحضور النزلاء الأجانب في ضوء تسامحهم الذي يكشف عن نزعة صحراوية أصيلة تحتفي بالغرباء وتمنحهم الأمان والروحانيات التي لن يجدوها في مكان آخر. هذا بالإضافة الي طقس بديع وطعام يخلو من سموم المدينة, نزرعه ونحصده ونصنعه في ضوء قواعد مصرية بيئية تم ضمها في كتاب يحتوي علي وصفات الطعام المصرية القديمة والمعاصرة بالإضافة الي ابتكارات الشيف عاطف الذي نجح في شي اللحم بالطين, وصنع المحشي من ورق البنجر, والمربي من الزيتون , وأطباق الحلوي الفاخرة من البلح. وهي ابتكارات احتاجت لتجارب كثيرة لإنتاجها والاستقرار عليها. بحر الجمال العظيم لقد عمد مشروع إدرار إملال أو الجبل الأبيض الي إعادة استخدام اسلوب البناء الواحاتي القديم لبناء مساكن بيئية صحية تستمد أسسها من المعمار القديم الذي برع فيه عمال سيوة العجائز الذين هجروا صنعتهم الي الزراعة بعد أن توقف الناس عن البناء بالحجر والطين والملح أو خليط الكيرشيف بلغتهم وهي الخامات التي تتزاوج مع جذوع النخل وقطع الزجاج ليدهشك تبدل ألوانها باختلاف تعامد الشمس عليها لتبدو تلك الأبنية المتناثرة وكأنها تتنفس ألوان الجمال الأصفر في بحر الرمال الأعظم حيث لا مكان لوسائل الاتصال والأجهزة الحديثة بسبب عدم وجود الكهرباء التي تم الاستعاضة عنها بالشمع المصنوع من خلايا النحل الذي يضيء الطريق لنحو 100 فدان مساحة المشروع. ويقول م. رامز: لقد تبلورت فكرتنا في الحرص علي بناء فندق يتصالح مع البيئة ولا يقضي عليها كما حدث في مناطق عديدة, ورفضنا من أجل ذلك تصميمات رائعة ولكنها لا تتناسب وطبيعة الفكرة والمكان. وقد نظر إلينا الزملاء وأهل الواحة أيضا بكثير من الشك, وتساءلوا: كيف لنا أن نتنازل عن مظاهر المدينة والحضارة ونعود للبناء بالطين؟ وهو الأمر الذي هجره السيويون قبل عقود لمجاراة موضة البناء بالاسمنت والطوب الأحمر المستورد من خارج الواحة مع ما يتكبده اهلها من اموال لجلب مواد البناء والايدي العاملة المدربة علي اسلوب البناء الحديث من خارج الواحة. ويري م. عماد ان سيوة قد تعرضت لغزاة متعددين, كان اخرهم مقاولي الأسمنت والسيراميك الذين اقنعوا الجميع بضرورة التخلص من عششهم, والسكني في بيوت الاسمنت التي لم تكن تتناسب مع شخصية الواحة المعمارية التي تكونت علي مدار عقود. ويضيف: وعلي الرغم من ذلك نعترف ان شهور العمل الأولي لم تأت بالنتيجة المرجوة لاننا لم نكن قد تخلصنا من قيمنا الهندسية المتسلطة, ولم يكن العاملون معنا قد استعادوا الثقة بتراثهم المعماري. وبمرور الوقت, تزاوجت الخبرات وبدأ المكان في الافصاح عن جمالياته, حتي اصبح لدينا طاقم عمل قوامه 200 اسطي وتلميذ استمروا معنا حتي اليوم, واستفدنا بهم في انجاز عدد من الأبنية الأخري في الواحة تطوعيا لنشر الوعي المعماري والتأكيد علي امكانية الاستعانة بالأبنية التقليدية كأماكن خدمية كالجمعية الاستهلاكية والمسرح ومحطة الاتوبيس وبنك الواحة والمحال التجارية, هذا بالاضافة الي المشاركة في اعادة بناء مئذنة جبل الدكرور, التي تابع تنفيذها شيوخ الواحة لتخرج بالصورة القديمة نفسها علي يد عم حمزة ساحر البناء بالكيرشيف الذي نجح في بناء مئذنة ارتفاعها 3 طوابق بمفرده وبدون استخدام سلم, حيث تعتمد الطريقة السيوية في البناء علي امتطاء السور كالخيل ووجود مساعدين علي اليمين واليسار ليقوم احدهما بخلط الكيرشيف وقذفه لاعلي, بينما يقوم الآخر بقذف الأحجار التي يتسلمها الجالس علي السور ليقوم بالبناء حجرا حجرا. أنسنة الهندسة المعمارية يري المفكر د. عبدالوهاب المسيري ان أحد اهم اسباب تدهورنا المعاصر, يعود الي انبهارنا بالنموذج الفكري الغربي, ورغبتنا في تقليده أو إعادة إنتاجه, وبالتالي فقدنا لمحاولة تطوير نموذجنا المحلي الذي قد يمزج بين ما يناسبنا من افكار من النموذج الغربي وما يتواءم مع طبيعة المكان والزمان والانتماء. ويبدو ذلك منطبقا الي حد كبير علي النموذج المعماري لادرار املال الذي لم يتنصل من المعمار الفطري البيئي بمكوناته وفلسفته, ولم يتجمد في إطار المفهوم الهندسي المعماري الغربي التقليدي الذي استعنا به في غابات الاسمنت الجاثمة علي شرم الشيخ وقري الساحل الشمالي. وهذا ما حاول مهندسا ادرار املال تفاديه, ففازا بالاحترام والتقدير وجائزة الدولة التشجيعية التي يروي م. عماد قصتها معهما بقوله: علي الرغم من حصول إدرار املال علي مدار الاعوام الاربعة السابقة علي جائزة افضل فندق بيئي من وزارة السياحة, إلا إننا لم نفكر في التقدم لنيل جائزة الدولة التشجيعية إلا هذا العام. ويقول شريك النجاح رامز: اري ان سبب حصولنا علي الجائزة يعود الي المزاوجة بين نظريات الهندسة والتجارب المعمارية الانسانية. والدليل اننا لم نقدم رسوما هندسية كالمتعارف عليها, بل اسكتشات فنية تترك التفاصيل الدقيقة للعامل وطبيعة المكان, حيث نقول للنحات نريد عملا هنا ولكننا لا نصفه له. بكل لغات العالم لقد تخطت شهرة هذا المكان حدود الواحة والوطن, وتداول اخباره صفوة الدبلوماسيين والفنانين واثرياء العالم, وقد زاره بالفعل ملوك ووزراء وسفراء ورجال اعمال, واتخذته احدي شركات العطور العالمية مسرحا لاطلاق احدث عطورها قبل عدة اشهر. وقد تناولت الصحف والمجلات العالمية بالانجليرية والفرنسية والايطالية وغيرها في صفحاتها المهتمة بالسياحة فندق الجبل الابيض البيئي الذي يقع الفندق علي بعد 17 كم من وسط مدينة سيوة, ومنها احدي المجلات العالمية المهتمة بالفندقة التي وصفت المشروع بانه ابتسامة الابدية, واشار لونلي بلانت احد اشهر الادلة السياحية التي يصطحبها المسافرون الشباب انه من المقدر لهذا الفندق ان يكون من افضل الاماكن في مصر هذا علي الرغم من ان الاقامة في احد غرفه الاربعين تصل تكلفتها الي 400 دولار في الليلة الواحدة يدفعها ساكنها عن رضا واقتناع شديدين. وهناك ايضا عشرات الصفحات والصور في الباري ماتش, فوج, والصاندي تايمز التي اشارت في تقريرها الصادر في مايو الماضي, الي فندق ادرار إملال باعتباره واحدا ضمن افضل 20 فندقا في العالم, وكتب محررها يقول: اصدقكم القول ان هناك شيئا عتيقا وطازجا في هذا المكان الذي يجعلك تري الصحراء بصورة لم نعهدها من قبل. اساطير المهندسين المعاصرين تري هل يليق الآن في 2005 اطلاق لقب احفاد أمحتب علي عماد ورامز؟ اعتقد انه شرف لن يدعيه كلاهما, ولكن حقيقة انهما ينتميان لوطن انجب أمحتب مبتكر العمارة الحجرية, تجعلنا نمعن النظر ونفرح بما قام به المهندسان المعاصران اللذان اضافا بعدا انسانيا للهندسة التي اعتدنا عليها ضخمة وباردة تعلو من اجل بشر مسجونين في داخل مكعباتها. وهو ما لم يفعله فندق ادرار إملال البيئي في تفرد ليبدو وكأنه يشبه قلعة تمبكتو مركز التجارة القديم في الصحراء الافريقية, التي حيكت حولها دوائر الاساطير التي لم يتجاوزها عماد ورامز ـ مع الاسف ولحسن الحظ ـ حيث تزاوجت علي يديهما قواعد العمارة مع منحنيات البيئة التي مازالت تحتفظ في صدور عجائزها بحكايات الرجال الملثمين والنسوة اللاتي كشفن عن عيون ورموش تصد ذرات رمال تنتحر فوق الوجوه ثم تعود لتلقي نفسها فوق شفاه النسوة انفسهن كي تشرب منها قبلات للحياة. |
|



ساحة النقاش