| حديث القرآن الكريم عن المظاهرات والمتظاهرين | ||
<!---Summery --EndSummery--------><!---Body--->
لكنها إذا ما قورنت بما يترتب عليها من آثار وما يسفر عنها من نتائج، سريعا ما يظهر أنها أداة قاصرة عن تحقيق المطلوب، وعاجزة عن الوصول بأصحابها إلى الهدف المنشود، ولعل من أهم الأسباب التى أدت إلى اعتبار المظاهرات أداة قاصرة فى التعبير، وعاجزة عن تحقيق الأهداف المبتغاة من ورائها. أن مبناها يقوم على الانفعال الطارئ الذى يجذب إليها من لا يعنيهم أمر الأهداف التى أعلنت كسبب للقيام بها، بل قد تختلف أهداف المتظاهرين فيها، فيكون هدف بعضهم التعبير عما يريدون أن يحصلوا عليه. بينما يكون هدف الآخرين بعيدا عن ذلك ومناقضا له، وقد يصل أمر الباعث على الاشتراك فيها لأن يكون هدفا حقيرا لا يتعدى حدود الجريمة المنظمة والمؤثمة بنصوص التشريع والقانون، كما هو الأمر فى شأن من يندسون فى المظاهرات ليقوموا بالتخريب والتدمير وإتلاف المال العام والخاص دون ضمير يردعهم، أو حياء يمنعهم. ومن ثم تكون المظاهرات فى نظر أولئك المخربين أداة يستترون خلفه التحقيق مآربهم الخبيثة وأهدافهم الخسيسة ،ويكون أصحاب النوايا الحسنة،مع أصحاب تلك النوايا السيئة فى حالة من الشيوع الذى يجعل التخريب الناتج عن المظاهرات منسوبا للجميع، الذين قاموا بالتخريب فعلا،والذين ساعدوهم عليه بأن صنعوا لهم من المظاهرة ستارا وجدوا خلفه الشجاعة ليقوموا بما قاموا به من إتلاف وتخريب واعتداء وتبديد. ولهذا جاء التحذير فى القرآن الكريم من أن يتخذ المفسدون أفعال الصالحين ستارا يصلوا من ورائه إلى ما يريدون من كيد للمجتمع، وتخريب لمرافقه، فقال سبحانه: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}. ولأن المفسدين إذا اخذوا من أفعال الصالحين ستارا لعمل إجرامى ووقع بالفعل فإن المسئولية عنه لن تفرق بين مصلح ومفسد، لأن المفسد إذا كان قد باشر الجريمة، فإن الآخرين قد ساعدوه بالتمكين فيها وإتاحة الفرصة للقيام بها، ولهذا تكون مسئوليتهم عما يقع سواء، وإن كان الأولون فاعلين لها أصالة والآخرون بالاشتراك. كما أن التجمهر فى المظاهرات لا يحكمه عقل ولا توجهه حكمة،وإنما يحكمه الانفعال ويوجهه التدافع ، ولهذا يكون عقل المتظاهر معطلا عن التفكير السوى، وعاجزا عن إدراك آثار ما يدور حوله من هياج وضوضاء، بل إن العقل يصاب بشلل تام يعجزه عن الربط الصحيح بين المقدمات والنتائج. ومن ثم فإنها تنتهى غالبا إلى حصاد مر لم يرد فى الحسبان وآثار قاسية لم يكن يتوقعها إنسان، لهذا أرشد الله المؤمنين إلى البديل الصالح لذلك المسلك الطالح حين أشار إلى التعبير الصحيح عن الرأى الذى يحترم فى الإنسان عقله ،ويتيح له فرصة الربط الصحيح بين المقدمات والنتائج بما يقى من الوقوع فى المهالك ويعصم من التردى فى المهاوى. فقال سبحانه: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى،ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد}، ومن هذا القول الكريم يبدو أن التفكير الفردى الهادئ أو الذى يعضده حضور شخص عاقل رشيد، هو البديل الذى يعظ به القرآن الكريم من يريد أن يصل إلى نتائج صحيحة. وليكون ذلك البديل المختار هو الواقى من عثرات التجمهر الشارد الذى يعط لمصالح الناس ولا يضبطه عقل، ولا تلجمه حكمة ،ولا يحكمه منطق، ولا يعرف لنفسه بداية أو نهاية. ومن مجمل ما حكاه القرآن الكريم عن المظاهرات يبدو أنها أداة جامحة فى التعبير عن الرأى. وأن ذلك الجموح هو الذى يغرى عددا غير محصور من الناس للاشتراك فيها،لأن الكثرة تغرى بالتقليد، والتقليد مع الكثرة يؤجج العواطف ويلهب المشاعر، فلا يكون للحق موضع، ولا للصواب موقع، ولعل ما يحيط بالمظاهرات من تلك الأجواء الخانقة للحق،هو الذى يفسر كلام القرآن الكريم عنها حين ذكرها فى كثير من الآيات التى تضمنت الحديث عنها موصوفة بالإثم والعدوان. ومن ذلك ما وصف الله به مظاهرات فئة من أهل الكتاب السابقين حين قال: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، فوصف التظاهر هنا بالإثم والعدوان، كما وصف البعض المتظاهرين بأنهم لا يرقبون فى أمتهم عهدا ولا يوفون بذمة. وبالمفهوم المعاصر فإنهم يتمردون على القانون ولا يحترمون النظام، وأن ما قد يصدر عنهم من الشعارات المنمقة والهتافات الجميلة، غالبا ما يخفى سوادا فى القلوب وحقدا فى النفوس، يدل على أنهم أخطر على أمتهم من أعدائها الظاهرين. فقال سبحانه: {إلا الذين عاهدتهم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، إن الله يحب المتقين كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون}. بل إن بعض المتظاهرين إن تمكنوا من رقاب الذين يخالفونهم فى الرأى قطعوها ورجعوا بالمجتمع إلى الوراء آلاف السنين حيث الكفر والضلال والظلم والهوان، فلا تستقيم حياتهم بعد ذلك أبدا، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا}. كما تحدث القرآن الكريم عن جملة من جوانب الخسة فى سلوك بعض المتظاهرين، ومنها أنهم قد يقومون بالمظاهرات لحساب أعداء دينهم وأمتهم، وذلك ما يستفاد من قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا}. كما أخبر أن التظاهر لو وقع من الإنس والجن فإنه لن يكون على خير بل سيكون على شر ما حق، هو محاربة القرآن بتلفيق ما سيقولون: إنه مثله أو خير منه، وفى هذا ما يدل على ارتباط المظاهرات بالتلفيق والضلال والتطاول على كلام رب العالمين. قال سبحانه: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}. كما ربط القرآن الكريم بين السحر وهو عمل لا يقوم به إلا كافر أو زنديق، وبين المظاهرات فى وصف قوم فرعون لموسى وأخيه هارون وذلك فى قوله تعالى: {أولم يكفروا بما أوتى موسى من قبل، قالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون}. وأخبر أن المظاهرات قد تكون لتأييد بعض الضالين والمنحرفين ولهذا حذر نبيه صلى الله عليه وسلم ومن يسيرون على منوال شرعه من الانخراط فى تلك المظاهرات الحقيرة، فقال سبحانه: {وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين} وأخبر عما وقع لبعض الذين تظاهروا مع غيرهم ظلما وعدوانا وتآمرا على الحق والإيمان من الذل والخسران وخراب البيوت والعمران، حتى يكونوا عبرة لغيرهم فقال سبحانه: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف فى قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا}. وقال سبحانه: {وحذر بعض أمهات المؤمنين من فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار}. التظاهر الأسرى ضد نبيه وأشرف خلقه صلى الله عليه وسلم وتوعدهن بأنهن إن فعلن ذلك فإنه سبحانه سيكون هو الناصر له عليهن،وسيكون جبريل وصالح المؤمنين والملائكة جميعا من المتظاهرين عليهن. فقال سبحانه: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير}، وفى ذلك الوعيد ما يحذر من وقوعها. ويبدو من حديث القرآن الكريم عن المظاهرات أن صورتها العامة ليست سالمة من المثالب القادحة والعيوب الفادحة التى تجعل عدمها خيرا من وجودها،وأن يد كثير من المتظاهرين ليست نظيفة بيضاء أو كاملة النقاء. وإذا كان الله قد أتاح لعباده من وسائل التعبير العام ما هو أصح منها وأسلم، يكون تركها شر وداعنا لصواب، واستبدالا لما هو أدنى بالذى هو خير، نسأل الله الهداية للجميع. |
نشرت فى 17 أغسطس 2005
بواسطة ahmedhasan
عدد زيارات الموقع
799,340



ساحة النقاش