اكتشاف خارطة الجينات كان مفتاح عمليات الاستنساخ
البيولوجيا.. إلي أين؟
كثر الحديث في الصحافة الغربية والوسائل السمعية البصرية عما جري في الولايات المتحدة من استنساخ بشر بعد ما تمّ منذ سنوات استنساخ شاة في بريطانيا معروفة باسمها (دولي). من الوجهة التنقية لا يوجد فرق يذكر بين هذا الاستنساخ وذاك لأن البشر هم جسدياً وبيولوجياً من فصيلة الحيوانات العليا ليس أكثر. لكن الاستنساخ البشري أمر عظيم لأنا نعدّ أن الانسان مهيأ لأن يكون له فكر ووعي بالذات والعالم ومعرفة وأخلاق. والإنسان اذا كان مرتبطاً بالطبيعة، فهو أيضاً نتيجة التربية والثقافة وتاريخية مديدة. وبالتالي فاستنساخ انسان من انسان حدث كبير، لكن ما معني الاستنساخ وما هو؟ العملية تبدو بسيطة: فتؤخذ بييضة جنسية من المرأة وتقتلع نواتها ثم تؤخذ أية خلية من جسمها وتقتلع نواتها ثم توضع هذه النواة الاخيرة في البييضة وتوضع البييضة في الرحم فتنمو ويتكون الجنين ثم يولد. الفكرة بسيطة، انما الهندسة البيولوجية لكل هذه العمليات تستدعي دقة كبيرة ومقدرة.
وما معني كل هذا؟ المرأة هنا تلد من دون أي تدخل جنسي من الرجل، بانتفاء مادته من المني، والجنين يأتي من مادتها هي فحسب. فلا اختلاط بين الجينات بل النسخة نسخة صافية من الأصل مائة في المائة. ذلك ان الرصيد الجيني أتي كله من لدنها، من نواة خليتها الجسدية حيث تتجمع الـ(د. أن .أ) والجينات و(الكروموزوم) التي تمثل ارثها البيولوجي وخصوصياتها. وهذا بالطبع يجري علي الرجل. فكل نواة خلية من خلايا جسمنا تحوي البرنامج الحياتي، وليست فقط الخلايا الجنسية.
أما لماذا يجري الأمر بهذه الصفة ولماذا تتحكم عناصر بسيطة وصغيرة جداً في كل شيء داخل الجسم الانساني أي تكوين (البروتين) وهي مادة الجسم ولبنته وكل الخصوصيات الجسدية من شكل ونمو واسقام وعناصر وراثية، فيمكن للمرء أن يتعجب ويندهش أمام هذه البرمجة. انما العلم لا يتساءل لماذا هكذا بل كيف تجري الأمور فقط، وهو اذ يستوعب الآليات فهو قادر علي أن يتحكم فيها حسب قوانينها.
إن عالم الحياة معقد بصفة مذهلة. فأصغر خلية موجودة ذات نواة وهي الجرثومة (الباكتري) تقوم بألفي عملية كيميائية علي الدوام ولم يتعرف العلم إلي حدّ الآن إلا علي سبعمائة منها. وجسم الانسان مثلاً يرجع في آخر المطاف إلي عدد قليل من الذرات (كاربون) و(اوكسجين) و(هيدروجين) و(أزون) وبضع ذرات أخري قليلة من مثل الحديد والقسدير والفوسفور. لكن هذه الذرات تتجمع في هيكل كبير نسميه بالعربية جزيئاً وهي (الموليكول) أي المركب الكبير من ذرات متعددة كما في الطبيعة الجامدة. والحقيقة ان علم الحياة قام بقفزة نوعية بإقحامه في نظرته إلي الحيّ.
عنصر الجزيئات أي اللبنات الأساسية للحياة. وهكذا اكتشفت الـ(د. أن. أ) وان هي إلا لبنة من هذه اللبنات محتفظة بخصوصية الجسد ومبرمجة للوراثة. كل شيء يبدو بسيطاً في عالم الحياة: ذرّات من السكر و(الفوسفور) وغير ذلك في هذه اللبنة. وكل شيء معقد إلي درجة كبيرة، وبالنسبة للانسان المفكر. كل هذا يبعث علي الاندهاش والتساؤل. كيف أمكن أن يتكون كل هذا؟ أعامل الزمان كافً لتفسير كل شيء؟ هناك طاقة كبري في الحياة معتمدة علي الذرات و(الايونات) و(الايلكترون)، وهي تأتي بنتائج مذهلة. أن يتحرك الكيان الحيواني بينما الحجرة لا تتحرك أبداً من تلقاء نفسها، أن يولد هذا الكيان نسخة مطابقة له اعتماداً علي أبسط شيء، وهذا بدءاً من مستوي الخلية إلي مستوي الجسد. ولماذا ضرورة التزاوج الجنسي لابداع الحياة؟ هناك حكمة اكتشفتها الطبيعة في هذا الأمر، انما فيها تعقيد أكبر من انقسام الخلية علي نفسها.
أقول: حكمة، لان التناسخ إلي حد الآن ما زال عملية فاشلة. فالتجارب علي البقر أظهرت ان 40% من المتناسخات في مرحلة الجنين غير قابلة لان تعيش لفساد في تركيبها، وكذا في غيرها من الحيوان. أما (دولي) الشهيرة فقد ماتت بسرعة بعد أن أظهرت علامات الشيخوخة قبل الأوان. وبالتالي فالشيء نفسه سيجري علي المستنسخ البشري، وليست هذه حال من ولد طبيعياً أي بمفعول العملية الجنسية. ذلك ان (كروموزوم) الخلايا الجنسية لا ينقص طولها ولا تفقد ذنبها المسمي بـ(تلومار)، بينما الخلايا الجسدية العادية تنقص خيوطها الصبغية هذه بكثرة الانقسام علي نفسها حتي تتوقف عن التوليد فيشيخ الجسد بشيخوخة الخلايا. هكذا يأتي الموت.
ولذا لا نتعجب اذا ولد ذكر وأنثي من سن معينة ومن جسد كهل طفلاً تكون كل خلاياه جديدة لم يمسسها أي قسط من الكبر. أما المستنسخ فيأتي من خلايا مهترئة، وزيادة علي ذلك فمجموعة الجينات الوراثية (الجينوم) تشهد اضطراباً كبيراً في هذه النقلة.
والخلاصة انه حتي لو تحسنت التقنيات وصححت الطبيعة، فهناك عنصر ضعف اساسي في الاستنساخ.
فائدة الاستنساخ
أما لماذا الاستنساخ وما هي منفعته، فلا يبدو هنا ما يشفي الغليل. قد يكون صالحاً لعناصر ذات جنسية مثلية، أو لأناس فقدوا ابناً أو ابنتاً واحتفظوا بالخلايا لاعادة نسخها وكأنهم أحيوه أو أحيوها من جديد، أو قد يكون المأتي من اناس يريدون استنساخ انفسهم جرْياً وراء حلم الخلود. كل هذه أوهام واضحة جلية لسبب بسيط وأكثر جلاء، وهو أن الموروث الجسدي البحت لا قيمة له ولا يمثلني بتاتاً لانه كيان مادي فحسب. فالانسان مكتسب للأنا وللوعي الذاتي اعتماداً علي تجارب كل حياته، علي التلقين، علي اللغة، علي الذاكرة، وحتي علي الحواس. أن يوجد مثيلي في الشكل الخارجي والتنظيم العضوي الداخلي، لا يمنع أن لا أحس إلا ما جرّبه جسدي أنا من ألم أو لذة، لا ما جرّبه هو. كل هذا اذن لا معني له ولا مستقبل له. وأكثر من هذا، فهو لا أخلاقي لانه لا حق لنا أن نعطي الحياة لكيان مضطرب ليست له كل فرص الحياة من صحة وطول عمر. ولا يمكن لنا أن نقوم بتجارب فاشلة علي البشر. ولا يمكن ان نخلق انساناً تضطرب هويته قسراً أمام لقاء منظر مثيله فلا يتمكن من نحت ذاته الشخصية.
العنصر الايجابي الوحيد يكمن في المداواة عبر جنين مماثل لزرع خلايا أو أعضاء تعطبت عند الانسان. انما هنا أيضاً يوجد عنصر أخلاقي. أليس الجنين انساناً بالقوة، هل لنا الحق بالتلاعب به؟ ولذا فالمشكلة الاخلاقية تطرح بقوة في هذا الميدان، والجدل قائم علي قدم وساق. هل يجب منع كل صيغة من الاستنساخ البشري، أم يسمح فقط بزرع جنين لأسباب طبية؟
ان البيولوجيا الذرية قامت بتقدم عملاق منذ نصف القرن، وهي، مقترنة باستعمال الاعلامية والحاسوب، بمثابة الثورة العلمية الكبري ولعلها بالثورة الانسانية الكبري التي قد تؤثر في المستقبل علي مصيرنا. قد تكون نافعة جداً وقد تحدث انقلابات لا يمكن التكهن بها.
أن نقضي علي المرض والآفات ونطيل في العمر بالسيطرة علي الشيخوخة، أن نصحح الطبيعة في مظاهرها السلبية، فهذا مطمح مشروع ومستحسن. أما ان تخلق انساناً مركباً في المخابر، فقيمنا الآن تمج ذلك معاً.
الاشكال ليس هنا في الحقيقة: انما أن يخلق العلم قيما جديدة غير قيمنا حالياً بإنجازاته غير المرتقبة. ذلك ان التصورات الاخلاقية غير ثابتة طوال التاريخ كما هو واضح، وهي ككل شيء في تطور مستمر.
عدد زيارات الموقع
799,342


ساحة النقاش