أسرار تصفية الشريف في بغداد

ابو الغيط

مهدي مصطفي


من يعرف بغداد‏,‏ بشوارعها وأحيائها الممتدة علي مساحة‏80‏ كيلومترا‏,‏ سوف يدرك أنه من المستحيل اختطاف الدكتور إيهاب الشريف‏,‏ رئيس بعثة المصالح المصرية دون دعم من أطراف قوية في العاصمة العراقية الملتهبة‏,‏ فمسرح هذه العملية الغامضة كان شارع الربيع التابع لنفق الشرطة‏,‏ والأخير يعد قاعدة تتفرع منها عدة شرايين‏.‏ فهو يربط منطقة أبو غريب بقلب العاصمة بغداد من جهة‏,‏ حيث توجد قاعدة عسكرية أمريكية‏,‏ أما الجهة الأخري منه فتتمتع بالحماية التامة لأنه يرتبط بطريق بغداد ـ المطار‏,‏ المؤمن بقوات الشرطة العراقية والأمريكية‏.‏
وفي ظل هذه الاستحكامات الأمنية يصعب التفكير في اختطاف أي شخص‏,‏ خاصة إذا كان شخصا بأهمية د‏.‏ الشريف‏,‏ وقال لي أحد المصادر العراقية الذي رفض ذكر اسمه‏,‏ إنه يستحيل ألا تعرف الحكومة العراقية أو القوات الأمريكية الموجودة في المكان حادثة الاختطاف علي الفور في ظل هذه الأجواء الصارمة‏.‏
لكن كيف حدث ذلك‏,‏ ولماذا تمت تصفية السفير علي وجه السرعة‏,‏ ومن هم الخاطفون حقيقة‏,‏ ولماذا أعلنت مايسمي قاعدة تنظيم الجهاد في بلاد الرافدين أنها هي الجهة الخاطفة دون الجماعات الأخري؟‏,‏ وكيف وصلت إليه بهذه السهولة؟‏,‏ ولماذا سارعت الحكومة العراقية علي لسان إبرهيم الجعفري رئيس الوزراء‏,‏ وبيان جبر وزير الداخلية‏,‏ وليث كبة المتحدث الرسمي إلي التصريح بأن السفير كان يجري مفاوضات مع‏'‏ المتمردين‏'‏؟‏,‏ ولماذا قال خطيب مسجد براثة الشيعي في خطبة الجمعة قبل الماضية‏:'‏ حتي يعرف المصريون مع من يتعاملون‏,‏ وحتي يدركوا أنهم تأخروا كثيرا في تثبيت العملية السياسية‏'‏؟
هذه الأسئلة وغيرها طرحناها علي مصادر قريبة من الملف العراقي‏,‏ وفي البداية يقول أحد هذه المصادر إن عملية خطف الرهائن أصبحت تجارة رائجة في العراق الجديد‏,‏ تقوم بها مافيا محلية مكونة من قطاع طرق وأرباب سوابق لصالح إحدي الجماعات المسلحة المنتشرة‏,‏ وبعد أن ينجح الخاطفون يسلمون المخطوف إلي الجهة الطالبة بعد أن تكون المافيا حصلت علي أجرها مقدما‏,‏ وما حدث للشريف لم يخرج عن السيناريو رغم الحراسة الأمنية في مكان الاختطاف‏.‏
يقول غ‏.‏ س السياسي العراقي‏:'‏ إن السفير الشهيد تخصص في الثورة الإيرانية‏,‏ وهذا للعلم‏,‏ ولذلك راح ضحية تقاطع خطوط عديدة في العراق‏,‏ تبدأ من الجماعات المسلحة وتنتهي بالجبهة الرسمية العراقية وامتداتها داخل وخارج العراق‏,‏ مرورا بأدوار دول الجوار‏,‏ وفي مقدمتها إيران‏,‏ والمليشيات والشخصيات المرتبطة بها‏,‏ وقد لا يعرف إلا القريبون من هذه الحكومة أن هناك صراعا شرسا بين أطرافها‏,‏ بسبب تعارض المصالح‏,‏ فهي تتصادم سرا علي النفوذ والسلطة وحتي علنا في بعض الأحيان‏.‏
ويشير نفس المصدر إلي أن هناك دولا إقليمية لها مصالح في العراق الجديد ورأت في وصول الشريف في هذه اللحظة خطرا علي هذه المصالح‏,‏ فسلمته بما يحمل من ملفات سرية إلي جماعة غاضبة من التحرك نحو المصالحة الوطنية التي قد تضرها إذا حدثت من وجهة نظرها‏.‏
الجعفرى
وهناك دولتان في المنطقة تتداخلان بقوة في غرب العراق الأردن وإسرائيل وفي المنطقة الخضراء‏,‏ وثالثة أصبحت تتمتع بالهيمنة في الجنوب إيران‏,‏ وفي قلب هذه التشابكات وقف الشريف ذو الخبرة الكبيرة في المشرق العربي‏,‏ وفي الملف الفلسطيني‏,‏ يواجه عدة قوي مجهولة لها نوازع شتي‏,‏ فوقع طعما سهلا لجماعة الزرقاوي‏,‏لتكبير دورها لحسابات إقليمية ودولية تتعلق بمستقبل العراق وجواره علي الصعيد الإقليمي‏.‏
ويقول س أ في موضع آخر خذ مثلا تجربة هيئة علماء المسلمين في هذا الجانب‏,‏ فعندما حاولت التوسط لإطلاق سراح الصحفيين الفرنسيين المختطفين‏,‏ تم قصف مكانهما أكثر من مرة من أجل اغتيالهما‏,‏ وإفشال الإفراج عنهما من قبل القوات الأمريكية‏,‏ ثم خذ تجربة اغتيال ضابط المخابرات الايطالي‏,‏ وما أحدثه من شرخ ما بين إيطاليا وأمريكا‏.‏
ولكن هل تقاعست هيئة علماء المسلمين عن التدخل لإنقاذ الضحية المصرية المهمة؟‏,‏ وهل كانت تعرف ورفضت المساعدة؟ ولماذا كان تصريح مثني الضاري قبل الإعلان عن الاغتيال وماذا عن الدم العراقي؟
يجيب مصدر آخر بأنه اتصل بالشيخ حارث الضاري‏,‏ وطالبه بالمساعدة في الإفراج عن السفير المصري لأهمية دور مصر في العراق والمنطقة‏,‏ فوجد الرجل خائفا علي السفير بدرجة غير طبيعية‏,‏ وقال له إنه يقوم بذلك بالفعل‏,‏ ولكنه يتمني ألا يتم إدانة الخاطفين علانية حتي لا يلاقي السفير المصير المحتوم‏,‏ وقد حدث ما تخوف منه الضاري‏,‏ وهناك أسرار تعرفها هيئة علماء المسلمين سوف تتكشف مع مرور الوقت‏.‏
من ناحية أخري يقول مصدر عراقي يعيش في أوروبا فتش عن إياد علاوي رئيس الحكومة السابق وتحركاته في المنطقة والترويج لمشروع سياسي‏,‏ فهناك حديث عن جدولة للانسحاب الأمريكي‏,‏ تلعب فيه بعض الدول العربية وفي مقدمتها مصر‏,‏ دورا شبيها بدورها في الموضوع الفلسطيني‏,‏ وتذهب بعض التقديرات بعيدا فتقول بأن احتمالات ذهاب قوات عربيه إلي العراق قد يكون من الخطط الجاري التفكير فيها‏,,‏ ويقال إن الحكومة الأردنية منزعجة جدا من مواقف علاوي الأخيرة‏,‏ خاصة بعد ما تردد من نيته ترك الأردن‏,‏ الذي تربطه به علاقات وطيدة وقديمة‏,‏ لكي يستقر في القاهره‏,‏ ومع بعض ما يتردد عن احتمال تقبل سوري لتحرك علاوي‏,‏ فإن تحليل الأردنيين يذهب إلي حد اعتبار ما يحدث بمثابة انقلاب يستهدف دورهم في العراق‏.‏
ويري نفس المصدر أنه ترددت في الأشهر الأخيرة أنباء عن مفاوضات‏,‏ سواء بين الحكومة وممثلين للسنة عبر‏'‏ الوقف السني‏'‏ و‏'‏مجلس الحوارالوطني‏'‏ وهما جهتان تصدرتا المشهد في الاوساط السنية علي حساب‏'‏ هيئة علماءالمسلمين‏'‏ بعد الانتخابات‏,‏ وتميزت حركتهما بالعمل علي الالتحاق بما يسمي‏'‏ العملية السياسية‏',‏ وكتابة الدستور‏,‏ آخذين علي‏'‏ هيئة علماء المسلمين‏'‏ تشددها‏,‏ وامتناعها عن خوض الانتخابات الأخيرة‏,‏ مما أفقد السنة فرصة ثمينة‏,‏ في التأثير علي مجري الأحداث‏.‏
الآن‏..‏ أصبح القاتل واضحا رغم إعلان تنظيم الأردني أبو مصعب الزرقاوي عن مسئوليته عن الاختطاف والتصفية‏,‏ فهذا التنظيم إن وجد فهو الذراع الطويلة لكل القوي مختلفة الأفكار والأهداف في العراق‏*‏

  • Currently 70/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
24 تصويتات / 263 مشاهدة
نشرت فى 22 يوليو 2005 بواسطة ahmedhasan

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

799,342