جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
كان وما زال "الفلكلور" أو الأدب الشعبى مرآة صادقة لمكنونات الوجدان الشعبى عند الشعوب بمختلف ألوانها وألسنتها وثقافاتها وتقاليدها وعاداتها ، فمن خلا ل هذا الأدب الشعبى والسير الشعبية والملاحم والمواويل والأشعار والقصص وغيرها يمكن للجماعة الشعبية أن تعبرعن طموحاتها وأحلامها وانكساراتها أيضاً.
وقد ساهم الكثيرين من عشاق التراث فى إثراء المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات فى مجال الأدب الشعبى ، ومن بين هذه المساهمات الجادة فى هذا المجال صدر حديثاً عن دار الأحمدى للنشر فى القاهرة كتاب "المكشوف والمستتر فى أحزان وأفراح الصعيد " للشاعر والباحث "كرم الأبنودى" والذى يقول فى مقدمته هكذا تركت لنا الموروثات الشعبية التى يزخر بها هذا الجنوب-جنوب مصر- تراثاً رائعاً كان له أثره فى تشكيل جزء ليس بالقليل من مفاهيمنا وتربوياتنا ومازال هذا التأثير مستمراً، وأن لهذه الموروثات الشفاهية قدرة كبيرة على النفاذ إلى عقول صغارنا وكبارنا من الرجال والنساء والصبية والفتيات .
وقد قسم المؤلف كتابه إلى فصلين الأول حمل عنوان "أغانى الأفراح" والثانى حمل عنوان "فن الحزن والعدودة" ، وفى هذه السطور سوف نلقى إطلالة سريعة على القسم الأول الخاص بأغانى الأفراح وما تمثله الأغنيه الشعبية فى الفرح الصعيدى وطقوسه وما تظهره من تجليات ومعان بعضها مكشوف والآخر مستتر "خفى" ، ورغم ذلك هو يفصح عن نفسه بذكاء فطرى من خلا ل كلمات الأغنية التى تعد رسول وآداة تعبير تخترق الحواجز والحدود لتصل إلى الوجدان فى سهولة ويسر لتصنع الكثير والكثير.
*ومن هذه الأغنيات التى تحاول بها الفتاة الخروج من الدائرة المغلقة إلى عوالم المعرفة بطقوسه وتداعياته قولهن : - "إديها ريال ياعبده .. إديها ريال تلعب بُه .. إديها ريال تديك بوسه .. وتوكلك لحمة وكوسة.. وأنت الكسبان". - "إديها ريال تديك عضة .. وتونسك ع المخدة.. وأنت الكسبان .. وحلفنا الليلة ماناكل .. ماناكل الأبيض.. افرحى يا عروسة "ح" يبوسك .. "ح" يبوسك جوه البيت" .
ويظهر هذا النص تحول الصعب إلى السهل والحرام إلى حلا ل وهو تحول تغلب عليه المفاجأة . ويجتهد الوجدان الشعبى من خلال كلمات هذه الاغنية إلى الإقتراب من وجدان وأذن الفتاة لإقناعها. | |
|
*وفى أغنية أخرى نجد الفتاة تخاطب طبيب العيادة وتعلن أنها خالية من الأمراض ولاحاجة لها عنده .. فقط هى تسعى من خلا ل كلمات الأغنية أن توصل إلى قلب حبيبها وفارس أحلامها قائلة له بأنها مهرة عفية تنتظر حبيبها ليصعدان سوياً الى عالم الحب والتوحد ..حيث تقول كلمات الأغنية : - "عسلية قلة عينه عسلية.. يادكتور العيادة .. مش عاوزه منك ولا حاجة ..عايزة حبيبى وبزيادة". - "يادكتور المستشفى .. مش عايزة منك ولا كشفة ..عايزة حبيبى "ع" الفرشه .. وقلة عينه عسلية".
*وفى نص آخر نجد إعلا ناً صريحاً عن مكنون جسد "العروس" وإستعراضه من أعلى إلى أسفل لإظهار ما تتمتع به العروس من ليونة وأنوثة تنتظر من يقتطف ثمارها . حيث يقول النص :
- "اتكحرت وأجرى يا رمان .. وتعالى على حجرى يا رمان ..أنا حجرى حنين يا رمان .. ياخدك ويميل يا رمان.. اتكحرت وأجرى يا رمان.. وتعالى على صدرى يا رمان.. أنا صدرى حنين يا رمان.. ياخدك ويميل يا رمان.. اتكحرت وأجرى يا رمان.. وتعالى على وسطى يا رمان.. أنا وسطى حنين يا رمان.. يخدك ويميل يارمان.. اتكحرت وأجرى يا رمان ..وتعالى على (.........) يا رمان ..أنا (........) حنين يا رمان.. يخدك ويميل يا رمان".
*وفى أغنية "القصب..القصب " يبين الموروث الشعبى للعروس أهمية ان تكون جميلة وذات وجه صبوح لأن الرجل لا يحتمل قبيحين فى آن واحد .. قبح الحياة وقبح الزوجة ، وفى هذه الاغنية تتفاوت درجات منزلة العروس حسبما تتمتع به من مقومات الجمال .. حيث تقول الأغنية : -"القصب..القصب..القصب عاوز مية ياواد .. محلاكى –يابنت – ياسودا لما العريس يخش .. يلقاكى سودا سودا ومسوداله الوش .. داخل يديكى مركوب..طالع يدكى مركوب ..على رنة العرقوب فى الأوضة التحتانية". - "القصب ..القصب..القصب عاوز ميه ياواد.. محلا كى –يابنت – يابيضا لما العريس يخش..يلقاكى بيضا بيض ومبيضاله الوش..داخل يديكى جنيه ..طالع يديكى جنيه .. على رنة البوفيه فى الأوضة الفوقانية".
وموروث أغنية الفرح الصعيدية يظهر بكل الوضوح والجلاء تصورات البنت الصعيدية حقيقة أو وهماً ، ويكشف أيضاً عن غرائزها ونزعاتها من خلال الفن الموروث روحاً وإحساساً ، ومن العجب أن هذه البنت الأمية أو شبه الأمية تجعلنا نسأل أنفسنا كيف إكتملت لها أدوات التعبير وتنوعت ، بل كيف استطاعت أن تجعلها متشابكة سلسة كالسهل الممتنع تماماً، فمن هذه النصوص التى تقولها مباشرة أحياناً ، إلى تلك التى منها نصوصاً كلامية تستطيع أن تضمنها أوتخفى ورائها كل الحقيقة أو جزء منها، ومن الرقص الذى لابد وأن يصاحب أغنيات الفرح هذه ،إلى الموسيقى الإقاعية ، أوالإيقاع الموسيقى متمثلاً فى (الطبلة الفخارية) أحيانا،وفى التصفيق أحياناً أخرى. | |
|
- ومنطقة (الفرح) وما يستتبعها من إحساس بالسعادة الغامرة للأبوين والإخوة والأهل يجعل ما لا يباح على مدار العمر مباحاً فى ليلة "الحِناء" و"الدُخلة" ، لذلك يغيب تماماً فى هاتين الليلتين عنصر المحاسبة على اللفظ أو مضمونه و البنت الصعيدية عموما- والقناوية خاصة – تعيش على أمل رؤية نفسها عروساً بين يدى عريس ، وتحلم بشكل حجرة نومها وسريرها وفحولة رجلها وما يستتبعها من أشياء تصورها لها حكايا الظل ممن هن أكبر منها من اللائى عشن هذا اليوم .
لذلك فإن أقسى ما يمكن أن تصدم به هو جهل عريسها بأصول اللياقة ، وعدم معرفة ما يجب، بل وتعتبر ذلك ظلماً وغبناً ، يوصلها إلى حد الفجور والتصريح ( بخيبة الأمل) أمام من نتوسم فيه أنه رمز العدل والعدالة، بل إن هذا الظلم يتسبب فى أن يستطيل لسانها بتعبيرات وألفاظ فى غاية القسوة تنعت بها هذا الزوج الخائب الذى لا يرجى خيره ..رغم أنها نفس الزوجة التى ترعى زوجها، وتعرف له قدره ومقداره ، و تقدمه على نفسها فى كل شىء حتى حين تطلب حقوقها – من ميراث وخلافه – من أهلها ، ولنقرأ معاً هذا النص:- -"مظلومة..مظلومة بالله يا قاضى..حيرنى عديم الزوق..لابسه له فى الليل كتافى..قالعه له فى الليل كتافى..ساب الفرشة ومشى حافى..ما عارفة تحت ولا فوق". - "مظلومة بالله يا قاضى..حيرنى عديم الزوق..لابسه له فى الليل (قرنزة)..قالعه له فى الليل (قرنزة)..عاكر يبلبل زى العنزة ..ما عارفة تحت ولا فوق.. مظلومة بالله يا قاضى".
- ويتبقى أن نقول : لقد أستطاع الباحث "كرم الأبنودى" أن يدون فى ذاكرة المكتبة العربية تفاصيل عزيزة من موروثنا الشعبى الشفاهى الذى إنزوى بعيداً فى ذاكرة الجدات اللواتى ترعرعن وسط فنون القول الشفاهى و جمالياته فى الزمن الجميل زمن البساطة والتلقائية والتكاتف والفن الجميل. وبهذا البحث في" الكتاب " تظل أغنيات الأفراح الشعبية فى الجنوب مثمرة ، مسموعة للأجيال القادمة رغم كل شىء . | |
ساحة النقاش