عالية.. قصة طفلة فلسطينية عايشت النكبة




طفلة ولدت قبل النكبة بأيام وبعد أن فقدت الاتصال بعائلتها هجرت وطنها إلى مصر حيث أقامت مع عائلة مصرية رعتها في (الزقازيق)، وبعد جهود اكتشفت عائلتها الحقيقية مكانها فعادت إلى مخيم بلاطة قبل أن تنزح في العام 1967 إلى الأردن ليستقر بها المقام في الرصيفة.



عالية.. لا ندري من أين جاء اختيار الاسم، ربما لو علم أهلها عند مولدها قبل النكبة بما ستؤول إليه حالها لسمّوها يافا.. أو فلسطين كما جرت عادة اللاجئين في إطلاق أسماء المناطق التي هجروا منها على مواليدهم.. لكن أحدا ما كان ليعارض لو أنهم اختاروا لها اسم رحيل.



تفاصيل القصة يرويها اللاجئ صبري ذوقان من مركز حق العودة وشؤون اللاجئين الثقافي بمخيم بلاطة نقلاً عن والده الذي توفي قبل أشهر دون أن ينسى توزيع تركته في حياته، تلك التركة التي يقول عنها صبري إنها أمانة ثقيلة تنوء عن حملها الجبال لكن اللاجئين تعهدوا بتناقلها جيلاً عن جيل حتى يتحقق حلمهم العودة.



على ضفاف نهر العوجا

يقول صبري إنّه كان لوالده "محمود" عم يدعى حسني ذوقان وكان يقيم مع عشيرته "السوالمة" على ضفاف نهر العوجا في منطقة قريبة من يافا الساحلية، لم يكن العمل في (إسرائيل) حينها معروفا إذ لم تكن هناك (إسرائيل) أصلا، بل كان يعتاش مع كل أفراد عشيرته من إنتاج مزارعهم وبياراتهم التي يعملون بها وكان لديه عمال يساعدونه في الزراعة بينهم عرب مصريون قدموا إلى فلسطين مع عائلاتهم طلباً للرزق.



ويضيف صبري قائلاً: "في العام 1947 ولدت زوجة العم حسني طفلتها عالية، وتوفيت الأم خلال الولادة، لقد جاءت عالية للدنيا فاقدة للأم وحنانها، لكنها لم تكن تعلم أنها ستفقد أيضا دفء الوطن".

ويتابع صبري حديثه، ويقول نقلاً عن والده المرحوم محمود: "احتضنت عائلة المزارع المصري التي تعمل مع عائلة عالية الطفلة، وأرضعتها زوجة ذلك المزارع مع أحد أبنائها حتى أصبحت شقيقته في الرضاعة، وبعد عام وقعت النكبة".



هجِّر الفلسطينيون عن أرضهم وديارهم وأموالهم.. وتفرقوا عن بعضهم البعض.. من شتات إلى شتات حتى أن هناك عائلات توزع أبناؤها بين مخيمات الضفة وغزة وسوريا ولبنان والأردن.. كان همهم الحفاظ على الحياة، أما الطفلة عالية فقد كان الوضع الطبيعي أن يحملها من يقوم على رعايتها.. وكانت عائلة المزارع المصري التي قفلت عائدة إلى أرض الكنانة واستقرت مع ضيفتها الطفلة في "الزقازيق"،فيما استقر أهلها الحقيقيون في مخيم بلاطة للاجئين شرق نابلس في الضفة الغربية.



يقول صبري :" لقد جرت العادة في تلك الفترة اعتبار المفقودين من اللاجئين موتى.. كان الحديث عن أرقام الشهداء الكبيرة في المجازر والمقابر الجماعية التي نفذتها عصابات "الهاجانا" و"شتيرن" و"البالماخ" وغيرها من المنظمات الإرهابية الصهيونية، لا يترك مجالا لأحد ليعتقد أن ابنه أو أي قريب مفقود له مازال على قيد الحياة وهذا كان مصير عالية التي سجلت في ذاكرة الأهل كشهيدة و استسلموا لهذه "الحقيقة"..



من مطار القاهرة إلى مطار قلنديا

بعد فترة من الزمن شاء رب الأقدار أن تُكْتَشفْ فلسطينيةُ عالية "المصرية" من جديد.. أحد أقاربها من مخيم بلاطة كان في مصر للدراسة وقد تعرف إلى أحد أبناء عائلة المزارع الذي تعيش عندهم عالية كابنة لهم، راسل أهله وابلغهم أن ابنتهم المفقودة لم تستشهد في النكبة وإنها تعيش كفتاة مصرية مع عائلتها (الجديدة) في الزقازيق.. والد عالية تلقى الخبر كهدية غير منتظرة ساقتها له السماء، إذن سيلقى ابنته التي طالما احتسب أن يلقاها في الجنة، سيراها حية ترزق.. وبدأت الاتصالات التي يقول عنها صبري: "كانت لهفة العائلة للوصول إليها كبيرة، لكن الظروف السياسية والجغرافية لم تكن لتسمح، كيف ستأتي إلى هنا ومن سيذهب لإحضارها وهل سيسمح لها من يسعون لتهجير كل فلسطيني بالعودة؟!



كلها أسئلة كانت تدور في الذهن لكن سؤالاً أهم كان يتصدر المشهد ماذا ستفعل هي حين ستدرك أنها فلسطينية؟!.

أجرى الطالب الفلسطيني في مصر اتصالاته مع محافظ الزقازيق لتسهيل المهمة، فيما قام راشد النمر وهو فلسطيني من نابلس وعضو البرلمان الأردني في ذلك الحين بالتحركات الدبلوماسية اللازمة لتسهيل المهمة، وسافر والدها إلى الزقازيق للقاء ابنته، كان يحس أنّه عاش نكبتين.. غربة ابنته سوف تنتهي.. أما غربته مع ملايين اللاجئين فكان يأمل أن تنتهي أيضا.



صدمت عالية حين علمت بقصتها، رفضت في البداية تقبل القصة، أنكرت أن لهجتها وثيابها المصرية هي سمات اكتسبتها فلسطينية هُجِّرتْ عن أرضها دون أن ترتكب ذنباً.. وأخيرا أقنعها الوالد المتبني أنه لم يكن أباها، وتم الترتيب لإعادتها إلى أرض الوطن.. وكان ذلك في العام 1965 حيث نقلت من مطار القاهرة إلى مطار قلنديا قرب مدينة القدس.



خرج كل من يعرف العائلة للقاء عالية في مطار قلنديا، ثم عادوا بها إلى مخيم بلاطة – كان المشهد "بروفة" مصغرة للعودة التي يحلم بها اللاجئون، جلست عالية بين نساء العائلة بثيابها المصرية وتتكلم بمصريتها غير مصدقة أنها كانت من ضحايا النكبة، ثم تزوجت ابن عمها وهاجرت معه بعد نكسة العام 1967 لتقيم في الرصيفة الأردنية.



يقول صبري ذوقان:" عالية من بنات عمي وزوجها كذلك، رحلوا من يافا إلى بلاطة ثم الأردن، لكن أطفالهم لم يعيشوا مرارة التنقل، إنهم يستمعون دائما لهذه الأحاديث التي تزيدهم حنيناً وشوقاً لمدينتهم يافا.

ويقول ذوقان إن مركز حق العودة وشؤون اللاجئين الثقافي يعمل على تعميق هذه الروح بين أطفال فلسطين تحت شعار "لو تحركت الشمس إلى اليمين، ولو تخلت الأهرام عن حجرها المتين، ولو عاد كل صهيوني لرحم أمه جنين، لن نتنازل عن شبر من أرض فلسطين".


 

<!--(filgoal)-->
  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 382 مشاهدة
نشرت فى 30 مايو 2005 بواسطة ahmedhasan

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

799,378