المصريون هم الأقدر في مجال التجسس المضاد وهم تحد لاي جهاز بما في ذلك الموساد..
على لسان أ/يـحـيى غـانـم
مدير مكتب الأهرام بجنوب إفريقيا 
كنت أعلم أن تلك الجلسة هي الأخيرة في سلسلة الجلسات التي عقدتها مع "شوموئيل توليدانو" القيادي السابق في جهاز الموساد الإسرائيلي. كنت أسعى لاعتصار أكبر قدر من المعلومات من الرجل قبل أن يرحل في اليوم التالي عائدا إلى تل أبيب. عاودت طرح سؤالي على "توليدانو" بشأن أهم الدول العربية التي مثلت تحديا للموساد في مجال مكافحة التجسس، حتى بدا له أنني لن أتخلى عن سؤالي، وخاصة بعد أن أكدت له أن موقفه الرافض للإجابة يمكنه أن يثير شكوكا يمكن ألا يكون لها أساس من الواقع، فكان هذا الحوار:
توليدانو: يبدو أنك لن تتخلى عن هذا السؤال؟
-: لا أجد مبررا يدعوك للتمسك بموقفك الرافض للإجابة، بالرغم من أن السؤال لا يدور عن أية موضوعات يمكن أن تثير حساسية، كما أنني لا أتخيل أن الإجابة يمكن أن تؤثر على أمن جهازكم ولا أمن عملائكم....!
توليدانو: حسنا، سأجيب على سؤالك ولكن بشرط ألا تطلب المزيد...!
-: وهو كذلك...
توليدانو: لا شك في أن القاعدة التي تحكم عملنا عندما نتعرض لمكافحة التجسس من جانــب جهاز يتبع دولة هدف، هي أنه لا يجوز –تحت أي ظرف من الظروف– أن تستهين بخصمك في هذا المجال أيا كانت قدراته أو حجمه. ففي مثل عملنا هذا، قد تكلفك الاستهانة بقدرة الخصم جولة أو جولات. وكل جــولة من هــذه الجــولات تــعني –ببساطة- أمن دولة، وأمن شعب. إن الخطأ في هذا الملعب نتيجة عدم إعطاء خصمك –أيا كان حجمه– حقه من الاهتمام لا يمكن، ولا يجوز أن يغتفر، وهو لا يغتفر في مجالنا بالفعل! وحتى أشفي غليلك، وللتاريخ، فإن المصريين لديهم كفاءة عالية، وخبرات عريضة في مجال مكافحة التجسس، وهم يتفوقون على جميع نظرائهم في المنطقة العربية بأشواط طويلة. إن المصريين يعدون بمثابة تحد حقيقي لأي جهاز مقابل، بما في ذلك جهاز الموساد. أيضا، فإنه في فترة الحرب التي كانت قائمة بيننا وبين مصر، كان المصريون على درجة عالية من التميز في مجال مكافحة التجسس، وذلك قبل أن يتميزوا في مجال التجسس من جانبهم ضدنا.
(كنت أهم بطرح السؤال التالي في سلسلة أسئلتي التي كانت تتدفق بغزارة، حيث إني تركت الورقة والقلم تماما إلا لتدوين بعض الملاحظات المهمة، عندما نهض "توليدانو" مرة ثانية ليقول لي:
توليدانو: إذا قبلت أي أسئلة أخرى بعد هذا السؤال، فإنني لن أسامح نفسي! إلى هنا وسوف أتوقف عن الحديث لضيق الوقت من ناحية، ولأشياء أخرى من ناحية أخرى، لست في حل من الحديث عنها. وإذا كنت ترغب في استكمال هذا الحوار، فيمكنك أن تفعل ذلك في منزلي في إسرائيل، وفي هذه الحالة، فإنني أعدك بتسهيل لقائك مع الرئيس الأشهر للموساد "إيتسر هارئيل" الذي أعربت لي عن رغبتك في أن تقابله. سكت "توليدانو" للحظات.. أيضا، فإني أعدك بمفاجأة أخرى!!
لم يترك لي "توليدانو" المجال للمناورة، فقد مد يده مصافحا إياي وعلامات الجد على وجهه بما لا يسمح بقول أي شيء سوى عبارات الوداع.
وعلى مدار أسابيع وشهور كنت أفكر في ماهية تلك المفاجأة التي وعد "توليدانو" بالكشف عنها وقت أن ذهبت لملاقاته في إسرائيل!
في كل مرة كان التفكير في كنه تلك المفاجأة يتلاعب بذهني وكأنه حركة مد وجزر في محيط هائل! بعد أسابيع جاءت الفرصة لأن أذهب إلى إسرائيل في مهمة صحفية، فقمت بالاتصال "بتوليدانو" على الفور. بعد أيام من وصولي إسرائيل، وبعد أن أنهيت بعض المهام العاجلة ضمن المهمة الصحفية التي ذهبت بي إلى هناك، قررت أن الوقت قد حان لزيارة "شوموئيل توليدانو" القيادي السابق في الموساد الإسرائيلي في منزله الكائن في القدس الغربية التي قام ببنائها اليهود، وذلك قبل أن يقوموا باحتلال القدس الشرقية.
كانت الساعة في معصمي تشير إلى الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر القدس المحتلة.. تنفست الصعداء أثناء مرور سيارة الأجرة –التي استأجرتها من أمام الساحة الخارجية للمسجد الأقصى الشريف– عبر طريق يؤدي من قدسنا العربية العتيقة -التي ماتزال ترزح في أغلال الأسر- إلى القدس الغربية التي قام ببناء معظمها اليهود. ففي مقابل هذا القدر الهائل من الراحة النفسية والسكينة التي شعرت بهما وأنا في هذه الرحاب الطاهرة، شعرت بحذاء الاحتلال الغليظ وهو يضغط على رقبتي ورقاب الشعب الفلسطيني الصامد، ناهيك عن رقاب مليارات من مسلمي ومسيحيي العالم.
جلست في المقعد الخلفي من السيارة أستعيد ما حدث منذ دقائق في ذلك الشارع الذي يفصل بين المسجد الأقصى المبارك وكنيسة المهد التي كنت أهم بعبور الشارع للوصول إليها. فقد فوجئت بثلاثة من جنود الاحتلال يوقفون سائق سيارة أجرة فلسطيني وقد باعدوا ما بين ساقيه وأداروا ظهره إليهم وهم يلكزونه بين الفينة والأخرى في جنبيه. صدمني المشهد بالرغم من أنني لم أكن أعلم الأسباب التي دفعتهم لإيقافه. لا أدري كيف جاءتني هذه الفكرة في ثوان معدودة، فقد وقفت على الجانب الآخر من الطريق وبدأت في التقاط الصور مستخدما "كاميرا" كانت معي. الشمس كانت في طريقها للغروب مما جعل ضوء "الفلاش" يعبر الطريق الضيق ليلحظونه. وعلى الفور تحول اثنان من الجنود الإسرائيليين إليّ وهما يتكلمان العبرية، فجاء ردي السريع عليهم بالإنجليزية بأنني صحفي، وبأني لا أتحدث لغتهم، وليدور هذا الحوار السريع:
الجندي: ماذا تفعل؟
-: كما ترى، إنني ألتقط صورا...
الجندي: ما السبب؟
-: قلت لك إنني صحفي، فهذه الصور للجريدة وليست تذكارا سياحيا...
الجندي: هذا غير مسموح به، وعليك إخراج الفيلم وتسليمه لنا...
-: هذا لن يكون أبدا، وإذا أردت ذلك فعليك أن تستخدم العنف...
الجندي: (يتحدث مع زميله بالعبرية قبل أن يتحول إليّ) من أي بلد أنت؟
-: أنا صحفي أجنبي وأمارس عملي، وليس من حقك أن تنزع مني فيلم "الكاميرا"، وإذا أردت يمكنني أن أتصل بسفارة بلادي لكي يبعثوا لي مندوبا في غضون دقائق لكي تتحدث معه.
ويبدو أن أنجليزيتي منعتهم من أن يبطشوا بي، حيث أمرني أن أبتعد عن المكان فورا، وبالفعل ابتعدت عدة أمتار عنهم، إلا أنني وقفت من على بعد أستخدم العدسة المقربة لالتقاط مزيد من الصور. دقائق قبل أن يقرر الجنود –فيما يبدو– أن الأمر لا يستحق إثارة مشكلة مع صحافة أجنبية، فأعادوا الأوراق التي كانوا قد سحبوها من السائق الفلسطيني لكي ينطلق الأخير إلى حال سبيله، وهو لا يدري السبب الذي دفع الجنود للعدول عن معاملتهم الوحشية له، فقد كان طوال الوقت يقف مواجها باب سيارته بدون أن يراني. بعد أن انطلق السائق، اســتدرت بـــدوري –وأنا الملم بعملي- حيث إنه إذا ما حاول أحد الجنود الكشف عن آلة التصوير الخاصة بي، فإنه كان سيفاجأ بعدم وجود فيلم بها، فقد كنت قد فرغت لتوي من إخراج الفيلم القديم الذي صورت به المسجد الأقصى المبارك، ولم يكن معي مزيدا من الأفلام!!
قررت أن أستقل سيارة أجرة لكي ألحق بموعدي مع قيادي الموساد السابق في منزله الكائن في القدس الغربية. جلست في السيارة وأنا أحدث نفسي بغضب إزاء التقصير الشديد الذي يصل إلى حد الخيانة التي أقدم عليها العرب جميعا في حق هذه المدينة المقدسة السليبة. انتبهت على صوت السائق العربي الفلسطيني وهو يعتذر لي سائلا إياي عن السبب في الغضب الشديد الذي يجتاحني لدرجة أنني أتحدث مع نفسي بمثل هذا الصوت العالي. اعتذرت للشاب بدوري على هذا الإزعاج، وغيرت مجرى الحديث حتى وصلنا إلى المنزل المطلوب...
المنزل كان عبارة عن فيلا ضخمة تكسو جدرانها الخارجية نباتات متسلقة. وقفت أمام البوابة الخارجية لحديقة الفيلا لمدة ثوان قبيل أن أفاجأ بـ"توليدانو" يفتح الباب الداخلي مرحبا بي حتى من قبل أن أضغط على زر الجرس، وكأنه كان يقف مراقبا من خلف إحدى نوافذ المنزل! بعد عبارات الترحيب من جانب "توليدانو" والسؤال عن الأحوال العامة والخاصة، بدأت جلسة حوار؛ حيث بدا الأمر وكأن الحوار لم ينقطع منذ شهور في القاهرة...
نشرت فى 22 مايو 2005
بواسطة ahmedhasan
عدد زيارات الموقع
799,401


ساحة النقاش