نعرف وندرك أن جميع المسلمين لا يطيق أحد منهم أن يسمع أي جملة تلصق بالدين الإسلامي صفة سيئة أو غير طيبة، ونعرف أيضا أن الكل يفعل ذلك عن محبة أصيلة وعن رغبة متأصلة بداخله في الدفاع عن الإسلام والذود عنه.. ولكن نعرف فوق هذا وذاك أن هناك من يفعل ذلك بدون وعي أو فهم فيكون ذلك تطبيقا عمليا للمثل العربي الأصيل "يزيد من الطين بلة".
وإذا كان بابا الفاتيكان قد قال عن الإسلام إنه انتشر بحد السيف، فإننا جميعا رفضنا هذا المنطق جملة وتفصيلا لكن دعنا نسألك سؤالا صعبا: هل ترفض اتهامات البابا هذه وأنت تملك اليقين بأنها خاطئة فعلا؟ أم ترفضها لمجرد أن الكل يرفضها وخلاص، فلا تملك دليلا ولا حجة، بل لعلك لم تجهد عقلك في التفكير بخصوص هذه النقطة أصلا؟!
حسنا إذا كنت من الفريق الأول وترفض عن يقين أو إذا كنت من الفريق الثاني الذي يرفض وخلاص فتعال لنناقش معا هذه القضية بهدوء وعلى مهل..
الأصل في هجوم البابا أو غيره على الإسلام ووصفه بأنه انتشر بحد السيف أي انتشر بالعنف وتحت تهديد السلاح هو أن الإسلام احتاج في بداية انتشاره إلى الدخول في العديد من المعارك الحربية مع أعدائه، هي تلك الغزوات التي درسناها نحن في كتب الدين بالمرحلة الإعدادية بتبسيط ملخص يختصر الغزوة بكل ما فيها في الدروس المستفادة منها فحسب.
والشاهد من كتب السيرة أن الغزوات التي خاضها المسلمون تحت قيادة سيدنا "محمد" -صلى الله عليه وسلم- لم تكن مطلقا تهدف للعنف من أجل العنف، أو رغبة في إسالة الدماء ونشر الكراهية والبغضاء -حاشا لله- وإنما هي كانت من أجل سببين رئيسيين يذكرهما د."يوسف القرضاوي" في مقال مطول له بموقع "إسلام أون لاين" بعنوان "الأصل في علاقة المسلمين بالآخرين السلم أم الحرب؟" فيقول بأن هذه الأسباب هي صد العدوان الذي قام به المشركون أو كانوا ينتوون القيام به، أما الآخر فكان تأمين الحرية لنشر دينهم.
ويفند د."يوسف القرضاوي" في نفس المقال ما يصفه البعض بأنه آية السيف التي تحض على قتال المسلمين لغير المسلمين وهي الآية رقم 29 من سورة التوبة "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".
ومن يجتزئ هذه الآية الكريمة من موضعها دون أن يربطها بأسباب نزولها يرى فيها تحريضا على قتل المسيحيين واليهود، لكن هذا ما يرفضه د."القرضاوي" فيقول:
"من الواضح لمن تدبر آيات القرآن، وربط بعضها ببعض أن هذه الآيات نزلت بعد غزوة تبوك، التي أراد النبي فيها مواجهة الروم، والذين قد واجههم المسلمون من قبل في معركة مؤتة وذلك لأن المعركة مع دولة الروم كانت قد بدأت، ولا بد لها أن تبدأ، وهي معركة حتمية لا بد أن يخوضها المسلمون، وهي كره لهم".
ويضيف د."القرضاوي" بأن "الرسول الكريم أقدم على غزوة تبوك حين بلغه أن الروم يعدون العدة لغزوه في عقر داره في المدينة، فأراد أن يغزوهم قبل أن يغزوه، ولا يدع لهم المبادرة، ليكون زمامها بأيديهم. وهذا من الحكمة وحسن التدبير.
فالآية الكريمة هنا تأمر باستمرار القتال لهؤلاء الروم الذين يزعمون أنهم أهل كتاب، وأنهم على دين المسيح، وهم أبعد الناس عن حقيقة دينه.
ولكن هذه الآية لا تقرأ منفصلة عن سائر الآيات الأخرى في القرآن، فإذا وجد في أهل الكتاب من اعتزل المسلمين، فلم يقاتلوهم، ولم يظاهروا عليهم عدوا، وألقوا إليهم السلم، فليس على المسلمين أن يقاتلوهم، وقد قال الله تعالى في شأن قوم من المشركين: "فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً" (النساء الآية 90).
وقبل كل ذلك هناك دليل كبير على أن الإسلام لم ينتشر بالعنف أو بالسيف وإنما بالدعوة والموعظة الحسنة وهو أن سيدنا "محمد" -صلى الله عليه وسلم- ظل في مكة يدعو إلى الإسلام –دون أن يرفع سلاحا واحدا- لمدة 13 عاما كاملا، ولم يكن سبب ذلك هو ضعف قوته وقوة من اتبعه وإنما ليؤكد بأن الرسالة التي يحملها هي رسالة خير وسلام ومودة فكيف يمكن أن يدعو إليها بعنف أو بسيف؟!"..
تريد أن يطمئن قلبك أكثر وأن تملك حججا أكثر إقناعا ورسوخا؟ -هذا حقك- خذ إذن ما قاله الشيخ "محمد متولي الشعراوي" في ذات الشأن: "كان المسلمون يطالبون بحرية الرأي وحرية العقيدة، وكانوا يعرضون الإسلام على الناس في دول مختلفة، فمن كانت له حجة -ولله الحجة البالغة- فليتقدم، ثم بعد ذلك تترك حرية العقيدة لكل إنسان.
فما كان من بعض حكام هذه الدول إلا أن قتلوا دعاة المسلمين، وبعضهم الآخر منعوا المسلمين من أن يعرضوا دينهم على الناس، وصادروا حرية الرأي وحرية العقيدة، محاولين فرض دين الكفر، وحملوا السيف ليمنعوا الإسلام من أن يصل إلى قلوب وآذان البشر، فكان لا بد أن يحمل المسلمون السيف؛ ليضمنوا للبشرية حرية الرأي، وحرية العقيدة، ويخلصوها من جبروت فرض الكفر والإلحاد على الناس بالقوة، وبعد أن وصلوا إلى الموقف الذي يستطيعون فيه إبلاغ تعاليم الإسلام تركوا السيف وألقوا به بعيدًا، وأخذوا في شرح تعاليم الدين، ثم تركوا بعد ذلك كل إنسان حرًا في أن يدخل الإسلام أو يبقى على دينه، فمن دخل الإسلام كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم بلا تمييز، وإن بقي على دينه كانت له حرية العقيدة يحميها المسلمون في ظل خلافة إسلامية وقوانين ربانية تحفظ لكل ذي حق حقه".
تريد المزيد.. لا يوجد مثالا عمليا أكثر من الأرض التي نعيش عليها.. مصر.. فعندما دخلها الإسلام على يد "عمرو بن العاص" عام 631 ميلادية، كان سكان مصر الذين كان أغلبيتهم يدينون بالمسيحية يعانون من ظلم واضطهاد الروم حكام البلاد آنذاك مما دفع بعدد كبير من المسيحيين إلى إخفاء ديانتهم بل وهاجر بعضهم إلى صحاري مصر وأقاموا بالمغارات حتى يتعبدوا بعيدا عن أعين الروم.. وعندما استقرت الأمور في يد المسلمين لم يتم إجبار أي مسيحي على الدخول في الإسلام بل ظل الكثير منهم على ديانتهم الأصلية لعشرات من السنين وظلوا يمثلون الأغلبية في البلد الذي يتولى مقاليده مسلمون.. لاحظ هنا ولا تنسَ أرجوك أن المسلمين عند فتحهم لمصر كانوا يحاربون الروم لا المسيحيين.
حسنا إليك هذه الشهادة الأخيرة من "ويليام إيه جراهام" عميد كلية اللاهوت بهارفارد الأمريكية والتي نقلتها مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الأخير –تجاوز فقط عن الفقرة الأولى واهتم بالفقرة الأخيرة- "في الأديان الثلاثة نجد جدالا كبيرا حول الوحي والعقلانية، وهناك أشخاص في الديانات الثلاث تخطوا نطاق العقلانية، هوامش الإسلام دامية الآن -قلنا إيه فوت الفقرة دي!- لكن من المؤكد أن المسيحية كانت دامية، وكذلك اليهودية في أشكالها الأكثر تطرفا.. والأكيد -أيوه ركز هنا- أن الإسلام انتشر من خلال الارتداد عن ديانات أخرى أكثر منه عن طريق السيف".
من جديد نحن هنا لا نروج لمقولة "جراهام" من أجل أن نفرح ونقول: "هييييه وشهد شاهد من أهلها.. يبقى كده الإسلام لم ينتشر بالسيف"، القصد من كل هذا أن يطمئن قلبك وهذه نقطة غاية في الأهمية والنقطة الثانية أنك حينما تتناقش أو تتحاور أو تتظاهر رافعا لافتة "الإسلام لم ينتشر بالسيف" تكون مدركا لذلك عن حق مالكا الحجة واليقين، ولو حدث هذا في كل أمورنا -نعرف أولا ثم نتكلم ونتناقش ونتظاهر- لما خرج علينا بابا الفاتيكان ليقول ما قاله من غثاء الكلام.


ساحة النقاش