ما هذا المخلوق؟

ما اتفقت عليه مُعظم المشاهدات هو أنه مخلوق شبيه بالإنسان بعينين حمراوين تكاد تنومان الواقف أمامهما مغناطيسيـًا في وجه جامد، وبعض المشاهدات لم تؤكـد وجود رأس من الأساس! طول جناحه حوالي ثلاثة أمتـار، يطير دون خفقان جناحيه كالوطواط دون إحداث أدنى صوت، وأنه يميل لمطاردة السيارات التي تـُقاد بسرعة تقارب مائة وستين كيلومترا في الساعة.. وتتركز مشاهداته في "بوينت بليزانت" بولاية "وست فرجينيا" بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث مشـّطت فرق البحث ودقـَّق المـُهتمين بالظواهر الخارقة تلك المنطقة مـِرارًا بلا نتيجة..

جاءت تسمية هذا المخلوق "Moth Man" عن طريق أحـد مراسلي التلفاز الأمريكي، حيث كان متأثرًا بلا شك بحلقات "Batman" التليفزيونية ذائعة الصيت في هذا الوقت من أواخر الستينيات، لينتشر الاسم سريعـًا ليصبح أحـد أهم الأسماء التي لا يـُستطاع إغفال ذِكرها حين يأتي الكلام عن الظواهر الخارقة أو المخلوقات العجيبة، وينضم إلى أساطير وفولكلور الشعب الأمريكي..

وقد شجـّعت تلك الأحداث الغريبة أحد الفنانين ويـُدعى "روبرت روتش" على نحت تمثال لهذا المخلوق طوله حوالي ثلاثة أمتار ونصف، وهو موجود الآن بميدان وسط "بوينت بليزانت"..

 


مـُشاهـدات:

بدأت الأحداث الغريبة المُتعلقة بالـ"Moth Man" في الظهور في الثاني عشر من نوفمبر عام 1962 في "كليدينين" بولاية "وست فرجينيا"، حيث كان خمسة رجال في مقبرة يجهزون لدفن جثة ما، ليفاجئوا بما وصفوه فيما بعد بـ"شيء أشبه ببشري بنيّ اللون" يطير فوق رءوسهم من فوق الأشجار القريبة، لم يبدُ كنوع من الطيور بأي حال من الأحوال، بدا أكثر كبشري مُجنّح، وبعد أيام قليلة زادت مشاهدات هذا الكائن بالبلدة، لتثير الرعب في نفوس جميع سُكًان القرية الهادئة!

وفي ليلة الخامس عشر من نفس الشهر عام 1966، بينما كان زوجان من الشباب "روجر" و"ليندا سكاربيري" و"ستيف" و"ماري ماليت" يقفون جانب أحد المصانع المهجورة ويبعد سبعة أميال عن "بوينت بليزانت"، إذا بضوء أحمر قرب بوابة المصنع، ليدققوا النظر فيجدوا أنه صادر عن عينين حمراوين في وجه كبير وجسد يشبه الإنسان، لكن -على حد قولهم- لم يكـن إنسانًا، فطوله يتجاوز المترين والنصف، ولديه جناحان مضمومان وراء ظهره، وحينما توجه بالخطى إليهم فروا هاربين في فزع إلى سيارتهم عبر الطريق 62، ليجدوه بعد دقيقتين أمامهم واقفـًا على مـُرتفع على جانب الطريق، ليطير على الطريق متتبعًا سيارتهم بنفس سرعة السيارة التي كانت تسير بسرعة مائة ميل في الساعة، ليفروا منه في النهاية ويسرعوا لنقطة الشرطة في "بوينت بليزانت"، فقط ليفاجئهم "ميلارد هالستيد" الشرطي المسئول عن القسم بأنهما ليسوا الوحيدين ممن رأوا هذا المخلوق تلك الليلة.. حيث أبلغ أربع من الشباب بمشاهدته ثلاث مرات بأماكن مُختلفة!!..

كما قال "هالستيد" بعدها: " لقد عرفت هؤلاء الشباب طيلة حياتهم، ليسوا من النوع الذي يختلق المشاكل، ولم أرهم خائفين قدر حالتهم تلك الليلة، وهذا ما جعلني آخذ أقوالهم بجديـّة".. ليتتبع خـُطى سيارة "روجر سكاربيري" بحثــًا عن المخلوق لكنه لم يجد له أدنى أثر.. وحسبـًا لكتاب "Alien Animals" لـ"جانيت بورد" تعرّض منزل آل "سكاربيري" للكثير من الضجيج وحركة الأشياء الغريبة في نفس الليلة متأخرًا، كما شوهد المخلوق عدة مرات خارج البيت..

ليخرج العديد من سكان البلدة المـُسلـّحين إلى المصنع المهجور على حدود القرية للبحث عن المخلوق في الليلة التالية، السادس عشر من نوفمبر، ولم يسفر بحثهم عن نتائج تـُذكـَر.. بينما كان "رايموند وامسلي" وزوجته مع "مارسيلا بينيت" وابنتها الرضيعة "تينا" في الطريق لزيارة أصدقائهم الساكنين جوار المصنع القديم، وحيث كانوا متجهين نحو سيارتهم للعودة رأت السيدة "بينيت" شيئا ما مستلقيا على الأرض، ينهض ببطء كاشفـًا هيكله الخارجي؛ مخلوق شبه بشري ضخم رماديّ اللون تلتمع عيناه الحمراوان بشكل مرعب.. وأثناء طلب السيدة "وامسلي" للشرطة كان المخلوق يقترب ببطء من السيارة، ليقف مـُحدقــًا بـ"مارسيلا" وابنتها عبر زجاج السيارة "البورش"..

تعدّدت مشاهدات الرجل الفراشة كما يسمونه بعد ذلك؛ فقد أبلغ "توماس يوري" برؤيته عند المصنع القديم في الخامس والعشرين من نوفمبر، وأبلغت "روث فوستر" في السادس والعشرين برؤيته في حديقتها بـ"تشارلستون" بولاية "وست فرجينيا" وبأنه اختفى حين ذهب أخو زوجها للاستطلاع.. وكذلك أبلغت امرأة برؤيته في صباح السابع والعشرين بـ"ماسون" في نفس الولاية، ورآه طفلان في ليل ذات اليوم..

بعد مـُشاهدات المخلوق الأولى لاحظ السكان وجود غرباء متشحين بالسواد في المنطقة لم يدرِ أحد هويتهم.. حيث استنتج البعض أنهم عملاء من المباحث الفيدرالية يحققون في الأمر، وذهب الآخرون بخيالهم أنهم بعض القساوسة يقومون بعمليات طرد الأرواح الشريرة "Exorcism" لطرد المخلوق باعتبار أنه من الكيانات الشيطانية..

ليظهر المخلوق مرة أخرى في الحادي عشر من يناير عام 1967، ولم يتكرر ظهوره بعد حادثة انهيار كوبري "سلفر" الذي كان يربط مناطق "بوينت بليزانت" ببعضها.. حيث مات 46 شخصـًا في انهياره في الخامس عشر من ديسمبر 1967، وعزا المتخصصون انهياره بعد ذلك لانفصال أحد الأعمدة التي تربطه لخلل في صناعته عام 1928..


محـاولات للتفسيـر:

بعد حادثة "سلفر بريدج" خصوصـًا واختفاء المخلوق بدأ المهتمون في وضع الكثير من الافتراضات التي يربط معظمها ظهور الـ"Moth Man" بتلك الحادثة، بل وبحوادث أخرى أيضـًا..

وأشهر تلك التحليلات جاءت في كتاب "جون كيل": "The Mothman Prophecies" –الذي تحوّل لفيلم عام 2002 بنفس الاسم سيأتي ذكره لاحقـًا- الذي ربط فيه "كيل" كل الرؤى الغامضة مع بعض الظواهر الخارقة للطبيعة ومشاهدات الأطباق الطائرة بالمناطق المحيطة وبغيرها بما معناه أن المخلوق ما هو إلاّ نذير للكوارث؛ أي أنه يتواجد لتحذير البشر من حدوث مصيبةٍ ما كانهيار الجسر السابق ذكره.. كما استشهد آخرون بعد ذلك بأقوال مـُشابهة لمشاهدات مخلوق بنفس الوصف تقريبـًا في "أوكرانيا" قبل انفجار مفاعلها الشهير "تشيرنوبل" عام 1986..

وهناك ممن ربط ظهور المخلوق بأسطورة "جاك الزنبركيّ" أو "Spring Heeled Jack".. وهي أسطورة من الفولكلور الإنجليزي تعود للعصر الفكتوري –حيث كان أول تسجيل لحكيها عام 1873- تزعم بتواجد مخلوق بهذا الاسم يقفز قفزات هائلة لا يقدر عليها إنسان.. حيث يدّعي البعض بأن الاثنين واحد..

ومع انتشار الأسطورة على نطاق واسع، أخذ الكثيرون في وضع التفسيرات لوجود هذا المخلوق وكنهه.. ما بين تفسيرات الناس كـُلٍ حسب معتقداتهم وتفكيرهم، وبعض محاولات التحليل لوجود الـ"Moth Man" بشكل علميّ..


وها هي بعض تلك التفسيرات:

- أضحية حيوانية

يؤمن البعض بأن هذا المخلوق ليس له شكل محدد، وأنه نـوع من مصاصي الدماء يتغذى على دم الضحية –حيوانـًا كان أو إنسانـًا– ليأخذ بعد عملية الافتراس شكل الضحية وهيئتها.

- ظهور ملائكيّ

حيث إن أغلبية السكان في "بوينت بليزانت" من المتدينين، يعتبر الناس هذا المخلوق نوعـًا من الملائكة.. لكن مع الوقت وزيادة الفزع من بشاعة وصفه، آمن الناس أكثر بتفسير أنه أحد تجليات الشيطان.

- طائـرِ ما

توصـَّل أحد الحاصلين على الدكتوراه بإحدى الجامعات المحليـّة لتحليل اختصاره أن هذا المخلوق ما هو إلا أحـد طيور الكركي واسمه "Sandhill Crane"، حيث يـتشابه في الصفات مع الـ"Moth Man" مع الظلمة وعدم وضوح الرؤيـة إلى حد كبير، وتوصل آخرون لاحتمالية كونه أحـد أنواع البوم الثلجيّ كبير الحجم، حيث تتشابه تقارير ورسومات شهود العيان في شكل وجه المخلوق بالبوم.

- أطبـاق طائـرة

مشاهدات "Moth Man" في "بوينت بليزانت" اعتبرت لوقت طويل ضمن تصنيف المخلوقات الفضائية، نظرًا لارتباط أحـداث ظهوره بأضواء غريبة في السماء وتعتيم من الحكومة الأمريكية على الأمـر ضمانـًا لعدم حدوث ذعر عام.. وهو تفسير يتبع نظرية المؤامرة التي نجدها في أي ظواهر غريبة تتعلق بالشعب الأمريكي.

- طفـرة جينيـّة

هنـاك نظرية تصدَّق بأن كميـّات ضخمة من المخلـّفات الكيميائية السامة أثناء الحرب العالمية الثانية قد تم إلقاؤها قـُرب "بوينت بليزانت"، مـِمـّا سبـَّب تحورات جينيـّة غير مألوفة بالطيور البريـة نتج عنها ذلك المسخ.

كـُـتــُب:

كما ذكرنا سابقـًا، فإن أهم الكتب التي تناولت الظاهرة هو كتاب "جون كيل":
"The Mothman Prophecies"..

الكتاب صدر عام 1975 وتناول الوقائع التي حدثت في "بوينت بليزانت" من وجهة نظر "كيل" الذي سافر إلى هناك وأقام لمدة عام كامل ليصبح جزءًا من اللغز الغامض، بما شهده من أضواء غريبة وشهادات أغرب..

وكانت صياغة الكتاب بشكل أدبي متقن هي ما ساعدت على ارتفاع مبيعات الكتاب وزيادة شهرته..
 

وهناك "جيف وامسلي" وكتابه:
"Mothman: Behind the Red Eyes"..


الذي استضاف فيه أقوال حوالي اثني عشر شاهدًا بالتفاصيل الدقيقة عمـّا شاهدوه بالضبط..

الشيء الذي تعارض في فصول كثيرة من الكتاب عن حديث وسائل الإعلام عن الوقائع.. وأيضـًا لم يتدخل "وامسلي" برأيه في الكتاب، مما اعتبره البعض إلقاءً للمزيد من البنزين فوق لهب الشك في صحة الوقائع من عدمها..
 

وأخيرًا، هناك كتاب "لورين كولمان":
"Mothman and Other Curious Encounters"..

الذي يتناول نظرية أن هذا المخلوق ليس الوحيد من نوعه.. ليربط الكتاب بينه وبين مشاهدات لمخلوقات غريبة أخرى لم يتم تفسيرها حتى الآن؛ مثل وحش "فلات وودز" في "وست فرجينيا" الذي ظهر عام 1952، كما تحلل رؤى المخلوق عام 1966 وتربطها بوقائع أخرى قريبة عام 2001..

كل هذا في محاولة لهدم الأفكار المـُسبـَقة عن معرفتنا لمخلوقات هذا الكون..

 

"Moth Man" على الشاشة الفضيـّة:

بديهي أن تستقطب السينما كل ما هو مـُشوّق أو ذو تأثير لتحويله إلى صورة يهتم المليارات بمشاهدتها.. بل إن الاهتمام الجماهيري يأتي الآن من معرفة الأمر من الفيلم السينمائي أولاً، وهو ما يـُحمـِّس الناس للبحث عن الموضوع..

وبالتأكيد ينطبق المثال على حالتنا تلك، حيث رفع فيلم "The Mothman Prophecies" الذي أنتج عام 2002 درجة الاهتمام بالمخلوق الغريب إلى درجتها القصوى حين شاهد الملايين كتاب "جون كيل" وقد تحوّل إلى فيلم، خصوصـًا وقد قام بالبطولة نجم معروف مثل "ريتشارد جير" مع "لورا ليني" و"ديبرا ميسنج" و"ويل باتون"..

يسرد الفيلم قصة "جون كلاين/ ريتشارد جير" الذي أدّت واقعة رؤية هذا المخلوق الغامض إلى تغيير حياته بالكامل؛ حيث شاهده وزوجته "ماري/ ديبرا ميسنج" وهما على الطريق السريع ليجنحا بسيارتهما على جانب الطريق، لم يصابا بضرر لكن الفحوص التي أجريت لزوجته اكتشفت ورمـًا نادرًا بالمخ أدى لوفاتها بعد الحادثة بفترة قصيرة..

ليكتئب "جون" لفترة بعد وفاة زوجته الحبيبة، ويحاول الاستمرار في حياته.. إلى أن يجد نفسه بعدها على مشارف بلدة "بوينت بليزانت" التي تبعد عن محل إقامته في "واشنطن" بمئات الكيلومترات في وقت مستحيل عمليـًا! ليفاجأ باستقبال عدواني من أصحاب أقرب بيت للمنطقة التابع لـ"جوردون سمالوود/ ويل باتون" الذي يدّعي أنها المرة الثالثة في ثلاثة أيام مـُتصلين بنفس التوقيت الذي يطرق فيها على بابه أحد طالبـًا المساعدة لتعطل سيارته!!

تستمر الأحداث الغريبة في الحدوث بالفيلم لبطله بمساعدة شرطيـّة المدينة "كوني ميلز / لورا ليني" من أضواء ومكالمات تليفونية مـِمـَّن يدّعي أن اسمه "إندريد كولد" والواضح أنه المخلوق ذاته بالتزام شديد لكتاب "جون كيل" المأخوذ عنه في سرد الوقائع.. في محاولة للربط بين مشاهدات المخلوق ومشاهدات أخرى في أزمنة أخرى، وأصوات غريبة يسمعها السكان قبل حدوث الكوارث، لربط نظرية "كيل" عن المخلوق بكونه نذيرا ينبئ بمصائب قادمة.. حيث نجح المخرج "مارك بيلنجتون" –الذي أدى صوت "كولد" بالفيلم– بتحويل الكتاب إلى صورة مليئة بالتشويق والإثارة بمساعدة "ريتشارد حاتم" كاتب السيناريو.. وهي العوامل التي صنعت فيلمـًا متميزًا نجح في انتشار أسطورة المخلوق المـُجنـَّح على أوسع نطاق، ليس محليـًا فقط كما فعلت الكتب، وإنما على مستوى العالم بأكمله..

  • Currently 90/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
30 تصويتات / 995 مشاهدة
نشرت فى 30 سبتمبر 2006 بواسطة ahmedgamal

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

69,714