تتميز شبه القارة الهندية بوجود نصف دستة من النساء اللائي شغلن مناصب قيادية في بلادهن، ابتداء من سيريمافو باندرانيكا اول رئيسة وزراء في العالم، الى بي نظير بوتو اول رئيسة وزراء لدولة اسلامية، وبينهن المرأة الحديدية فى آسيا رئيسة وزراء الهند الراحلة انديرا غاندي، بالاضافة الى رئيستي وزراء متعاقبتين في بنغلاديش، آخرهن رئيسة الوزراء الحالية خالدة ضياء. لكن وعلى الرغم من هذا المعدل العالي من النساء اللواتي وصلن الى قمة هرم السلطة، فإن النساء في هذا الجزء من العالم يواجهن كل انواع الحرمان الاجتماعي والاقتصادي منذ مئات من السنين.
وبالرغم من ان التعليم والتمكين الاقتصادي ادى الى تحسين الاوضاع بالنسبة لبعض المستويات فإن ذلك الأمر يقتصر على المدن، اما في المناطق الريفية فإن اوضاع المرأة مستمرة على ما هي عليه. ففي كل يوم تموت النساء بسبب قضية المهور، وتباع الفتيات مقابل حل نزاعات او اهانات لشرف الاسرة، ويغتصبن ويتعرضن للضرب على ايدي ازواجهن بل ان العديد منهن يقتلن وهن لا يزلن في الارحام بسبب ظاهرة وأد البنات المنتشرة في بعض اجزاء الهند.

والعديد من الفظائع التي ترتكب في حق النساء وتكشف عنها جماعات نسائية ومنظمات غير حكومية لا يهتم بها احد في الداخل. ومختار ماي، التي اصبحت واحدة من قادة حقوق الانسان في باكستان هي ضحية للاغتصاب. وقد بدأت مأساتها عام 2002 عندما اتهم شقيقها الاصغر بمغازلة ابنة واحد من كبار الاسر الاقطاعية في المنطقة. فاصدر «بنشيات» (مجلس لاعيان القرية للتوسط في الخلافات) قرارا لمختار ماى، بالتوجه الى الاسرة الاخرى والاعتذار نيابة عن شقيقها. وعندما وصلت الى منزل الاسرة، تعرضت للضرب واغتصبت. ورفضت الشرطة تسجيل شكواها. وعندما احتجت منظمات الاغاثة الدولية اجرت الشرطة تحقيقا وقبضت على المغتصبين. وبعد اربع سنوات من القضية اعلن الرئيس الباكستاني برويز مشرف في 7 يوليو (تموز) الحالي تعديلا في قوانين العقوبات فى الجرائم التى تتعرض لها النساء.

وطبقا للقوانين التي كان معمولا بها في باكستان قبل ذلك ـ التي تم اقرارها في عهد الدكتاتور الجنرال الراحل محمد ضياء الحق عام 1979 ـ يمكن الحكم على النساء بالاعدام اذا ما ادينوا بتهمة الخيانة الزوجية. ولا يسمح القانون بالافراج عن النساء بكفالة. وتوجد حاليا اكثر من 6 الاف امرأة في السجون ينتظرن محاكمتهن.

وفي الهند المجاورة تتعرض امرأة كل نصف ساعة للتحرش الجنسي، بينما تقتل امرأة كل 75 دقيقة، عادة على يد زوجها او اهل الزوج فيما يعرف بحرق العروس او قتل المهر، لعدم تقديم مهر كاف لاسرة الزوج، وذلك طبقا للارقام الجديدة التي كشف عنها مكتب سجلات الجرائم. كما ارتفع العنف ضد الاطفال بنسبة 25 في المائة، وزادت حالات قتل الاجنة الاناث بنسبة 50 في المائة.

والغريب ان العاصمة الهندية نيودلهي هي اقل المدن امنا بالنسبة للنساء. ففي عام 2004 سجلت العاصمة 30 في المائة من جرائم الاغتصاب من اكبر 35 مدينة في البلاد. وسجلت 457 حالة اغتصاب في المدينة بين 1510 حالات اغتصاب في المدن الاخرى خلال ايام.

وواجهت الهند فضيحة عندما اختطفت دبلوماسية سويسرية من موقف للسيارات واغتصبت في سيارتها. وفي نفس اليوم، اعتدى ناظر مدرسة على تلميذة. ووقعت الحادثتان في دلهي، التي تنتشر فيها حوادث الاغتصاب في الكليات والمستشفيات بل وتختطف النساء في الطرق. وقد اعلنت المحكمة العليا الهندية في حكم جديد انه لا يمكن رفض بلاغات ضحايا الاغتصاب، حتى اذا ما فشل الفحص الطبي في العثور على ادلة مادية على الاعتداء. وستحصل ضحايا الاغتصاب في الهند على تعويض مادي يصل الى ما يوازي 200 الف روبية من المدان. وتتحرك الحكومة الهندية نحو تعديل قانون الاغتصاب بحيث يعتبر اي تحرش جنسي تجاه المرأة بدون موافقتها اعتداء. ومن المتوقع ان تؤدي هذه التشريعات الجديدة الى تحسين اوضاع المرأة فيما يتعلق بجرائم الاغتصاب.

لكن هذا فقط جزء من المشكلة، اذ ان جرائم قتل الشرف تشكل عامل قلق داخلي ودولي. وتقتل النساء الباكستانيات اذا ما تزوجن باختيارهن، او اذا ما طلبن الطلاق من زوج متعسف او تحدين رجال الاسرة، لأن الأسرة تعتبر هذا مخالفا للشرف.

سامية عمران امرأة متزوجة في الثامنة والعشرين من عمرها طلبت الطلاق من زوجها الذي يتميز بالعنف بعد 10 سنوات من الزواج. واعترضت اسرة سامية على الطلاق واعتبرت سعيها الطلاق بمثابة الحاق الاهانة والفضيحة بالاسرة. ووصلت امها الى مكتب المحامي مع رجل، قتل سامية على الفور. ولم يقبض على أي شخص بتهمة قتل المرأة.

وطبقا لتقارير مستقلة في باكستان، فقد قتلت الف امرأة فيما يعرف بـ«قتل الشرف» هذا في العام الماضي فقط. وفي مارس (اذار) 2004 اعتبر القانون الباكستاني مثل هذه الجرائم بمثابة قتل متعمد. الا ان معظم المدنيين لا يتعرضون للعقاب، لان القانون يسمح لهؤلاء الذين ارتكبوا جرائم القتل بالدخول في مفاوضات مع اسرة الضحية.

وترتب معظم الزيجات تقليديا في كل من الهند وباكستان عن طريق الاسر، ونادرا ما يتم الزواج بسبب اعجاب أي من الطرفين بالطرف الآخر. وفي شهر مايو (ايار) الماضي، ظهرت فتاة تم تزويجها وهي في التاسعة من عمرها في اطار عقد تعويضي لحل نزاع بين اسرتها واسرة الشخص الذي اجبرت على الزواج منه، ظهرت امام محكمة الاسر في باكستان. بعدما تقدمت بعريضة تطالب فيها بمحاكمة والدها وزوجها طبقا للشريعة الاسلامية لانها اجبرت على الزواج حلا لنزاع عائلي. وكان هذا النوع من الزواج المعروف باسم «فاني» قد اعتبر غير قانوني في اوائل 2005، عندما تم تزويج فتاة لا يزيد عمرها عن 12 سنة، مقابل ثلاثة جواميس، لرجل عمره 60 عاما. ويعاقب القانون الباكستاني هذا النوع من الزاوج بالسجن لفترة تصل الى 10 سنوات، ولكن لم يدان أي شخص حتى الان بهذه التهمة. وبالرغم من ان «فاني» ليس منتشرا في الهند، الا ان الفتيات الصغيرات يبعن مقابل المال. فقد كانت سامو في الثالثة عشرة من عمرها، عندما جرى بيعها بـ10 الاف روبية الى جارنيل سينغ، وهو ارمل واكبر منها بعشرين سنة، لتسوية ديون على اسرتها. وذكر شخص يتولى احضار الفتيات الصغيرات الفقيرات من المناطق الشرقية للهند لبيعهن، ان الفتيات يتوفرن خلال موسم الحصاد، عندما يأتي الفقراء من الولايات الشرقية الى دلهي للعمل في المزارع. وقال ان «بعض الرجل يرغبون في بيع زوجاتهن وبناتهن، بمبالغ تتراوح بين 5 الف الى 7 الاف روبية (110 الى 160 دولارا) ثم يعود الى بيته بدون الاضطرار للعمل في الحقول». ويتراوح سعر شراء الفتيات في الولاية ما بين 4 الاف الى 30 الف روبية (88 دولارا الى 660 دولارا). وقد ادى التفضيل الثقافي للاولاد على البنات الى تغيير معدلات المواليد في العديد من ولايات الهند الشمالية مثل «هاريانا» و«البنجاب» و«راجستان»، بحيث زادت اعداد الذكور على الاناث. وبما انه لا يوجد عدد كاف من النساء، فإن الرجال يدفعون لبعض الاشخاص مبلغا من المال لاحضار نساء للزواج منهن والعمل في الحقول. وقد اصدرت المحكمة العليا قرارا بضرورة تسجيل جميع الزيجات لمواجهة بعض المشاكل المرتبطة بعدم التسجيل مثل تعدد الازواج او الزوجات. وزواج الاطفال.

اما القتل بسبب المهور فهو نقطة سوداء في النظام الاجتماعي في الهند، اذ تقتل العرائس والزوجات او تحرقن احياء بسبب عدم قدرتهن على دفع مهور لازواجهن، او تقديم هدايا واموال للزوج او للخطيب متى يطلب. ففي عام 2005، اكد مكتب سجلات الجرائم للهند مقتل 7026 امرأة حرقا. ومع ان منح مهر من الفتاة او اسرتها للعثور على زوج جيد، بات محرما بالقانون في الهند منذ 1961، الا ان العادة لا تزال منتشرة على نطاق واسع في الطوائف الهندية ولا سيما الهندوس. وترقد رجيشواري، مصابة بحروق تصل نسبتها الى 70 في المائة، في مستشفى بنيودلهي. والجزء الوحيد في جسدها الذي لم يحترق هو قدميها. وقالت رجيشواري ان زوجها سكب عليها الكيروسين وتركها لتموت بعد ان رفضت ان تطلب من والديها دراجة نارية له. وذكر الطبيب لي انها لن تعيش اكثر من اسبوع.

وفي المستشفى توجد اشا المتزوجة منذ 18 شهرا. وقد ذكرت لـ«الشرق الاوسط» ان زوجها استولى على مجوهراتها الذهبية وطالبها بمزيد من المال، وكان يضربها في بعض الاحيان وفي احد الايام ذهبت للمطبخ وسكبت على نفسها الكيروسين. وينتشر هذا النوع من القتل بين الاسر الفقير والثرية على حد السواء. وفي الهند وحدها، يقتل ما يزيد على 5 الاف امرأة سنويا لان اسرة الزوج تعتبر المهر غير كاف، فتنتقم من الزوجة. وقد اصبح المهر عبئا على الوالدين في الهند خصوصا في المناطق الريفية والفقيرة، حيث تحاول الاسر تجنب ان يكون لديها بنات. وطبقا لدراسة اجريت عام 2005 يقدر عدد أجنة الإناث المجهضة خلال فترة العقدين السابقين بحوالي 10 ملايين بسبب تفضيل الاسر ان يكون لديها اولاد ذكور، وبسبب فشل الحكومة في معالجة هذه المشكلة.

وعلى الرغم من وجود قانون صارم يعاقب على الإجهاض المتعمد لأجنة الإناث، فإن النساء يتعرفن على نوع الجنين عن طريق تقنية الموجات الصوتية ثم يجرين عملية إجهاض اذا عرفن ان الجنين انثى. وأظهرت نتائج تعداد عام 2001 ان عدد النساء مقابل عدد الرجال فى الهند 933: 1000. وفي هذا الصدد كانت روخسانا، 31 سنة، أجرت فحصا ثلاث مرات لتحديد جنس الجنين وعندما علمت اكثر من مرة انها انثى اجرت عمليات إجهاض، لكنها هذه المرة تشعر بفرح غامر إثر علمها بعد فحص اجرى على الجنين انه ذكر، وكانت قد رزقت بأربع بنات. وتقول روخسانا انها كانت تبكى عندما تجهض اجنتها الإناث. وتلقي آدردانا باللوم على زوجها وتقول انه يجبرها الإجهاض، ويهددها بالطلاق اذا رزقت ببنت أخرى، واشترط عليها ايضا الاحتفاظ بالحمل فقط اذا كان الجنين ذكرا. ثمة مشاكل عديدة تواجهها النساء في هذه منطقة شبه القارة الهندية، وعلى الرغم من ان بالهند قوانين وتشريعات في صالح النساء، فإن الغالبية لا تعرف حقوقها القانونية بسبب نقص التعليم والضغوط الاجتماعية والاسرية. وقد شكلت في الهند لجنة وطنية للنساء عام 1992 تتولى القضايا التي تواجه النساء، وتوجد في كل ولاية في الهند لجنة للنساء. لكن الحالة أكثر سوءا في باكستان، بسبب ارتفاع معدل الامية بين النساء والهيمنة الذكورية على المجتمع. وتقول منظمات نسائية وناشطات في مجال العمل وسط النساء ان التشريعات والقوانين ستكون مفيدة في مواجهة العنف، اذا تعامل المسؤولون عن تطبيقها بجدية، لكن هذا لا يكفي طالما ظلت الثقافة غير عادلة.

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 482 مشاهدة
نشرت فى 25 يوليو 2006 بواسطة ahmedgamal

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

69,720