أثر العولمة على الهوية الثقافية فى العالم الإسلامى
مفهوم العولمة التحول من العالمية إلى العولمة استطاع الإنسان منذ العصور القديمة إقامة الحضارة على الأرض، واصطنع كل شعب لنفسه لغة يتحدث بها وأقام نظما سياسية واجتماعية واقتصادية تأثرت بالبيئة التى يعيش فيها، وتقدم البشرية يتوقف على قدرة الشعوب على التقدم ومواجهة ما يعترضها من صعاب ، وبعض الشعوب جمد فى مكانه وعجز عن تطوير حياته فطواها النسيان ، وبعضها الآخر تقدم وتطور ونشر حضارته خارج حدوده طوعا أو كرها فى ظل الامبراطوريات الكبيرة، ومن بعدها فى ظل الديانات العالمية. وكان لكل حضارة من هذه الحضارات المتطورة خصائصها التى تميزها عن غيرها، واكتسب بعضها صفة العالمية، ووقف بعضها الآخر عند حدود الإقليمية أو القومية، ولذلك تعددت النماذج الحضارية عبر عصور التاريخ، وتعايشت مع بعضها متحابة أحيانا ومتحاربة أحيانا أخرى، ولكنها جميعا تتكامل فيما بينها تأخذ وتعطى. وكان تقدم البشرية رهينا بمدى تفاعل الحضارات مع بعضها البعض الآخر، وازدد تفاعل الحضارات مع بعضها بظهور الثورة الصناعية وازداد التقارب بينها بظهور ثورتى المعلومات والاتصالات، وتحول العالم إلى قرية صغيرة، ومع ذلك ظلت لكل حضارة خصائصها التى تميزها عن غيرها وتبلورت أهم وأكبر الحضارات فى العصور الحديثة فى بضعة عشرا نموذجا على رأسها الأنموذج الاشتراكى السوفييتى والأنموذج الرأسمالى الغربى، وبجانبهما نماذج وسطية منها الأنموذج الإسلامى وأنموذج الاشتراكية الديمقراطية، وحاول كل من النموذجين السوفييتى والغربى تجميع الأنصار من حوله والتكتل الاقتصادى والسياسى فى مواجهة الأنموذج الآخر. وكان سقوط الاتحاد السوفييتى عام 1991 م إيذانا ببزوغ فكر جديد، هو فى حقيقته تكريس لمنجزات ثورتى المعلومات والاتصالات. وهذا الفكر الجديد هو ما عرف باسم العولمة. وهذا الاتجاه الجديد أعلنه الرئيس الأمريكى جورج بوش فى يناير 1991 م ومضمونه انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم فى ظل الأنموذج الحضارى الغربى أو الأمريكى بمعنى أدق. وتناول المفكرون النظام الجديد بالبحث والدراسة، ومن أشهرهم فوكوياما الذى تنبأ فى كتابه " نهاية التاريخ " بانتصار الأنموذج الغربى. وتابع ذات التفكير المؤرخ الأمريكى " صمويل هنتنجتون " فى كتابة صدام الحضارات وانتهى إلى أن العولمة تعنى انتصار الحضارة الغربية بزعامة أمريكا على بقية الحضارات. أما المؤرخ الأمريكى بول كندى فنظر إلى العولمة نظرة موضوعية مضمونها أن ثورات المعلومات والاتصالات وعلوم الليزر وعلوم الهندسة الوراثية وغيرها أدت إلى اختزال المسافات وتضييق الفجوة أو الخلافات بين الحضارات ذات الأيديولوجيات المتباينة، و بذلك نما الإحساس بوحدة العالم من الناحية المعرفية التى أسهمت فيها الحضارات المختلفة كل بنصيب حسب مدى تقدمها. ومن هنا كانت العولمة تعنى تكامل الحضارات واحتفاظ كل منها بخصائصها وليس سيادة واحدة منها. وهذا التحليل الأخير هو أقرب تعريفات العولمة إلى الواقع القائم ومن هنا يمكننا القول بأن العولمة هى " عالم بلا حدود " لأنها تستهدف إزالة الحدود والحواجز الاقتصادية والعلمية والمعرفية بين الدول والشعوب. وقد أسفرت العولمة عن بروز اتجاه توحيد الأسواق المالية والائتمانية والتجارية بإزالة الحواجز الجمركية وإلغاء ما يقيد حركة رأس المال والعمل والخدمات مما يفتح الباب أمام المنافسة بين دول العالم. وعزز هذا الاتجاه الدور الهام الذى تقوم به المؤسسات والهيئات الدولية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى والشركات الدولية، ومنظمة التجارة الدولية (الجات). وهذا الاتجاه يستهدف عالمية الإنتاج بالإضافة إلى ما كان معروفا من قبل من عالمية تبادل السلع والخدمات. ولا شك أن هذا الاتجاه العالمى ينال من سيادة الدولة ويهدد مصالح دول العالم الثالث التى يعجز اقتصادها عن منافسة الدول المتقدمة ذات الاقتصاد القوى. ولا يقتصر أثر العولمة على توحيد أسس الاقتصاد العالمى بل يمتد إلى صياغة جديدة لنظام الحكم تعتمد بصفة أساسية على الديمقراطية الليبرالية واحترام حقوق الإنسان. ذلك أن حرية التجارة وآليات السوق وحرية انتقال العمل ورأس المال تتطلب بالضرورة وجود مجموعة من القيم السياسية تتمثل فى الديمقراطية الليبرالية. والعولمة تؤدى كذلك إلى إعادة صياغة النظم الاجتماعية- سواء كانت ثقافية أم أخلاقية- بما يكفل التقريب بينها وإزالة ما بين الشعوب من اختلافات ثقافية وهذا الاتجاه يهدد الخصوصية الثقافية للحضارات غير الغربية ومنها الحضارة الإسلامية، لأن القيم الأخلاقية والثقافية والاجتماعية فى الحضارة الغربية تعتمد على التراث الكلاسيكى (الأغريقى والرومانى) بالإضافة إلى الإنجيل، والتراث الكلاسيكى بعيدا عن القيم الدينية. ومرجع التهديد يكمن فى تفوق وسائل الإعلام الغربى فيما تبثه من قيم اجتماعية وأخلاقية من خلال رسائل تليفزيونية وشبكات الإنترنت وأفلام سينمائية وهى كلها تصب فى عقول شعوب العالم الثالث، ومنها الشعوب الإسلامية وذلك بالإضافة إلى ما تتخذه الهيئات الدولية مثل "اليونسكو" ومنظمة حقوق الإنسان من توصيات يمس بعضها خصوصيات الثقافة الإسلامية. وكذلك ما تضمنته اتفاقية الجات من أحكام ملزمة فى المجال الثقافى، ولم تراع هذه الأحكام الخصوصية الثقافية للشعوب غير الغربية واعتمدت على ما هو سائد فى الحضارة الغربية. ويزيد من خطورة الأمر أن المرجعية فى تحديد القيم الأخلاقية والاجتماعية فى الثقافة الغربية هو ضمير الجماعة، وهو يستمدها من مفهوم الجماعة لمبادىء العدالة والقانون الطبيعى الأمر الذى ترتب عليه سيادة النزعة الفردية والأنانية دونما اعتبار لصالح الجماعة ككل. تحول العولمة إلى هيمنة أمريكية: كان من أبرز نتائج سقوط الاتحاد السوفييتى تراجع الأنموزج الاشتراكى فى مواجهة الأنموذج الغربى بقيادة أمريكا، ومن ثم انفراد أمريكا بقيادة العالم. وقد مكنها من ذلك: تدنى مركز الاتحاد السوفييتى وتراجع النظم الاشتراكية وعدم قدرة الدول الأوروبية المتقدمة على منافسة أمريكا لأن الاتحاد الأوروبى مازال وليدا يحبو فى المجال السياسى، واليابان وإن أصبحت عملاقا فى المجال الاقتصادى إلا أن دورها السياسى والاجتماعى فى ظل العولمة مازال هامشيا0. ولذلك خضعت كل المؤسسات الدولية السياسية وعلى رأسها مجلس الأمن لتوجيه. أمريكا وكذلك الحال فى المؤسسات والهيئات الدولية الاقتصادية والشركات الدولية. فأقامت أمريكا من نفسها حاميا للديمقراطية ومدافعا عن حقوق الإنسان فى سائر أنحاء العالم، ونتيجة لذلك سمحت لنفسها بالتدخل فى شئون الدول الأخرى لتأديبها إذا ما خالفت الديمقراطية أو انتهكت حقوق الإنسان، منفردة أحيانا، أو تحت غطاء الشرعية الدولية بإصدار قرارات شكلية من مجلس الأمن أحيانا أخرى. ومن أمثلة الحالة الأولى استصدار قانون عام 1998 م يبيح لها التدخل فى شئون الدول الأخرى لمنع إلاضطهاد الدينى وحماية الأقليات الدينية، والقانون الذى يبيح لها معاقبة الشركات التى تتعامل مع إيران ولو كانت شركات غير أمريكية. ومن أمثلة الحالة الثانية التدخل العسكرى فى العراق عام 991 1م فيما عرف بعاصفة الصحراء أو فرضه عقوبات اقتصادية على ليبيا في، أعقاب حادثة لوكيربى . وانتهى بها الأمر إلى تجاهل مجلس الأمن والتدخل العسكرى فى يوجوسلافيا لحماية أبناء كوسوفا اعتمادا على قوى حلف الأطلسى، وبذلك خرجت على الشرعية الدولية التى ترفع لواءها. وهكذا أمسكت أمريكا بسيف المعز وذهبه للتدخل فى شئون الدول الأخرى . ولم تضع لنفسها معيارا موحدا يتم على أساسه التدخل، بل تعددت المعايير تبعا لتباين المصالح الأمريكية التى تريد حمايتها. وأخطر ما فى الأمر أنها تقيس سلوك الدول الأخرى- لعقابها أو لإثابتها- بما هو سائد فى المجتمع الأمريكى سواء فى المجال السياسى أو المجال الثقافى دون مراعاة للخصائص الحضارية للمجتمعات الأخرى وخصوصا بلدان العالم الثالث ومنها البلاد الإسلامية. ردود الفعل فى مواجهة العولمة: أثارت العولمة وما تمخض عنها من هيمنة أمريكية ردود فعل متباينة فى سائر أنحاء العالم حتى من بين شركائها فى أنموذج الحضارة الغربية. فظهرت تيارات فكرية غاضبة ترفض العولمة فى ظل الهيمنة الأمريكية، وهناك تيارات تسلم بالأمر الواقع وتتصرف على أساس أن العو لمة شر لابد منه ولا يمكن تجنبه وتحاول- قدر المستطاع- تلافى النتائج السلبية للعولمة بطرق صريحة أو ملتوية وهو ما أدى إلى ظهور ما عرف بالطريق الثالث الذى يتزعمه كلينتون رئيس أمريكا، وبلير رئيس وزراء إنجلترا. وهناك تيار ثالث يرحب بالعولمة ويطالب بالاندماج فيها وتناسى الخصوصيات الحضارية. وهذه التيارات الثلاثة سالفة الذكر تجد لها أنصارا فى العالم الإسلامى. فالتيار الرافض للعولمة ينظر إليها على أنها صورة جديدة للاستعمار الحضارى الغربى. وأنصار هذا التيار هم تلاميذ الفكر السلفى الذى كان يناهض الغزو الحضارى الغربى للعالم الإسلامى فى القرن الماضى . والتيار الثانى هو امتداد للفكر العلمانى الذى بهرته الحضارة الغربية و اندمج فيها منذ القرن التاسع عشر. وأنصار هذا التيار كونوا شريحة متفرنجة فى المجتمع الإسلامى ظلوا يعيشون على هامشه ولم يمتد أثرهم إلى الجماهير. أما التيار الثالث فهو امتداد للتيار الوسطى الذى ظهر فى القرن الماضى، لا يعادى الحضارة الغربية ولكنه يرفض أن يغير جلده ويندمج كلية فى هذه الحضارة، بل يأخذ منها ما يتلاءم مع أصول الحضارة الإسلامية. فهو يأخذ عنها بل وينقل منها أساليب البحث العلمى بغية اللحاق بركب التقدم ويفيد من الجانب المادى للمنجزات الحضارية الغربية، ولكنه يتحفظ بالنسبة للجانب الثقافى والاجتماعى وأحيانا السياسى للحضارة الغربية، ويحاول أن يوفق بينها وبين الحضارة الإسلامية، ولا يتردد فى الأخذ ببعض مفردات الحضارة الغربية التى تتفق مع الأصول الحضارية الإسلامية ، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان ويرفض الإنسلاخ من جلده بتبنى قيم ونظم تتناقض مع القيم والنظم الحضارية الإسلامية، وعلى رأسها الجانب الإيمانى للحضارة الإسلامية، والنظم المقررة فى الكتاب والسنة بأحكام قطعية مثل نظام المواريث فهذه القيم والنظم من خصوصيات الحضارة الإسلامية. ويزيد من خطورة العولمة أنها تعتمد فى بث أفكارها على الوسائل التكنولوجية المتقدمة من تليفزيون وأقمار صناعية وشبكات الأنترنت. فلم يعد أثرها مقصورا على الشريحة المتفرنجة فى المجتمع بل امتد أثرها إلى الجماهير التى ترى وتسمع يوميا فيضا من الأفكار يقتحم عليها. غرف النوم في المنازل. دور الثقافة المشتركة فى تحديد الهوية عناصر ا لحضارة : من المسلم به أن الثقافة المشتركة تقوم بدور أساسى فى تحديد شخصية الأمم والشعوب. وهذه الثقافة حصيلة الاشتراك فى عدة أمور أهمها: اللغة والتاريخ والدين والعادات والتقاليد. وهى التى تعبر عن روح الأمة وتميزها عن غيرها من الأمم لأنها تخاطب وجدان الأمة. ومن المسلم به أن أية حضارة (1) تتألف من أربعة عناصر هى: الأخلاق وتشمل الدين والعادات والتقاليد الاجتماعية، اللغة وآدابها، النظم السياسية وا لقانونية، النظم الاقتصادية، العلوم والفنون. والحضارة بهذا المعنى تشتمل على جانبين لنشاط الإنسان: جانب روحى أو معنوى يعبر عن الشعور والوجدان كاللغة والقانون والدين والعادات والتقاليد وجانب مادى كالعلوم التطبيقية والعملية. والجانب المادى يسهل نقله من أمة إلى أخرى ومن حضارة إلى أخرى. أما الجانب المعنوى فهو الذى يميز الأمم عن بعضها لأنه خاص بكل أمة، والأمة التى تنقله عن غيرها تفقد ذاتيتها وتذوب فى الأمة التى نقلت عنها. خصائص الحضارة الإسلامية: ظهرت الحضارة الإسلامية بظهور الإسلام، واكتملت معالمها بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فى القرن الثانى الهجرى واندماج الشعوب فى بعضها فى ظل الدولة الإسلامية. وظل المسلمون يعيشون فى ظل هذه الحضارة منذ ذلك الحين حتى الآن. كما ظلت تجمع بين المسلمين رغم ما ظهر من خلافات سياسية بينهم أدت إلى تفكك الدولة الإسلامية وتسلط حكام من غير العرب على مصير الدولة الإسلامية. بل إن هؤلاء الحكام الأعاجم هم الذين دافعوا عنها فى مواجهة التتار والصليبيين. ولم تنل منها الاختلافات الدينية بين المسلمين وغير المسلمين لأن هؤلاء شاركوا فى صنعها جنبا إلى جنب مع المسلمين، كما أسهم فى إقامتها من يكتبون باللغة العربية أو بغيرها. وقد استطاعت هذه الحضارة أن تصمد فى مواجهة الغزو الحضارى الأوروبى إبان عصر الاحتلال الأوروبى فى القرن الماضى وبداية القرن الحالى رغم ما حل بها من ركود فى بعض عناصرها. وهذه الحضارة المشتركة بين أبناء الدول الإسلامية أطلق عليها الباحثون فى الشرق والغرب وصف الحضارة الإسلامية بالرغم من مشاركة غير المسلمين فيها لأنها تستمد فلسفتها من الكتاب والسنة. كما يطلقون عليها وصف الحضارة العربية لأن أكثر مما كتب فيها كان باللغة العربية وهاكم أهم خصائص هذه الحضارة: ا- حضارة إنسانية عالمية متجددة: تعتمد الحضارة الإسلامية بصفة أساسية على الفكر الإسلامى، المستمد من الكتاب والسنة ولكنها تميز بين العبادات والعقيدة من جانب وما عداها من نظم من جانب آخر، والجانب الأول يخص المسلمين وحدهم، أما الجانب الثانى فهو عام يشمل المسلمين وغير المسلمين. ومن هنا كانت حضارة إنسانية عالمية غير عنصرية وغير متعصبة فهى تخاطب البشر كافة وتسوى بينهم بصرف النظر عن دينهم ولغتهم وجنسهم مصداقا لقوله تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (2). وهى حضارة تقوم على التسامح الدينى. فسبحانه وتعالى يقول: ( لا إكراه فى الدين) (3). وهى حضارة متجددة لأنها تفتح باب الاجتهاد- فيما لم يرد فيه نص قطعى وتحض على طلب العلم والتأمل فى أمور الكون ولذلك كان للأبحاث العلمية الإسلامية دور مشهود فى بناء صرح الحضارة العالمية الحديثة. 2- قيام نظام الحكم على الشورى والمساواة وكفالة الحريات السياسية: تميزت الحضارة الإسلامية عما عاصرها وما تلاها من حضارات حتى القرن الثامن عشر بإقامة نظام الحكم على أساس الشورى. ولم يضع الكتاب ولا السنة أحكاما تفصيلية لنظام الشورى واكتفيا بصياغة المبدأ العام وتركا التفصيلات لظروف المجتمع. وتقتضى الشورى حسبما جرى عليه التطبيق العملى فى صدر الإسلام أن شغل منصب الخلافة يكون بالانتخاب وأن يشترك ذو الرأى مع ولى الأمر فى اتخاذ القرارات الهامة مما يحول دون الاستبداد بالرأى، وكفالة الحريات السياسية للمواطنين، ومحاسبة الحاكم وعزله. وقد اختلف الرأى بين الفقهاء حول حكم الشورى فذهب فريق منهم إلى أنها واجبة وذهب آخرون إلى أنها مندوبة. واختلف الفريق الأول حول أثرها فمنهم من يرى إلزام ولى الأمر بما انتهت إليه المشاورة ويجعل من مخالفته سببا من أسباب عزله، ومنهم من يرى غير ذلك. ويبين من ذلك أن نظام الشورى شبيه بالنظم الديمقراطية الحديثة. وهو يتسع لكل صور الحكم المعروفة الآن طالما أنها تبتعد عن الاستبداد بالرأى وعدم التمييز بين الناس وكفالة الحريات السياسية. فهى تتسع للنظم الملكية الدستورية والنظم الجمهورية، ويجوز أن يكون نظام الحكم برلمانيا أو رئاسيا أو مختلطا كما تتسع لنظم الدولة البسيطة ونظم الدولة المركبة فيدرالية كانت أم كونفدرالية. ومبدأ المساواة أصل عام من أصول الحكم فى الإسلام، ويعبرون عنه بتعبير العدل. والأمر بالعدل والنهى عن الظلم وردت فيه آيات قرآنية كثيرة وأحاديث نبوية متعددة. ومن أهم تطبيقات العدل الخطاب الموجه إلى أولياء الأمر فى قوله تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) (4). والحكم بالعدل واجب حتى بالنسبة للأعداء والخصوم لقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) (5). ومن تطبيقات العدل بمعنى المساواة الحديث الشريف الذى يقول: ( إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذى نفس محمد بيده ، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ). ومن تطبيقات العدل ضرورة المساواة بين المسلمين وغير المسلمين وصاغوا هذه المساواة فى المبدأ الآتى: ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا) (6). فى جميع الحقوق والواجبات والحريات السياسية كفلها الإسلام للناس كافة، والشواهد التاريخية تقطع بذلك ومنها ما قاله الخليفة عمر " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ". وكذلك الحال فى شأن حرية العقيدة بقوله تعالى: ( لا إكراه في الدين ) (7). وتكمل حرية العقيدة حرية إقامة الشعائر الدينية (8). بل أن التسامح الدينى وصل مداه فى تقرير حق أهل الكتاب فى اتباع ما ورد فى دينهم من أحكام لصيقة بالدين، مثل الأحوال الشخصية، ولو كانت مخالفة للشريعة الإسلامية. 3- الحضارة الإسلامية تتضمن تنظيما شاملا لأمور الدين والدنيا: تختلف الحضارة الإسلامية عما عاصرها وتلاها من حضارات فى أنها تنظم كل جوانب النشاط الإنسانى فى الدنيا سواء فى ذلك النشاط السياسى أم الاجتماعى أم الاقتصادى أم القانونى فضلا عن تنظيم الأمور الدينية والأخلاقية، وهى بذلك تختلف عن المسيحية التى فصلت بين الدين وناطت به الكنيسة، عن الشئون الدنيوية وناطت بها الدولة. أما فى الإسلام فإنه يكاد يكون مستحيلا أن نفصل بين الجانب الدينى والجانب الدنيوى فى أى تنظيم من التنظيمات التى تضمنتها الحضارة الإسلامية. ولذلك يعتبر الدين وما ينظمه من قيم روحية وأخلاقية، دعامة أساسية من دعامات المجتمع الإسلامى وأداة فعالة فى تحقيق الانسجام الاجتماعى وركيزة أساسية للتضامن الاجتماعى. ومن هنا لا تترك الحضارة الإسلامية رعاية شئون الدين لضمير الفرد بعيدا عن الدولة- كما تذهب المذاهب العلمانية- ولا تنكره على خلاف المذهب الشيوعى الذى يصفه بأنه أفيون الشعوب. بل إن مسئولية حفظ الدين ورعايته تقع على عاتق الدولة. والجمع بين الدين والدولة يرجع إلى الغاية المثالية التى يستهدفها الإسلام، فهو يتوخى تربية إنسان سوى الطبيعة تتوازن داخله كل نوازع النفس البشرية ويلزمه بأن يراعى فى سلوكه مصلحته الذاتية ومصلحة الجماعة التى يعيش معها. وبذلك تقوم الحضارة الإسلامية على تحقيق التوازن بين الجانبين المادى والروحى فى حياة الإنسان وفى تنظيم علاقته بالغير مصداقا لقوله تعالى ( وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين ) (9). واستكمالا لهذا المبدأ تدعو الحضارة الإسلامية إلى إقامة تكامل بين الحياة الدنيا والآخرة فسلوك الإنسان فى الدنيا هو الطريق إلى نعيم الآخرة أو عذابها، وفى ذلك يقول سبحانه وتعالى: ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) (10). وبهذه الصورة يجتمع للفعل الواحد جزاءان: جزاء دنيوى توقعه السلطة العامة، وجزاء أخروى. ولذلك نظم الإسلام كل قواعد السلوك الإنسانى: قانونى، دينى، أخلاقى. والحضارة الإسلامية تجمع بين العلم والإيمان فى وحدة متناسقة. فالعلم ليس خادما مطيعا للإيمان كما كان الحال فى العصور الوسطى فى أوروبا، كما أن الدين ليس عدوا مبينا للعلم حسبما ينادى المذهب الشيوعى. فالأحاديث النبوية تجعل من طلب العلم فريضة، والآيات القرآنية تدعو الإنسان إلى اكتشاف أسرار الكون بالدرس والملاحظة والتفكير. ومن هنا كان الاجتهاد وحرية التفكير أصلا من أصول الحضارة الإسلامية، فيما يقبل الاجتهاد لملاحقة التطورات الاجتماعية والعلمية والاقتصادية. وهو ما عبر عنه الرسول الكريم بقوله: " إن الله يبعث من هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ". ولكل ما تقدم كان حفظ الدين ورعايته من أهم واجبات الدولة فى المجتمع الإسلامى. 4 – تقوم على التكافل الإجتماعى تستهدف الحضارة الإسلامية إقامة مجتمع يوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، وتقيم هذا التوازن على أساس التآخى والمحبة والتراحم وهو ما نعبر عنه الآن بالسلام الاجتماعى أو التكافل الاجتماعى. والقرآن الكريم قاطع فى هذا الشأن. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) (11)، وقوله تعالى: ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم 000) (12). ولذلك تتشابه الحضارة الإسلامية مع بعض الحضارات المعاصرة المعروفة باسم الاشتراكية الديمقراطية السائدة فى اسكندنافيا والطريق الثالث الذى بدأ يروج له ساسة العالم المتقدم لتفادى النتائج السلبية للعولمة التى تقوم على الأنانية المفرطة وحب الذات ولتفادى الحقد الطبقى والكراهية التى يقوم عليها المذهب الشيوعى. وهذا التآخى والتراحم ليس مجرد شعار بل هو نظام قانونى يحكم العلاقات بين الناس دونما تمييز بينهم. وأية ذلك تحريم كل ما من شأنه أن يكون مصدرا للحقد والضغينة والاستغلال مثل الخمر والميسر والزنا وعقود الغرر والربا والاحتكار. وتضع الحضارة الإسلامية ضوابط محكمة لتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية وتجعل احترام هذه الضوابط من بين واجبات الدولة. فهى ليست دولة حارسة- كما هو الحال فى الحضارة الغربية- تقتصر وظيفتها على حفظ الأمن فى الداخل والدفاع عن البلاد وإقامة القضاء للفصل فى الخصومات كما أنها ليست دولة متدخلة فى كل صغيرة وكبيرة فى النشاط الإنسانى- كما ينادى المذهب الشيوعى وبعض صور المذاهب الاشتراكية- فالدولة فى الإسلام دولة راشدة تقوم بوظيفة اجتماعية بجانب وظائفها الأخرى مصداقا لقوله تعالى: ( الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر..) (13). فهى تحترم حقوق الأفراد طالما يمارسها صاحبها فى حدود وظيفتها الاجتماعية. فالعمل حق وعلى صاحبه أن يمارسه فيما لا يضر الجماعة، والملكية حق له حرمته طالما اكتسبها صاحبها بطريق مشروع مصداقا لقوله تعالى: ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.. ) (14). أما إن اكتسبها بطريق خبيث تجردت من كل حماية. وعلى المالك أن يمارس حقه فيما لا يضر الجماعة وأن يحسن الانتفاع به ليستغله فيما يعود عليه وعلى الجماعة بالنفع إعمالا لما قررته الآية الكريمة (... والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) (15). ولا تكتف الحضارة الإسلامية بالاعتراف للأفراد بالحقوق وتقييدها لصالح الجماعة بل تضع على عاتق الدولة التزاما بتوفير الحاجات الأساسية للمواطنين وإجراء الأرزاق على المحتاجين وتوفير فرص العمل المناسب للقادرين عليه، وهذا المعنى عبر عنه الرسول صلوات الله عليه بقوله ( من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا فإلينا وعلينا ). وحتى تستطيع الدولة القيام بوظيفتها الاجتماعية أباح لها الفقهاء التدخل فى النشاط الاقتصادى بقدر تحقيق التوازن بين صالح الفرد وصالح الجماعة. فالأصل أن لا تتدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى وتتركه للأفراد إلا إذا اقتضى الأمر تحقيق التوازن بين صالح الفرد وصالح الجماعة فإن تدخلها واجب فى هذه الحالة وقد عبر مجمع البحوث الإسلامية عام 962 1م عن ذلك بالآتى: " إن استثمار المال الخاص وما يتبع فيه من الطرق حق خالص لصاحب المال، على أنه إذا سلك فى هذا مسلكا يؤدى إلى ضياع المصلحة العامة وجب على ولى الأمر أن يتدخل ليمنع الضرر العام وليصون المصلحة العامة بطريق لا عدوان فيه على الحق المشروع لصاحب المال " . قدرة الحضارة الإسلامية على معايشة الجانب الثقافى للعولمة يشكك البعض فى جدوى الاعتماد على قيم الحضارة الإسلامية فى تحقيق التقدم والرفاهية لأبنائها باعتبارها حضارة قديمة نشأت وترعرعت فى ظل أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية مغايرة للأوضاع المعاصرة التى ظهرت بعد الثورة الصناعية والثورة التكنولوجية. فكيف نلتمس سبل الإصلاح فى حضارة لا تحوى حلولا لمشاكل المجتمع الصناعى والتقدم التكنولوجى ؛ هذا التساؤل والتشكيك مردود بأن خصائص الحضارة الإسلامية التى سبق أن عرضناها تحتوى من الوسائل ما يسمح لها بتجديد نفسها بحيث تتلاءم مع تغير الزمان والمكان رغم ما اعتراها من وهن وتخلف فى جوانبها المادية. فمازالت جوانبها المعنوية حية وقادرة على تنظيم العلاقات الإنسانية بما يحقق السعادة للبشرية. فبالخبز وحده لا يحيا الإنسان. والفجوة التى ظهرت بينها وبين الحضارة المادية المعاصرة يمكن تداركها إذا ما تضافرت الجهود لأن هذا الضعف والتوقف عن النمو فى الجانب المادى للحضارة الإسلامية يصيب الحضارات الأصيلة فى بعض فترات تاريخها وفى بعض جوانبها فلا تلبث أن تجدد نفسها وتعاود تقدمها. وليس أدل على ذلك من أن هذه الحضارة ظلت صامدة فى وجه الحضارة الغربية إبان فترة الاحتلال التى دامت أكثر من قرن بالرغم مما أنفقته الدول المستعمرة من جهد ومال فى حمل العالم الإسلامى على انتحال المذاهب الفكرية الأوروبية ونبذ حضارتها الإسلامية، ولا يغير من الأمر شيئا تسرب بعض مظاهر الحضارة الغربية إلى الأمة الإسلامية فى المأكل والملبس والمشرب والمركب، كما تسربت إليها بعض القيم الغربية. فكل هذه المظاهر لم تمس أصول الحضارة الإسلامية فقد استطاعت الشعوب الإسلامية أن توفق بين الأصالة والمعاصرة وتنقل عن الحضارة الغربية ما يتفق مع أصول الحضارة الإسلامية وتنبذ ما عداها. يضاف إلى ذلك أن بعض النظم التى تتباهى بها الحضارة الغربية سبقتها إليها الحضارة الإسلامية وإن كان سوء تطبيقها قد ضيع بعض معالمها. وسنقتصر على ذكر بعض أمثلة للنظم الإسلامية ومقارنتها بما تنادى به العولمة فى جانبها الثقافى. وسنرى أن بعضها يستطيع أن يتعايش مع العولمة فى سهولة ويسر وبعضها الآخر يحتاج إلى جهد. أولا: نظم يسهل التوفيق بينها وبين العولمة 1 – نظام الحكم عرفت البلاد الإسلامية النظام الديمقراطى كأساس للحكم إبان فترة الاستعمار حسب الأنموذج الغربى، وما زال يطبق فيها بصور متباينة، كما عرفت الديمقراطية حسب الأنموذج الاشتراكى إبان المد الاشتراكى. ولا تعترف العولمة إلا بالأنموذج الغربى أى الديمقراطية الليبرالية. وواقع الأمر أنه لا يوجد اختلاف كبير بين هذه الديمقراطية ونظام الشورى الإسلامى فى صورته النقية فى عصر الراشدين وفى عصور ازدهار الحضارة الإسلامية وإن كان قد انتكس فى عصور الاستبداد. ولذلك تقبلت الأمة الإسلامية نظام الحكم الديمقراطى فى سهولة ويسر. فالشورى تتسع لكل صور الديمقراطية. يقوم النظام الغربى على المبدأ الديمقراطى الذى يرد السيادة للأمة، فهى صاحبة السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. والفكر الإسلامى لا يعرف هذه المصطلحات ولكنه يعرف شبيها بها هى فروض الكفاية ويردها إلى الأمة وينوب عنها فى ممارستها الخليفة وأعوانه من أصحاب الولايات. كما أن الفكر الإسلامى يقيد سلطات الدولة بما هو وارد فى الكتاب والسنة إذ التشريع لله وللرسول. وفى كلا النظامين تتميز شخصية الحاكم عن شخصية الأمة وتنفصل ذمته المالية عن ذمتها. وفى كلا النظامين يتم اختيار الحاكم بالانتخاب مع اختلاف طريقته فيهما. كما أن كلا النظامين يقر مبدأ مسئولية الحاكم ومحاسبته أمام الأمة. والنظام الغربى يقوم على الديمقراطية النيابية ويتشابه معه نظام الإنابة فى الفكر الإسلامى وفى كلا النظامين تقوم العلاقة بين الدولة والفرد على أساس عقد اجتماعى مع ملاحظة أنه عقد اجتماعى تصورى فى النظام الغربى بينما هو عقد حقيقى فى الفكر الإسلامى، عقد البيعة. والنظام الغربى يقوم على التعددية الحزبية وتداول السلطة، والفكر الإسلامى لا يرفض ذلك. ويختلف النظامان فى خصوص المقاصد والغايات. فالديمقراطية الغربية غايتها سعادة الفرد فى الحياة الدنيا ويترك الأمور الدينية للكنيسة كما يترك الجوانب الأخلاقية للفرد وضمير الجماعة. أما الفكر الإسلامى فمقاصد الشورى رعاية شئون الدين والدنيا معا ومن ثم لا يفصل الجانب الإيمانى والجانب الأخلاقى عن الجانب الدنيوى. وهذه إحدى خصائص الشورى الإسلامية ومن مزاياها. فالفكر الغربى يشكو الآن من طغيان المادة والأنانية وما يصاحبهما من خواء روحى وانحلال أخلاقى. وقد حاول البعض أن ينعت النظام الإسلامى بأنه حكم استبدادى دينى كهنوتى (تيوقراطى) ومقارنته بما كانت عليه أوروبا فى العصور الوسطى، وهو قول ينافى الحقيقة إذ لا كهنوت فى الإسلام ولا إكراه فى الدين. ولغير المسلمين ذات الحقوق التى يتمتع بها المسلمون ولا يلتزمون بواجبات أكثر منهم، ولا يجوز الحكم على النظام الإسلامى بتطبيقه الفاسد من جانب بعض الحكام فى بعض العصور "، فهذه التجاوزات تحدث فى أى- حضارة قديمة أو حديثة، وما يجرى فى يوجوسلافيا الآن وما طبق فى أوروبا من نظم فاشية أو نازية هو خير شاهد على ذلك. 2- الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية: تعتبر الشريعة الإسلامية من أبرز خصوصيات الثقافة الإسلامية. فكيف يمكن استمرار الالتزام بها فى ظل العولمة التى تحاول صياغة موحدة للقوانين فى سائر أنحاء العالم وفقا للأنموذج الغربى، سواء فى ذلك الأنموذج الأنجلوسكسونى أو الأنموذج اللاتينى المأخوذ عن القانون الرومانى والسائد فى أوروبا الغربية. وتزيد أهمية التساؤل فى أن الشعوب الإسلامية، بعد أن تخلصت من الاستعمار الأوروبى ، وضعت فى دساتيرها نصا يجعل من مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع ومن ثم يتعين على المشرع أن يعتمد عليها فيما يصدره من تشريعات، فإن لم يجد فيها بغيته لجأ إلى غيرها بشرط ألا تتعارض مع الروح العامة للشريعة. وقد لجأت الهيئات الدولية إلى صياغة نماذج عقود ونظم لتنظيم حركة التجارة الدولية وتبادل الخدمات وحماية الملكية الفكرية. وبعض هذه النماذج تضمنته اتفاقات دوليه لها صفة الإلتزام بالنسبة للدول الموقعة عليها مثل اتفاقية "الجات "، وبعضها الآخر يأخذ شكل توصيات ليست لها- قوة الزامية- ثانونية ولكنها تتمتع بقوة إلزام أدبية تدعو الدول إلى السير على نهجها "مثل مواثيق حقوق الإنسان. ويضاف إلى ذلك انتشار ظاهرة التحكيم فى العلاقات الدولية بين الأفراد مما يضع الشريعة فى موضع تنافس مع القوانين الغربية. كما يضع نظم التقاضى فى البلاد الإسلامية فى موضع التنافس مع نظيرتها الأجنبية. وواقع الأمر أن مصادر الشريعة الإسلامية وطرق تفسيرها ومنهاج بحثها ومقاصد التشريع فيها تختلف عن نظيرتها فى القوانين الغربية الأمر الذى أدى إلى اختلاف بعض القواعد القانونية وخاصة فى مجال الأسرة والأحوال الشخصية بصفة عامة. ومن المعروف أن الشريعة الإسلامية تتضمن نوعين من القواعد القانونية. قواعد. قطعية وردت فى الكتاب والسنة، فهى مؤبدة ولا سبيل إلى تغييرها، مثل نظم المواريث، وهى قليلة العدد. أما الكثرة الساحقه من القواعد فهى وليدة اجتهاد فقهى يعتمد على الأدلة الشرعية ومن ثم تخضع لمبدأ تغير الأحكام بتغير الزمان. ويقوم كل من العرف والمصلحة بدور أساسى فى تغييرها تبعا لتغير ظروف المجتمع. ونتيجة لذلك لا يوجد تعارض جذرى بين هذه الأحكام الاجتهادية وما يناظرها فى الشرائع الغربية وينحصر الاختلاف فى الصياغة الفنية والصنعة الفقهية، فلكل قانون صنعته. وقد تعودت البلاد الإسلامية على تطبيق القوانين الغربية، فى غير الأحوال الشخصية ، لأنها تتلاقى فى المضمون مع الشريعة الإسلامية، ولذلك لا توجد صعوبة فى تخريج القواعد القانونية التى تحكم التجارة الدولية وغيرها على أصول الشريعة الإسلامية. وتظهر الصعوبة فى مجال الأحوال الشخصية إذ يستحيل التوفيق بينها وبين القوانين الغربية. فالشريعة تسلم بمبدأ تعدد الزوجات والقوانين الغربية تنكره ولكنها تسلم بنظام التسرى. يلتزم الزوج بدفع مهر لزوجته وهو حق لها والقوانين الغربية تنكر ذلك وتأخذ بنظام الدوطة التى تدفعها الزوجة أو نظام المشاركة فى الأموال. المرأة المسلمة لها نصف نصيب الرجل فى الميراث ويقابل ذلك الزام الرجل بالإنفاق عليها. أما القوانين الغربية فإنها تسوى بينهما فى الميراث وتلزم المرأة بالإنفاق على نفسها من مالها أو عملها كما تلزمها بمقاسمة الزوج فى تحمل تكاليف المعيشة الزوجية. الحق فى الطلاق ينفرد به الرجل فى الشريعة الإسلامية ويقابله حق الزوجة فى أن تكون عصمتها فى يدها أو فى الطلاق بالخلع أو التطليق للضرر، أما فى القوانين الغربية فإن الطلاق حق مشترك بين الزوجين. تأخذ القوانين الغربية بنظام التبنى وتصحيح النسب بالزواج اللاحق وكلاهما تنكره الشريعة. تبيح القوانين الغربية الزواج بين زوجين مختلفى الديانة، خلافا لما تقضى به المسيحية. أما الشريعة فتسمح بالزواج من الكتابيات وتنكر زواج المسلمة من غير المسلم. وهذه النظم وأمثالها تعتبر من الخصوصيات الثقافية للأمة مثلها فى ذلك مثل اللغة. وقد دافعت كثير من الدول وعلى رأسها الدول الإسلامية وبعض الدول الغربية مثل فرنسا، عن حق كل أمة فى الاحتفاظ بخصوصيتها الثقافية فى ظل العولمة. ويجب ألا يغيب عن بالنا أن بعض مظاهر العلاقات الجنسية الغربية بدأت تتسرب إلى المجتمعات الإسلامية. فالقوانين الغربية تبيح العلاقات الجنسية بين اثنين من جنس واحد كما تبيحها بين الرجل والمرأة طالما أن أحدهما ليس متزوجا باسم حرية المرأة فى جسدها ولكن الشريعة تعتبر ذلك زنا محرما. ومثل هذه العلاقات بدأت تتسرب إلينا تحت مسميات مختلفة منها الزواج العرفى. وقد بدأت المجتمعات الإسلامية تتنبه إلى ذلك وتعمل جاهدة على محاربة هذه الأوضاع. وحفاظا على الشريعة الإسلامية يتعين علينا مضاعفة الجهود حتى نردها إلى ربيع عمرها. وهذا يقتضينا أن نحدد جهة أو أكثر تختص دون غيرها بإبداء الرأى فيما يعرض من قضايا ومشاكل تتباين فيها وجهات النظر الشرعية لنتخذ منها ما يناسب ظروف العصر لمعالجة ما استجد فى المجتمع المعاصر من مشاكل وإيجاد حلول لها تتفق مع أحكام الشريعة مثل زرع الأعضاء البشرية أو نقلها والاستنساخ وتنظيم النسل وبعض صور المعاملات الحديثة ومنها أعمال البنوك وشهادات الاستثمار وبعض صور الشركات. عدم الاقتصار فى تدريس الشريعة فى الجامعات على إفراد مقررات لها بل يجب أن تدرس القوانين الوضعية دراسة مقارنة مع الشريعة حتى تستظهر أوجه الشبه والاختلاف. التنسيق بين جهود مراكز البحوث الفقهية الإسلامية المنتشرة فى العالم الإسلامى توفيرا للجهد وتوحيدا للحكم الشرعى. وبجانب كل ذلك يتعين علينا أن نهتم بدراسة السنة النبوية. فقد تم جمعها وتدوينها فى القرن الثالث الهجرى وبذلك أمكن تحديد الأحاديث الصحيحة باستعمال علم مصطلح الحديث. ونحن اليوم فى حاجة ماسة إلى تجميع الأحاديث التشريعية على وجه الاستقلال عن الأحاديث الجبلية . كما أننا فى حاجة ماسة إلى البحث فى بطون الكتب الفقهية المعتمدة لاستخراج وتجميع الأحاديث المتواترة على حدة، وهى ترقى إلى مرتبة الدليل القطعى، والأحاديث المشهورة على حدة، وهى أقرب إلى اليقين، وأحاديث الآحاد، وهى ظنية الثبوت، وبيان مدى اختلاف الفقهاء فى الاعتماد عليها. إن هذا العمل عمل فنى علمى دقيق لا يستطيع القيام به إلا المتخصصون ولعل مجامع البحوث الإسلامية تولى هذا الموضوع العناية اللازمة حتى تضع حدا للبلبلة التى تسود المجتمعات الإسلامية الآن حيث يتصدى للفتيا من هم ليسوا أهلا لها. 3- حقوق الإنسان: كرم الإسلام الإنسان وسخر له كل ما فى الكون ودعاه إلى تعمير الأرض وحثه على التفكير فيما حوله من ظواهر الطبيعة. وقد فصلت الحضارة الإسلامية السبل والنظم التى تنظم السلوك البشرى فى الحياة الدنيا وما ينتظره من ثواب أو عقاب فى الآخرة، سواء فى ذلك علاقة الفرد بغيره داخل المجتمع الذى يعيش فيه أم علاقته بالدولة. وتتباهى الحضارة الغربية بأنها قررت للإنسان مجموعة من الحقوق لا يجوز المساس بها ولا الاعتداء عليها ضمنتها كثيرا من الوثائق الوطنية أو الدولية، ومنها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم عام 948 1م، وقامت عدة جمعيات وطنية أو دولية أو منبثقة عن المنظمات الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان. وواقع الأمر أن هذه الحقوق لم تظهر فى الحضارة الغربية إلا منذ قيام الثورة الفرنسية. أما الحضارة الإسلامية فقد أقرتها قبل ذلك بقرون عديدة فى الكتاب والسنة وتناولها العلماء بالشرح والتفصيل وجرى تطبيقها على خير وجه فى صدر الإسلام وفى عصور ازدهار الحضارة الإسلامية وإن كان أصابها الانتكاس فى عهود الاستبداد. ولذلك لا يجوز الحكم على الحضارة الإسلامية فى ضوء صور التخلف والاستبداد. وتتلاقى أصول الحضارة الإسلامية مع الحضارة الغربية فى خصوص المبادئ والنظم التى تحكم حقوق الإنسان وإن اختلفت معها فى بعض الجزئيات أو التفصيلات. فالحضارة الإسلامية تكفل للإنسان سائر الحريات والحقوق والواجبات العامة، كما أنها تكفل له سائر الحقوق المدنية سواء فى المعاملات مثل حق الملكية وحق العمل..... إلخ ، أو فى مجال الأسرة مثل الزواج والطلاق..... إلخ. وتضع العقوبات المناسبة ضد كل من يعتدى عليها كما سبق أن أوضحنا عند الكلام عن خصائص الحضارة الإسلامية. وقامت بعض جمعيات حقوق الإنسان برصد ممارسات الدول المختلفة لحقوق الإنسان فى المجال السياسى وتضمنت تقارير بعض هذه الجمعيات مخالفات لحقوق الإنسان فى بعض الدول الإسلامية تلقفها أعداء الحضارة الإسلامية واتخذوها أساسا للحكم على الإسلام وعلى الحضارة الإسلامية ووصفوها بأنها حضارة إرهابية تقوم على التمييز العنصرى والاضطهاد الدينى فضلا عن أنها لا تحترم الحريات بصفة عامة وتضع المرأة فى مركز أدنى من الرجل، واعتمادا على هذه الاستنتاجات تسمح الدول الغربية لنفسها بالتدخل فى شئون الدول الإسلامية، ونحن لا ننكر حدوث بعض التجاوزات من بعض نظم الحكم فى العالم الإسلامى فى الماضى وفى الوقت الحاضر، ولكنها حالات شاذة لا يجوز تعميمها ووصم الحضارة الإسلامية بها. والمقام لا يسمح باستعراض هذه الاتهامات والرد عليها. وسنكتقى بذكر بعض الأمثلة مستمدة من أصول الحضارة الإسلامية: أ- المساواة بين المسلمين وغير المسلمين: هذا المبدأ من أصول الحضارة الإسلامية. فهى تسوى بين المسلمين وغير المسلمين فى سائر الحقوق والواجبات إعمالا للمبدأ العام " لهم ما لنا وعليهم ما علينا ". فلهم حق التملك وحق التنقل وحق الهجرة، ولا يوصد دونهم باب من أبواب العمل السياسى أو المدنى فلهم حق الترشيح وحق الانتخاب وحق تولى الوظائف العامة والوظائف السياسية مثل الوزارة. ولهم أيضا حرية العقيدة إعمالا لقوله تعالى: ( لا إكراه كل الدين ) (16) والشريعة الإسلامية هى أول قانون يسوى بين جميع أهل الكتاب، خلافا لما كان عليه فى الحضارة الغربية التي لم تقر بهذه المساواة إلا بعد الثورة الفرنسية ومازال تطبيقه يتعثر في بعض البلاد الأوروبية، ومن ناحية ثانية لا يحملون بأعباء أو تكاليف تزيد عما يتحمله المسلمون. فالحضارة الإسلامية تقوم على التسامح الدينى مع أهل الكتاب. ويثور جدل بين الفقهاء حول جواز قبول شهادة غير المسلم على المسلم، وبالتبعية لذلك هل يجوز قبول قضاء غير المسلم بين المسلمين إعمالا لمبدأ " القضاء بالشهادة ". والدول الإسلامية المعاصرة تأخذ بالرأى الذى يجيز شهادة غير المسلم على المسلم وقضاء القاضى غير المسلم فى المنازعات ولو كان أحد أطرافها مسلما فى غير مسائل الأحوال الشخصية. ب- المساواة بين المرأة والرجل: من الأصول المسلمة فى الإسلام مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة باستثناء الأحكام التى تتنافى مع الطبيعة الفسيولوجية للمرأة وتكوينها الجسمانى أو التزاماتها الأسرية، وهذا المبدأ تقرره الآية الكريمة: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله....) (17). وأكده الحديث الشريف ( النساء شقائق الرجال ). ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأسس التى تقوم عليها الحضارة الإسلامية، ومن مظاهره تمتع المرأة بكل الحقوق المدنية والحقوق السياسية. ولا يوجد نص قطعى يحول دون مساواة المرأة بالرجل فى كل الحقوق والواجبات. ولذلك رفع الإسلام قدر المرأة بالمقارنة بحالها فى الجاهلية كما أنها تميزت على زميلتها الغربية. فكثير من الشرائع الغربية تسلم بأهليتها لممارسة الحقوق السياسية ولكنها مازالت تقيد أهليتها المدنية فى إبرام التصرفات القانونية. والمرأة الفرنسية لم تتمتع بها إلا منذ الحرب العالمية الثانية وما ظهر من قيود على حقوق المرأة المسلمة لم يكن مصدره أحكام الشريعة بل التقاليد الاجتماعية التى وفدت على الحضارة الإسلامية إبان ضعفها. ويثور جدل حول مدى ما تتمتع به المرأة من حقوق سياسية والحق فى الشهادة. والسوابق التاريخية فى صدر الإسلام تدل على حق المرأة فى ممارسة شئون الحياة العامة مثل حرية التعبير عن الرأى والمشاركة فى البيعة. فقد أخذ الرسول عليه الصلاة والسلام البيعة من النساء على وجه الاستقلال كما أخبر القرآن الكريم: ( يا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك فى معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ) (18). كما أن حق التعبير عن الرأى مكفول للمرأة، مثلها فى ذلك مثل الرجل، بما فيها معارضة رأى الخليفة كما حدث حينما عارضت امرأة رأى الخليفة عمر الذى أراد الحد من المغالاة فى المهور واحتجت المرأة بقوله تعالى: ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا " (19). ونزل عمر على رأيها، وموقف السيدة عائشة فى إظهار عدم رضاها عن تصرفات الخليفة عثمان ومحاربتها للإمام على معروف للجميع. واعتمادا على الأصل القرآنى والسوابق أباح فريق من العلماء للمرأة حق الانتخاب وحق الترشيح للمجالس النيابية وحق تولى وزارة التنفيذ. وهو ما يجرى عليه العمل فى البلاد الإسلامية الآن. ولم يعد أحد يمانع الآن فى جواز خروج المرأة للعمل بما لا يتعارض مع واجباتها تجاه أسرتها، وكذلك الحال فى خروجها للجهاد تأسيا بالسوابق التاريخية. ويثور جدل أخر حول حق المرأة فى أن تكون شاهدا على عقد أو تصرف قانونى. ويجرى العمل فى أكثر البلاد الإسلامية على جواز ذلك فى الأمور التى لا تطلع عليها سوى النساء. وفى الأمور الأخرى اعتمادا على تفسير الآية القرآنية: (..... واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى 0000) (20). وقالوا بأن اشتراط شهادة امرأتين بجانب الرجل جاء للندب والإرشاد. وقد امتد الجدل إلى حق المرأة فى تولى القضاء إعمالا لقاعدة " القضاء بالشهادة " فذهب الجمهور إلى منعها من ذلك وأباحه الحنفية فى الأموال فقط وأطلقه أهل الظاهر فأباحوا لها ولاية القضاء عموما، ولذلك تباين مسلك البلاد الإسلامية فى هذا الخصوص تبعا لظروف كل بلد. جـ – تقييد الحريات والحقوق العامة: تتهم جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان بعض الدول الإسلامية بتقييد الحريات والحقوق العامة تحت ستار قانون الطوارئ أو لحماية المصلحة العامة أو غير ذلك من الأسباب كما تتهمها بأنها تشجع الإرهاب وتسمح بالاستيلاء على السلطة بالقوة مما يجعل من الديمقراطية شعارا خاليا من المضمون. والواقع أن كثيرا من هذه الأمور تسرب إلينا عن طريق القوانين الغربية التى طبقها الاستعمار وبعضها الآخر ظهر إبان المد الاشتراكى فى أعقاب الثورات والانقلابات العسكرية فى بعض البلاد الإسلامية. وبعض هذه القوانين مازال ساريا، وهو ما يتناقض مع أصول الحضارة الإسلامية وتطبيقاتها فى صدر الإسلام وفى عصور ازدهار الحضارة الإسلامية كما يتناقض مع الديمقراطية الغربية السائدة فى ظل العولمة. إن جمهور الفقهاء يرفض مبدأ تغيير نظام الحكم بالقوة الذى نادت به فئة شاذة من المفكرين بعد الفتنة الكبرى. كما يرفضون حق الأفراد فى تغيير المنكر بالقوة ويجعلون ذلك الواجب من اختصاص السلطة العامة، وأنشأت الحضارة الإسلامية نظاما لذلك هو ما يعرف بالاحتساب ويشرف عليه المحتسب. إن الفكر الإسلامى يعتبر



ساحة النقاش