مجلة موسيقى الشعر العربى للشاعر/أحمد الشبراوى محمد

مقطع الزّاغ ...

 

                 قصة : مصطفى الحاج حسين .

 

        كان " سامح " يتقدمنا بعدة أمتار ، حين بدأنا ندخل متسللين إلى" مقطع الزَّاغ " ،

ومنذ أن خطونا إليه ، تسرّبت إلى أجسادنا

برودة عفنة ، فشعرنا بالرّاحة والنّشوة ، لأنّ حرارة الجّو في الخارج كانت خانقة .

       اجتزنا الطّريق الضّيقة المتعرّجة مبتهجينَ ، ولكنّ إحساساً داخلياً بالانقباضِ والوحشةِ أخذ يراودنا .

       قبعت الظّلمة في المكان ، غير أنّ الجّدران الحوّارية البيضاء خفّفت منها فبدا 

المكان أشبه بكهفٍ مسحور .

صاح  'عثمان " :

- انتبهوا من الجنّ والعفاريت .

وتردّد صوته مختلطاً بقهقهات"سعيد الجّدع"

، الذي ظهر من خلال ضحكته شيء غير طبيعي ، يشير إلى خوفه وفزعه . وعندما سكتت الجّدران عن ترديد صدى الضّحكة ..

قال :

- أنا لا أخاف منها .. ففي رقبتي سلسال مكتوب عليه (( الله - محمد ))  وهو يحميني من الشّياطين .

قلتُ معلقاً على كلامه ، وقد أخذ الممرّ الضّيق بالاتّساع والعتمة تتضاعف ، بينما الانحدار نحو الدّاخل يزداد حدّة :

- لكنّ سلسالكَ هذا لا يحميكَ من أرواح الأموات المنتشرة قبورهم على سفح الجّبل.

صرخ "عمر" وكان يمشي خلفنا :

- ياأولاد الحرام ، اتركونا من سيرة الأموات والجّن وإلّا سأرجع إلى الحارة .

       البرودة تزداد قوّة وحلكة كلّما توغّلنا ،

لدرجة أنّنا شعرنا بقشعريرة البرد تسري في

عروقنا ، بينما كان الماء ينزُّ من السّقوف والجّدران مخرجاً خريراً منبعثاً من الأعماق 

يتناهى إلى أسماعنا .

صاح "سامح" أبن عمّي فجأة ، بصوت مليءٍ بالدّهشة والفرح : 

- يا جماعة .. أشمُّ رائحة نار .

فأسرعنا نهبط فرحين ، وحقيبة" سامح " المدّرسية كانت تتأرجح خلف ظهري ، فقد

كنتُ أحبّ دائماً حملها معي ، ليظنّ من يراني بأنّي طالب مدرسة .

زعق "عثمان" :

- رائع عندي سيكارتان " ناعورة " ولا أملك

شعلة .

       وصلنا إلى ساحة مترامية الأطراف ، يبدو أنّها في القاع تماماً . فسرقت عيوننا نار متأججة يتحلّق حولها ثلاثة شبّان . إلى

جوارهم تناثرت زجاجات العرق .

       انكمشنا في أماكننا جامدين ، بينما تتفرسنا أنظار الشّباب بدهشة وبهجة واضحتين .

قال أحدهم ، وكان يدعى" جمعة زقّان " ، بصوت خرجت بحة المشروب معه :

- تفضلوا ياحلوين .. تعالوا .. لا تخافوا ، لا

يوجد بيننا غريب .. كلنا أولاد حارة .

       بقينا على وقفتنا خائفين ، ودقات قلوبنا تطرق صاخبة عنيفة .. إنّ " جمعة زقّان " هذا نعرفه تماماً ، ونعرف شلّته أيضاً

، فكلهم مجرمون ، يغتصبون الأولاد . وكثيراً

ما حذرني والدي منهم  .

صاح الثاني ، واسمه " حمّود النّازل " ، وهو ذو يد مقطوعة :

- تعالوا .. دخنوا واشربوا العرق . وكرع جرعة من زجاجته ، ثمّ أردف قائلاً :

- "تقبروني ما أحلاكم " .

صرخ الثّالث ، وكان يدعى " لطوف النّابح "

، وكان له صوت يشبه نباح كلب ، يخرج من

تحت شفته المشرومة :

- هربتم من المدرسة يا عكاريت ، جئتم وألله

بعثكم لنا ، الحرارة متوتّرة معنا .

قال ذلك ونهض نحونا . صرخ أحدنا بفزع :

- اهربوا .. اهربوا قبل أن يمسكوا بنا .

       انطلقنا راكضين صوب الخلف ، كان الانحدار صعباً هذه المرّة ، وليس من صالحنا

، وبدأت أقدامهم بدبيبها المرعب تضطرب خلفنا ، ونحن نلهث مذعورين، قلوبنا ترتجف

بشدّة لم نعهدها ، وأنفاسنا تضيق حتى كأنها

سوف تتفجر ، والحقائب خلف ظهورنا تزيد

من توترنا وخوفنا بتأرجحها ، مما جعلني أندم على حملها في هذه المرّة ، وخطر لي أن أرميها لإبن عمّي " سامح " ، لكن لا مجال الآن ، ونحن نهرب مذعورين .

       انبعثت صرخة ذعر حارقة من خلفي . لقد سقط " سامح ' ابن عمي في أيديهم ، تفاقم الفزع فينا ، أسرعنا بكلّ ما نستطيع ،

صاعدين متوقعين أن تمتد يد غليظة الأصابع فتمسك بنا من ياقاتنا ، كنت الأخير

خلف رفاقي ، وكان صراخ " سامح " وعويله

المجنونان يدفعانني لبذل طاقتي النهائية في الصّعود .

       أخيراً وصلنا إلى فوهة " المقطع " ، استدرنا للخلف ، كانت أصوات الأقدام قد انقطعت ولم نر أحداً . لقد عادوا ليفترسوا 

" سامحاً " الذي لم نعد نسمع له أيّ صوت.

       توقفنا على مسافة غير بعيدة ، وصدورنا تعلو وتهبط مسرعة كخوفنا ، وأجسادنا مغسولة بعرقنا الحارق ، كصوت 

" سامح " حين أمسكوا به .

قال " عمر " يخاطبني بصوت متهدّج :

- " رضوان " .. عليك أن تخبر بيت عمّك حتى ينقذوا ابنهم .

قاطعه " عثمان " :

- ماذا ؟ .. إذا قمنا بتبليغهم يافهيم فسوف يعلم أهلنا بهربنا من المدرسة .

قلت وقد بدأ التّعب يزايلني :

- ليس أمامنا وسيلة لانقاذ " سامح " غير تبليغ عمّي ، وبسرعة قبل أن يقوموا باغتصابه .

ضحك " سعيد الجّدع " ( صياد الجرابيع )

وعلّق على كلامي :

- منذ اليوم صار لقب " سامح " ( مفعول به)

قهقه " عثمان " حتّى آلمته خاصرته ، وقال:

- لأوّل مرّة يهرب من المدرسة فيتعرّض للإغتصاب .. وتابع قهقهته .

صرخ " عمر " بانزعاج :

- أنتم حقراء .. أولاد كلب ، تضحكون بينما لا نعرف ماذا جرى " لسامح " .

       تخيّلت " جمعة زقّان " صاحب الرأس الكبيرة ، والأنف الممطوط ، وهو يشمّر " كلابيته " وينزّل " شرواله " واضعاً سكينه فوق عنق " سامح " ، بينما يحاول أفراد العصابة جاهدين تثبيت " سامح " .

- أنا ذاهب لإبلاغ " عمّي قدّور " .

قال " عمر " وهو يتبوّل من الرّعبة :

- اذهب بعجلة .. أمّا نحن فسنبقى هنا لنراقب الوضع ، فربما يأخذوا " سامحاً " إلى

مكان آخر .

       رميت حقيبة " سامح " من خلف ظهري

وانطلقت كالصاروخ ، منحدراً من قمة الجبل

نحو البلدة .

       في غمرة هذه الأحداث ، وهذا الانفعال،

كانت تداهمني موجات من الفرح ، فأنا لا أحبّ " سامحاً " منذ وعيت الدّنيا بسبب امتيازه عنّي بدخوله المدرسة .

       غير أنني سرعان ما كظمت فرحي هذا،

وعاودتني حالة الخوف والقلق ، " فسامح " 

ابن عمّي قبل أيّ شيء آخر ، وقد هرب من

المدرسة لأوّل مرّة لارضائي بعد أن هدّدته بالزّعل فوافق . ثمّ ماذا سيكون موقفي من

أبي وعمّي " قدّور " إن أعترف " سامح " بأنّي سبب هروبه من المدرسة ؟ .

       في الطّريق ، بينما كنت أركض بين الأزقة ، وعند المنعطف تماماً ، برز والدي " بشرواله " وسترته " الكاكية " المعهودة ، توقفت في مكاني ، تجمّدت أمام نظرته الصّارمة .

- هارب من الشّغل " يابندوق " ؟!.

       حافظت على صمتي المبدّد بلهاثي ، ماذا أقول ؟..هل أخبره بما يحدث " لسامح"

، لم أكن أتوقّع رؤيته ، فلم أرتّب كذبة في ذهني تنطلي عليه .. وتأكّدت أنّه ترك عمله ليبحث عنّي .

- عاقل باابن " القحبة " ، تتظاهر بالمسكنة ،

والله لأريك نجوم الظّهر .

     وهوت كفّه، ثقيلة خشنة ، صفعتني بقوة،

تطاير الشّرر من عينيّ ، ترنّحت ، سقطت ، ركلني ، جاءت ركلته على خاصرتي ، طارت

فردة " الصّرماية " الحمراء من قدمه ، نهضتُ ، فقذفني بها على رأسي .

- آخ يا " يوب " التّوبة . وحق المصحف ماعدت أهرب .

- امشِ إلى الدّار ياابن " الجحشة " بدّي ألعن

أبوك على أبو أمك .

       سبقته بعدّة خطوات ، خائفاً من ضربة

مفاجئة ، ولهذا كنت ألتفت خلفي لأتأكّد من

بعد المسافة عنه ، بينما أتنشّق مخاطي المختلط بالدّم المتدفق من أنفي .

       سبقني صراخي إلى الدّار ، ففتحت أختي" مريم " الباب ، واستقبلتني أمي بوجهها الشّاحب ، وعينيها الفزعتين ، فتعالى بكائي ،

وتضاعف تأوّهي :

- ياأمّي ... خاصرتي .

وقفت أمّي حائلاً بيني وبين أبي ، وقالت تسأله :

- خير إن شاء الله .. ماذا فعل " رضوان " 

حتى تعاقبه ؟.

وأتاها صوته ليرعب " مريم " وتنكمش على نفسها :

- ابن " الصّرماية " هرب من الشّغل . قال ذلك وهو بالكاد يلتقط أنفاسه.  

- يلعن " أبو الشغل " ستقتل الصبي ، الولد لا يحبّ صنعة العمارة .

صرخ أبي وقد زاده غضباً كلام أمي :

- كلامك هذا يشجّعه على الهرب ، عليَّ الحرام والطلاق بالثلاثة سأشتري له قيداً وجنزيراً .

توقفتُ عن البكاء برهة ، مددتُ رأسي من وراء أمي ، وقلت :

- أنا لا أريد أن أشتغل في العمارة . أرسلوني

لعند الخياط فلا أهرب .

هجم نحوي ، صوّب ركلة إلى مؤخرتي :

- عليّ الكفر لن أتركك تشتغل إلّا في العمارة ياكلب ، هذه صنعتي وستعمل بها .

ثمّ تابع قوله الصّارخ :

- تحرّك أمامي ألى الورشة .

صاحت أمي :

- ألا ترى دمه .. أتركه ليوم غد .

عدّل أبي " جمدانته " فوق رأسه وقال :

- أنا ذاهب للشغل ، وعندما أرجع سيكون لي

معك الحساب .

       سحبتني أمي من يدي ، أدخلتني الغرفة الشّمالية ، أخذت تمسح دموعي ومخاطي الدّامي .. وهي تقول:

- ألم أنصحكَ بعدم الهرب ؟.

صحتُ بصوتٍ مخنوقٍ :

- أنا لا أطيق العمل في العمارة .. لماذا لم تدخلوني المدرسة مثل " سامح " ؟ .

       لم أكد أذكر اسم " سامح " حتى قفزتُ من مكاني ، غير عابئ باندهاش أمي ونداءاتها هي وأختي " مريم " ، صرختُ وأنا

أجتاز عتبة الدّار :

- يجب أن أبلّغ عمّي " قدّور " لينقذ ابنه " سامح " .. لقد تأخرت .. لقد تأخرت .

 

                    مصطفى الحاج حسين .

                          حلب

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 27 مشاهدة
نشرت فى 11 إبريل 2017 بواسطة ah-shabrawy

أ/أحمد الشبراوى محمد

ah-shabrawy
نريد أن نرتقى بالشعر العربى وموسيقاه ونحمى لغتنا العربية من التردى فى متاهات عولمة اللغة تحياتي الشاعر والاديب / أ.أحمد الشبراوي »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

496,345