مجلة موسيقى الشعر العربى للشاعر/أحمد الشبراوى محمد

حفّار قبور ...

 

                  قصة : مصطفى الحاج حسين .

       في مقالٍ نقديّ للأستاذ النّاقد " حسني أبو خليل " نشره في مجلةِ " لسان الأدباء " ،

العدد / 513 / تاريخ / 1988 /8/15/ م .

تحت عنوان " خريف البيادر وتزييف المشاعر " . وتجدر الإشارة إلى أنّ " خريف

البيادر " هو عنوان مجموعة شعرية صدرت

لي منذ أيام قليلة ، عن دار " الصمت " للطباعة والنشر ، وهي المجموعة التّاسعة لي على ما أعتقد ، لأنّني بصراحةٍ لا أملكُ نسخة واحدة من مجموعاتي السّابقة ، فقد

نفدت كلّها من المكتبات .

  لعلكم اطلعتم على مقالة الأستاذ " حسني "

الذي راح من مطلعها ، يؤكد تزييف مشاعري

في جميع قصائد المجموعة الأخيرة ، ومجموعتي كما تعلمون ، تتألّف من خمسة

وأربعين قصيدة غزلية عذرية ، وهي مهداة

" إلى صاحبة أجمل خصر في هذا العصر ".

وهو في اتهامه لي بتزييف مشاعري ، يكون

قد حكم بالإعدام على قصائد مجموعتي ، التي أعتبرُها من أجمل مجموعاتي ، وأنتم

تعرفون الصداقة المتينة التي تربطني بالأستاذ " أبو خليل " ، ولا بدّ أنّكم اطّلعتم على دراساته القيّمة عن مجموعاتي الثّمانية

السّابقة ، وعلى كتابه النقديّ الرائع والشهير

الذي ألّفه عنّي ، تحت عنوان " أنور عبد العليم ، شاعر الجزالة العظيم " ، ولكي لا يقع

في التناقض ، حاول أن يبرّر امتداحاته وتعظيماته لي ، عن مجموعاتي السّابقة بقوله :

- " أنا مازلت مصرّاً على أنّ المجموعات السّابقة ، للشاعر / أنور عبد العليم / عظيمة

في صياغتها ونظمها ومشاعرها ، ولكنّي مندهش تماماً لهذا التراجع الكبير ، للشاعر

في مجموعته / خريف البيادر / ! ، فجميع

قصائد المجموعة ، لا ترتقي إلى مستوى الشعر ، وكم أنا آسف لأنّ صديقي الشاعر / أنور / قد أعلن افلاسه الشعريّ ، في وقت

نحن بحاجةٍ ماسّة إلى شعر عظيم / . " .

     ذلك مقتطف من مقالته المنشورة ، والتي

تنضح بالعداء من مطلعها حتى آخر مفردة فيها ، وأنا لا أستغرب أن يكتب الأستاذ "حسني"مثل هذه المقالة ، وبمثل هذا العداء

، لأنّي أعرف دوافعه الدنيئة ، وغير الإنسانية

لكتابته اللئيمة عنّي .

       ولكن مايحزّ في نفسي ، هو أنّكم أيّها القراء الأعزاء ، لا تعرفون الأسباب الكامنة وراء مهاجمة هذا الناقد ، الذي كنت أعدّه صديقاً عزيزاً ذات يوم . لذلك قررت أن أكتب هذه المقالة لا للردّ عليه ، فهو لم يعد

يعنيني على الإطلاق ، بل لأبرهن لكم بأنٌ هذا الناقد قد تجنّى على مجموعتي إلى درجة وحشيّة .

       في الأيام القليلة لقراءتي مقالته ، اعتقدت أن يحمل أحد النقاد النزيهين قلمه

ليصفعه بمقالة عظيمة تدافع عن مجموعتي

الأخيرة ، لذلك لم أكتب مباشرة ، وعندما يئستُ من الانتظار وأنا أهرع كلّ يوم إلى الجرائد والمجلات الصّادرة ، أتصفّحها بشغفٍ علّي أعثر على ما يشفي غليلي ، أدركت مدى جبن النقاد ، فهم لا يجرؤون على مهاجمة الناقد " حسني أبو خليل " لخوفهم من قلمه اللأخلاقي ، والذي لا يرحم

، حينها قررت أن أكتب بنفسي ، وأكشف لكم

عن الأسباب التي دعته لكتابة مقالته السّخيفة تلك .

       جميع قصائد المجموعة مهداة إلى حبيبتي " بيانكا " التي أحببتها منذ التقينا

أوّل مرّة ، ومنذ أن عرّفته إليها ، أي الأستاذ

" حسني " ، وجدته قد فتن بها وبمفاتنها السّاحرة الجمال ، كانت عيناه لا تفارقانها ،

من وراء نظارته ، طوال الجلسة .

       كانت عيناه تلتهمان عينيها الخضراوين،

ذاتَ الرّموش الملائكية ، وشعرها المسترسل،

والذي كان بتطاير مع أخفّ نسمة ، وفمها المتدفق الابتسامة . 

       أقول : 

- كاد يفترسها من رأسها الذي يشتهي المرء أن يضمّه إلى صدره حتّى قدميهاالعاجيتين

.. كنتُ أراقبه وأنا نادم لأنّي عرّفتهما إلى

بعض .. وأدركت أنّه سيحاول أخذها منّي ،

كما فعل منذ سنتين ، عندما طلب منّي أن 

أتخلّى له عن " نجاة " ، مقابل تأليفه للكتاب

النّقدي " أنور عبد العليم ، شاعر الجزالة العظيم " ، حينها وافقت لأنني لم أكن أحبّها

، بقدر حبّي " بيانكا " ، وأيضاً كنت بحاجة إلى مثل هذا الكتاب الهام عنّي ، إذ لم تكن

شهرتي كما الآن .

     عندما بدأ يحاول احراجي أمام " بيانكا "

أيقنت أنّه قرر أن يستأثر بها ، سألني بخبثه المعهود :

- أستاذ أنور .. أنت في جميع قصائدك ، تتغنّى بالسمراوات .. فكيف لك أن تحبّ فتاة شقراء وتتغزّل بها مثل " بيانكا " ؟!.

       اضطربت ابتسامتي على شفتيّ ، وأنا

أقول في داخلي :

- هل تريد احراجي ياوغد ؟!. قلت :

- الحبّ يصنع المعجزات ، وحبّي" لبيانكا" فاق جميع الألوان .

       تألّقت الابتسامة السّاحرة على شفة " بيانكا" القرمزيّة ، ولكنٌ " حسني" كان مصمماً على المتابعة :

- أنتَ كلّما أحببتَ واحدةً تقول مثل هذا الكلام ، وعندما تتركها تأخذُ بشتمها . رمقتني " بيانكا " بنظرة استنكار واستغراب.

وقالت :

- هل صحيح مايقوله الأستاذ "حسني "!؟.

- بيانكا .. لقد مررت بتجارب فاشلة .. هذا كلّ مافي الأمر .. ولكنّي أحبّكِ من كلّ قلبي.

دوت ضحكتهُ التي صارت مقيتةً لي منذ ذلك اليوم :

- " أنور " اطلع من تمثيل دور البراءة هذا !

أنتَ صديقي وأنا أعرفك جيداً .. زير نساء .

       لم أعد أتمالك ، وانفلتت أعصابي ، رغم

أنّي أعرف مسبقاً ، مدى حجم الخسارة ، إن

عاديته ، فهو الناقد الوحيد الذي يكتب عنّي:

- " حسني " لماذا تحاول أن تفتن بيني وبين حبيبتي " بيانكا " ؟!.

- لأنّي أريدك ألاّ تخدعها ... من الجريمة أن تدمر هذا الملاك الرائع ، مقابل متعتكَ الفارغة .

- ولكنّني أحبها " ياحسني " .. فلماذا تحكم عليّ بالكذب ؟! .

- لأنّي أعرفك حقّ المعرفة .

       صرخت بأعلى صوتي ، بينما كانت " بيانكا " مدهوشة من هذا الحوار :

- " حسني" .. لا تكن أنانياً ..أنا أعرف مرماك.

- إذاً عليك أن تفهم .

       وفجأة .. نهضت " بيانكا "، واعتذرت عن متابعة حوارنا ، حملت حقيبتها ومضت ،

بعد أن رمقتني بنظرة غضب وعتب .

       وحين أصبحنا وحدنا ، قلت :

- ماكنت أحسبك أنانياً ولئيماً إلى هذا الحدّ ؟!. 

ضحك ضحكته المجلجلة :

- أنا معجب " ببيانكا " يا" أنور " .

- ولكنّي أحبها يا " حسني " .. هل جننت ؟!.

- من يتخلّى عن " نجاة " يتخلّى عنها أيضاً.

       صرخت بحدّة ، بعد أن ضربت بقبضتي

الطاولة : 

- أنت " ياحسني " إنسان حقير .. وأنا أعتذر

عن صداقتك .

       نهض " حسني " عن كرسيه ، عدّل نطارته فوق أرنبة أنفه الضخم ، وقال :

- على كلّ حال سوف تدفع الثمن .. أنا الذي

خلقتُ منكَ شاعراً ، وأنا الذي سيحطّمك .

هتفت :

- اذهب إلى جهنّم ، أنا شاعر رغماً عن أنفك ،

وأنف كلّ النقاد .

       ذهب " حسني أبو خليل " وانقطعت بيننا كلّ الصلات ، وعندما أصدرت ذات المجموعة " خريف البيادر " ، جاء دوره لينتقم . فهاجمني بمقالته اللئيمة . وسمعت

من أحد الأصدقاء أنّه الآن يقوم بتأليف كتاب نقديّ ضخم ، عن سرقاتي الأدبية ..

       بهذه الطريقة المنحطّة حاول أن يقنع " بيانكا " أنّ مشاعري نحوها مزيّفة .. فابتعدت عنّي ، وذهبت إليه .

 

                    مصطفى الحاج حسين .

                          حلب

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 55 مشاهدة
نشرت فى 1 فبراير 2017 بواسطة ah-shabrawy

أ/أحمد الشبراوى محمد

ah-shabrawy
نريد أن نرتقى بالشعر العربى وموسيقاه ونحمى لغتنا العربية من التردى فى متاهات عولمة اللغة تحياتي الشاعر والاديب / أ.أحمد الشبراوي »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

501,319