وداع
ودَّعتُها .... فتزمهرت بلهيبِها
والرّوحُ منها في الثّوانيَ تنزِعُ
والطّرفُ مَدَّ بسَكرةٍ أبديةٍ
والبردُ جاء بلونهِ يَتبرقَعُ
وتركتُها طَلًّا تَهدَّمَ جُلُّهُ
والريحُ تضربُها الجهاتُ الأربعُ
لكنّ نفسي لم تَزل طوّافةً
مهما هربتُ عن الحقيقةِ ترجعُ
ذهبَ الصّفاءُ بصُبحِها وشبابِها
وأتى المَشيبُ بلَيلِه المُتورِّعُ
مابات يأخذُنُي قَوامُ نعيمِها
كُسِفَت فصارت كَهلةً تتسكَّعُ
الجِيدُ منها مالَ في أطواقهِ
وكأنّما من طَوقِها تَتمنَّعُ
والكَفُّ كانت طَلقةً هَفهافةً
ثَقُلت برَجفةِ ضَعفِها تَتضَعضَعُ
والقامَةُ الحسناءُ قد رَكعَت بها
فكأنّها من ذُلِّها تَتجرَّعُ
الوجهُ غيَّرَ من ملامحِ طِفلةٍ
فأتى الزّمانُ بشَيخِه يَتقنَّعُ
ماعادتِ الضّحِكاتُ تُشعِلُ يَبسَها
سَكنَ السُّعالُ بصَدرِها يَتربّعُ
والشِّعرُ كان رفيقَها بمَفازةٍ
خَلّا الرّقيقةَ رقعةً تَترقّعُ
فأدَرتُ ظَهرًا للمباهجِ جملةً
وجَعلتُ في أرضِ التّحسُّرِ أَزرعُ
كلُّ الطّيورِ الغِيدِ في أسرابِها
رحلَت وروحيَ صامتٌ يتسمّعُ
خفَقاتُ عمري خفّفت خفقاتُها
وبدا لوقفِ وَجيبِه يتسرّعُ
وتجمّعت في ناظريَّ عيونُها
قد لوّحت برموشِها وتودّعُ
وإذا بها فاضت تسيلُ كدمعةٍ
من مقلةٍ مازلت منها أجرعُ
فرجعتُ أطلبُ رَبعَها مُتَلمّسًا
وأُعيدُ وصلًا ما ظننتُ سيُقطَعُ
فوجدتُّها عند افتراقِ نحيبِنا
فتعانقت بسَماتُنا والأدمُعُ
مصطفى محمد كردي


