
قصيدة الفرزدق همّام بن غالب
أبو فراس "56"
أبو فراس همام دونه الهمم
أبوه غالبُ فيه العز والكرم
وجده من سراة القوم صعصعة
ودارم قومه والأكرمون همُ
وقد نمته تميم في مآثرها
فراح فيها غداة الفخر يعتصم
لما قضى غالب آلت مآثره
إلى الفرزدق وهو الشاعر العلم
بقبر غالب عاذ المعتفون له
فكان يعطي جزيلاً وهو يبتسم
وشعره كان في فخر إذا فخروا
وفي هجاء إذا في حقه غرموا
فأين منه جرير في صلابته
وأين من غالب شَحٌّ به نَحَمُ
وأين من دارم طابت أرومتها
كُلَيْبُ وهي مدى الأيام تُهتضم
ياشاعر الفخر يخزى من يطاوله
كأنه هرم أو دونه الهرم
وكان فخرك فيما فيك من شيم
إذ أعوذت غيرك الأفعال والشيم
وكنت تسمو إلى العلياء في نسب
فافخر فغيرك لا كعب ولا قدم
وإن مدحت فلم تذلل لممتَدَحٍ
حتى الخليفة إن لم تعلِهِ القيم
بنو أمية في مدح تفاخرهم
والمدح يرعى لمن ترعى به الذمم
وليس مدحك من خوف ومن عوز
أنت الغني الذي في أنفه شمم
لما عشا الأطلس العسال من سغب
في موهن ولديك النار تضطرم
أكرمته وقددت الزاد مفتخراً
كذاك يدعو الكريمَ المعتفي الكرم
إن الوحوش لترعى وهي آمنة
بقربكم فلها مغنى ومقتسم
أما السياسة لم تهدأ عواصفها
ماهنت يوماً بمن جاروا ومن ظلموا
في آل مروان لم تأبه لصولتهم
للحق تثأر إما راح يهتضم
هواك في الطالبيين الألى كرمت
أخلاقهم فبهم تستشفع الأمم
آل النبي وفيهم كل صالحة
غوث همُ للورى يُرجى ومعتصم
رأى هشام عليَّ بن الحسين مضى
وقد تنحى له الأقوام يستلم
وهو الذي ما تنحى إذ مضى أحد
ودون ما يبتغي لُجٌ ومزدحم
تساءلوا وهشام قد تجاهله
فرحت تظهر ما يخفى ويكتتم
أجبتهم إنه نار على علم
(فالبيت يعرفه والحل والحرم )
(هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم )
فليس ضائره أن رحت تنكره
(فالعرب تعرف من أنكرت والعجم )
في حسن خلق وفي تقوى وفي كرم
شمائل لايفي في وصفها الكلم
إلى الرسول وآل البيت نبعته
على يديه يفيض الخير والنعم
(ماقال لا قط إلا في تشهده
لولا التشهد كانت لاءه نعم )
(يغضي حياء ويُغضى من مهابته
فلا يُكَلّم إلا حين يبتسم )
هم الأكارم من آل النبي تقى
أبا فراس فقد كرَّمْت من كرموا
لك القوافي التي ألفاظها غلظت
نحتها من صخور فهي تصطدم
أغربت فيها وما ليَّنت جافيها
فأنت فيها وفي الإعراب متهم
لذاك كنت قصير الباع في غزل
وفي رثاء فلا حزن ولا ألم
وفاز فيها جرير وهو ذو حزن
إذا رثيت ففيه كنت تعتصم
لكن كفاك افتخاراً عزة وإباً
أن صنت نفسك ما زَلَّتْ بك القدم
من ديوان الوالد الأستاذ
مصطفى فتح الله (رحمه الله )
مئة شاعر في شعر شاعر


