صلاة الصمت
قصة قصيرة بقلم/ ياسر عبد المطلب محمد يوسف
كثيرا ما كان ينظر بعينيه بعيدا إلى لا شيء
لكنه دائما ما كان يحس بداخله إنه ينظر إلى مجهول داخل أعماقه .
فكثيرا ما كان يتأمل بعيناه مالا يراه ...
ودائما ما كان يشعر أنه يسبح بروحه خلف سحاب الكون وقد امتلكه إحساس قوى بأنه قد امتلك الدنيا بأسرها فأصبح وكأنه ملاح يمتلك دفتها فيوجهها كيفما شاء ... حتى ليخيل إليه في تأملاته الصامتة من خلال عينين لا يرى بهما شيء في غياب واقع تمنى يوما أن لا يكون جزءا منه وحلما عاشه في مخيلته كان يصلى معه ومن خلاله صلاة لصيقة الشبه بصلاة الصمت عند قدماء المصريين فكان ملاحا لمركبة الشمس وقد توجه بها إلى دار البقاء تاركا دارا قد ظن أنه قد امتلك دفتها فأراد الغوص في المستحيل وعالم جديد أراد أن يغوص في أعماقه ليكتشف عالم لم يدخله أحد من قبله يمتلك كل حواسه دون أن ينتظر قدرا يحمله إليه . ولم تمر عليه في تأملاته الا لحظات قليلة كانت معها مركبة الشمس قد اصطدمت بجدار فولاذي ليس من صنع بشر قد منعها من أن تتقدم أحس معها بشعور غريب لم يشعر به من قبل راح يسأل نفسه ما هذا المكان الذي وصلت إليه كانت هناك قوة تدفعه للخروج من المركبة على غير إرادة منه فكان لهذه القوة ما أرادت وفى لحظة من الزمن كان يسير في عالم لا ينتمى إليه وإناس ينظرون إليه في تحد غريب وبنظرات ثاقبة دون أن يقتربوا منه وأسئلة يتناقلونها بين بعضهم البعض يراها في أعينهم ولكنها لا تخرج من أفواههم من هذا المتطفل الذي اقتحم عليهم عالمهم أراد أن يقترب منهم فلم يستطع أراد أن يتحدث إليهم ولكن دون جدوى أحس أنه في غيبوبة من الزمن تمنى لو يعود منها ليرحل إلى حيث ينتمى ... أحس بروحه وكأنها في صراع معه تريد أن تتركه وتمضى بعيدا عنه بينما كان جسده يتهاوى على ارض تملأها حجارة غليظة لم يتعود جسده النحيل عليها يتحدث باكيا إلى روحه أن تبقى معه فعالمه ليس هنا ... كان جسده النحيل الراقد في صمت وروحه التي تقاومه للخروج إلى عالم البقاء رافضة الرجوع إلى عالمه الذي ينوى العودة إليه عندما استمعت أذناه إلى صوت يحدثه في خشوع أحس معه وكأنما قد وقف الزمن في هذا العالم ليستمع إليه بينما التفتت عيناه لترى شيخا يرتدى جلبابا ناصع البياض وفوقها معطف أخضر ولحيته الكبيرة البيضاء تضفى عليه الكثير من الهيبة والوقار ويمسك بيده اليمنى مسبحة تغوص في نور وكأنما قد تم صنعها من نور ليس من صنع البشر
أحس معه بقشعريرة تسرى في جسده مصحوبة بخوف مما سيأتي من خلال كلماته التي أتت على مسامعه في صمت ليل يملؤه السكون :
يا ولدى لقد أتيت إلى عالم لا تنتمي إليه بحثا عن مجهول قد خالفت معه كل القواعد الدنيوية فلم تأتى من خلال البوابة الرئيسية ...
ولكنى لا أعرف مكان هذه البوابة فلتدلني إليها كلمات لم تصدر عنه ولكنها قد ارتسمت على ملامح وجه قد امتلأ بتجاعيد سنين لم يعيشها وشعر قد ابيض وظهر قد انحنى لجسد شاب ما زال في مقتبل العمر...
كانت عيناه تنظران إلى الشيخ بينما كان الشيخ ينظر بعينيه بعيدا وهو يشير بيديه محدثا أنظر هذه هي بوابة عالمنا ...
راح ينظر بعينين جاحظتين في كل ما يحيط به فلم يجد الا سراب وصلاة تشبه صلاة الصمت عند قدماء المصريين
قصة قصيرة بقلم / ياسر عبد المطلب محمد يوسف

