الدرس 03 / 32 من الشمائل لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .
الموضوع : السيرة النبويَّة : شمائل الرسول صلى الله عليه وسلَّم : تجمله صلَّى الله عليه وسلَّم .
تفريغ المهندس : عبد العزيز كنج عثمان .
التدقيق اللغوي : الأستاذ احمد مالك .
التدقيق النهائي: المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثالث من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم ، وموضوع درس اليوم تجمُّله صلى الله عليه وسلَّم.
فكان صلى الله عليه وسلَّم يتجمَّل ، ويأمر أصحابه بالتجمُّل ، ويأمرهم أن يكونوا بمظهرٍ حسن ، وهذا يعني نظافة البدن ، ونظافة الثوب ، وترجيل الشعر ، وقصَّ الأظافر ، وأناقة الثياب ، هذا هو التجمُّل ، وكل إنسان يتجمَّل بقدر إيمانه ، فكان عليه الصلاة والسلام يتجمَّل ، ويأمر أصحابه بالتجمُّل ، فقد روى البيهقي أنه كانت له حُلَّةٌ يلبسها للعيدين والجمعة .
فبصراحة المؤمن الكامل له ثياب جديدة يرتديها في المناسبات ، لأن المؤمن لا يمثل شخصه ، بل يمثِّل هذا الدين الذي ينتمي إليه ، فلا ينبغي أن يكون في ثيابه خطأ فاحش ، ولا في ثيابه سبب للازدراء ، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت له حلةٌ يلبسها للعيدين والجمعة ، وثياب خاصَّة ، الآن لابدَّ من ثياب في عقد قِران ، وفي احتفال ، وفي يوم العيد ، وفي زيارة ، وفي اجتماع ، وفي مقابلة مع شخص ، لأنك حينما تدخل على مجتمع ، أو حينما تلتقي بإنسان ، وأنت ساكت يقيِّمك من ثيابك ، فإذا تكلَّمت نسي ثيابك ، فإذا عاملته نسي كلامك .
مظهر ، ثم كلام ، ثم معاملة ، والمعاملة تنسي الكلام ، والكلام ينسي الهَيْكَل ، فإنسان أنيق تكلَّم كلمات بذيئة لا قيمة لأناقته ، أذكر مرَّة إنسانًا يرتدي ثياب جميلة ، وتكلَّم كلامً بذيئًا ، فقال له واحد من وجهاء الأحياء : " إما أن تحكي مثل لباسك ، أو تلبس مثل كلامك " ، فلا يتناسب كلامك مع لباسك ، إما أن تتكلَّم مثل لباسك ، فلباسك أنيق فتتكلَّم كلامًا أنيقًا ، وإما تلبس لباسًا مبتذلاً مثل كلامك المبتذل ، فالمؤمن يمثِّل هذا الدين ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : ((كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثغر الإسلام ، اللهَ اللهَ لا يؤتى الإسلام من قبلك)) .
(كتاب السنة للمروزي(28) عن يزيد بن مرثد)
فكل مؤمن صادق يشعر أنه يمثِّل هذا الدين ، وسفير هذا الدين ، واللِه الذي لا إله إلا هو ستحاسب من نظافة بدنك ، ومن نظافة ثوبك ، و من مواعيدك ، ومن أمانتك ، ومن دقة كلامك ، سبحان الله ! المؤمن بالذات دائماً أعداء الدين يسلِّطون عليه الأضواء ، فالأضواء الشديدة كلُّها مسلَّطة عليه ، فإذا ارتكب صغيرةً أقاموا عليه القيامة ، وأقاموا عليه النكير ، فإذا أردت أن تكون سفيراً لهذا الدين فكن في المستوى اللائق ، وقد ورد في الحديث القدسي : ((إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه)) .
( من المأثور : عن " جبر بن عبد الله " )
قصَّة سأرويها لكم : كنت أصلي صلاة المغرب إماماً في جامع النابلسي ، وسيارتي بالمنطقة الصناعيَّة أريد أن أذهب لأستلمها ـ كانت بالتصليح ـ فصلَّى وراءنا أخ صاحب سيارة عمومي ، قلت له : أتوصلني إلى المنطقة الصناعيَّة ؟ وقد صليت به إمامًا ، كمد ، واضطرب وارتبك ، ماذا ذهب إلى ظنِّه ؟ أنني لن أعطيه أجرة ، فلما حُرِج أوصلني على مضض ، فكان المبلغ سبع عشرة ليرة ، فناولته خمسة وعشرين ، فصغر ، فإذا كنتَ رجل دين تركب من غير أجرة ؟ تعطي أقل من حق الناس ؟ هكذا هو أخذ الفكرة ، فعندما أعطيته ثلث المبلغ زيادة صغر .. : ((كل رجل من المسلمين على ثغرة من ثغر الإسلام ، اللهَ اللهَ لا يؤتى الإسلام من قبلك)) .
(كتاب السنة للمروزي(28) عن يزيد بن مرثد)
((إن هذا الدين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه)) .
( من المأثور : عن " جبر بن عبد الله " )
فأنت تمثِّل هذا الدين فكن سخيًّا ، كريمًا ، صادقًا ، لأن كل الكلام لا قيمة له ، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يتجمَّل ، ويأمر أصحابه بالتجمُّل ، وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلَّم له حلةٌ يلبسها للعيدين والجمعة ، إذاً فواجب على كل واحد من إخواننا المؤمنين أن تكون له ثياب أنيقة ، أنا لم أقل غالية ، أنيقة ، أي نظيفة ، فإذا كان يلبس ثيابًا عاديَّة مكويَّة ، نظيفة ، فيها تناسب في الألوان ، حتى إذا دُعي لعقد قران أو لاحتفال ، قيل : فلان مؤمن ، وثيابه مقبولة ، فلا أطالبكم بثياب غالية الثمن ، ولكن ثياب فيها شيء من الذوق ، وشيء من النظافة .
تروي السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلَّم خرج ذات يومٍ إلى إخوانه ، فنظر في كوز الماء ـ لم يكن وقتها مرآة - أين نظر ؟ في كوز الماء إلى جمَّته ، أي إلى شعره وهيئته ، فشيء لطيف من الإنسان قبل أن يخرج أنْ يقف أمام المرآة ، يا ترى شعره منتظَم ، وثيابه منتظمة ، فيها خطأ ، أو فيها شيء ، فهذا من السُنَّة ، قالت : خرج ذات يومٍ إلى إخوانه فنظر في كوز الماء إلى جمَّته ـ أي إلى شعره وهيئته .
وقال عليه الصلاة و السلام : ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)) .
( من مسند أحمد : عن " عبد الله بن مسعود " )
((إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليتهيأ في نفسه)) .
أنا أحياناً واللهِ أعجب أنك كمسلم هل من الممكن أن تستقبل ضيفًا بالقميص الداخلي ـ الشيال ـ بالصيف ؟!! فهذه إهانة للضيف ، وهذه ثياب مبتذلة لا يجوز أن تصلي بها ، فكيف تستقبل بها الضيوف !! حتى في بيوت المسلمين من يقوم بالثوبين الداخليين فقط أمام أخواته البنات ، أو أمام بناته ، فهذا ليس من السنة في شيء .
فلذلك عندما نظر النبي في كوز الماء إلى لمَّته ـ أي إلى شعره ـ وإلى هيئته قال : ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)) ، و : ((إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليتهيَّأ في نفسه)) .
فعلى الإنسان أنْ يغسل ، ويرجِّل شعره ، ويضع عطرًا ، ويتأنَّق بثيابه ، ويجعل هندامه مقبولاً ، وسأقول لكم كلمة : أحياناً الإنسان ينطلق في حديثه إذا كانت ثيابه جيِّدة ، فإذا كان في ثيابه خطأ اضطرب في حديثه ، لأنّ الثياب الأنيقة تعطي الإنسان ثقة بالنفس ، ولو دعي إنسان إلى عقد قران ، وكانت ثيابه غير جيِّدة ، تجده مرتبكًا ، ومضطربًا ، ومنكمشًا ، ومتطامِنًا ، لا ، أنت مؤمن .
والحقيقة هناك تعليق لطيف : الجمال في البساطة لا في التعقيد . وأحياناً تجد في الألوان تناسقًا ، مع أن الشيء رخيص ، والشيء الرخيص وفي ألوانه تناسق تجد فيه راحة نفسيَّة ، فليس شرطاً أن ترتدي أغلى الثياب ، إنما الشرط أن ترتدي ثياب مقبولة .
وكان إذا قدِم عليه وفدٌ لبس أحسن ثيابه ، وأمر أصحابه بذلك ، فرأيته وفَدَ عليه وفد كِنْدَة وعليه حُلَّةٌ يمانيَّة ، وعلى أبي بكرٍ وعمر مثل ذلك .
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلَّم أن حُسْنَ السمت والزيِّ الحسن من شمائل الأنبياء وخصالهم الأصيلة .
وقد روى أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ)) .
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ قَالَ جَابِرٌ فَبَيْنَا أَنَا نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الظِّلِّ - أي شجرة ظلُّها وارف - قَالَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُمْتُ إِلَى غِرَارَةٍ لَنَا - غرارةٍ ظرفٍ شديد العِدْلِ ، أي محفظة - فَالْتَمَسْتُ فِيهَا شَيْئًا فَوَجَدْتُ فِيهَا جِرْوَ قِثَّاءٍ - أي خيار وقته - فَكَسَرْتُهُ ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا قَالَ فَقُلْتُ خَرَجْنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ جَابِرٌ وَعِنْدَنَا صَاحِبٌ لَنَا نُجَهِّزُهُ يَذْهَبُ يَرْعَى ظَهْرَنَا - أي نجهِّز صاحب لنا ليرعى الغنم - قَالَ فَجَهَّزْتُهُ ثُمَّ أَدْبَرَ يَذْهَبُ فِي الظَّهْرِ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ لَهُ قَدْ خَلَقَا قَالَ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرُ هَذَيْنِ فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ ثَوْبَانِ فِي الْعَيْبَةِ كَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا قَالَ فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا قَالَ فَدَعَوْتُهُ فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ وَلَّى يَذْهَبُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ قَالَ فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) .
( رواه مالك في الموطأ)
إلى أين يذهب ؟ إلى الجبال ليرعى الغنم ، ومع ذلك ما رضي النبي له هذين الثوبين ، ليس هناك لقاء ، ولا احتفال ، ولا عقد قران ، ولا عيد ، ولا جمعة ، راٍع يذهب إلى الجبال ليرعى الأغنام ، وعليه ثوبان خَلِقان ، فلما نظر النبي إليه قال: " ((أَمَا لَهُ ثَوْبَانِ غَيْرُ هَذَيْنِ ؟ فقلت : بلى يا رسول الله ، له ثوبان في العَيْبَة كسوته إيَّاهما ـ أي في البيت ـ قال : " فَادْعُهُ فَمُرْهُ فَلْيَلْبَسْهُمَا " ، قال : فدعوته فلبسهما ثم ولَّى يذهب ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَهُ ؟ " .
النبي عليه الصلاة والسلام لا يرضى للراعي ، وهو يرعى الغنم في شعف الجبال ، وليس معه أحد ، لم يرض له هذه الثياب المبتذلة المهترئة ، فكيف إذا كنت مع الناس وفي المدينة ، ومع علية القوم كما يقولون ؟
درسنا اليوم التجمُّل ، فكان عليه الصلاة والسلام يتجمّل ، ويأمر أصحابه بالتجمل ، وكان له ثوب يلبسه في العيدين وفي الجمعة ، وكان إذا وفد عليه الوفد لبس أحسن ثيابه ، وأمر علية قومه بذلك .
وعَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : ((إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى الْقَارِئِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ)) .
( موطأ مالك)
قارئ القرآن من كمال قراءته أن يرتدي ثوباً أبيض ، والحجاز بلادٌ حارة ، واللون الأبيض يتناسب مع الطقس الحار ، ولكن كأن النبي يقول : هذا الذي يقرأ القرآن عليه أن يتجمَّل.
وسيدنا عمر يقول : (إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم) .
وهناك حديث : ((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله)) .
(مسند الشهاب للقضاعي(1192) عن عائشة)
وروى أبو نعيم في الحلية عن أبن عمر مرفوعاً : ((إن العبد آخذ عن الله تعالى أدبا حسنا ، إذا وسع عليه وسع، وإذا أمسك عليه أمسك)) .
(البيهقي في شعب الإيمان(6591) عن ابن عمر)
لأن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ، وأوضحُ أثر في الثياب ، وأحياناً الإنسان يرتدي ثوبًا جديدًا ، وهذا من إكرام الله له ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعظم عنده النعمة مهما دقَّت ، وكان إذا ارتدى ثوبًا جديدًا ، هناك دعاء خاص للثوب الجديد .
وروى الحاكم بإسناده عن سهل بن الحنظلية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((أحسنوا لباسكم ، وأصلحوا رحالكم ، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس)) .
( من الجامع الصغير)
هذه شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا سافر الإنسان فيجب أن يأخذ معه إبرة ، وخيطًا حتى إذا انقطع زره أصلح المشكلة ، وأحياناً يسافر ببنطال واحد ، ويمكن أن ينفتق البنطال ، فيأخذ معه بنطالاً آخر احتياطًا ، فدائماً فكر ، إبرة ، وخيط ، وقميص احتياط ، وهكذا كان النبي اللهم صلِّ عليه ، لأنه مشرع .
وروى الطبراني والبيهقي ، عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس ـ الهيئة القذرة ، والهيئة المبتذلة ،و الخنوع ، والمسكنة ، والتذلل ، واليأس ، يا حسرتي علينا ، لماذا هذا التحسُّر ؟ أنت مؤمن ، وتعرف ربك ، ولك منهج ، والله هو الرزاق ، وهو الكريم ، فالله يكره البؤس والتباؤس ـ ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف)) .
( من الجامع الصغير : عن " أبي هريرة " )
يكره البؤس والتباؤس ، ويبغض السائل الملحف ، ويحب الحيي العفيف المتعفف ، اسأل لكن مرة واحدة ، فالإلحاح ليس له فائدة ، فإذا أراد أن يعطيك يعطيك من مرة واحدة ، فإن لم يعطِك لا تبذل ماء وجهك ، ولا تذل نفسك ، ولا تهينها ، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه .. ((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير)) .
سمعت قديماً قصة إنسان دخل بستانًا ، وهو يتجول في أنحائه رأى شجرة من أرقى التفاح ؛ حجمًا ، ولونًا ، وخدًا أحمر ، ورأى تفاحةً تلفت النظر ، وصاحب البستان صديقه ، قال : فهممت أن أقطفها لآكلها ، فقلت : لا يجوز ، ثم جلسنا إلى الطعام ، وبعد الطعام جاء طبق التفاح ، وفي مقدمة هذا الطبق تِلك التفاحة بالذات ، فلما هممت أن آخذها قلت : لا يجوز ، فما كان من صاحب الدعوة إلا أن أمسك هذه التفاحة ، وقدمها إليّ ، انظر إلى الإنسان ، منعه حياؤه أن يقطفها ، ثم وضعت على الطبق ، فمنعه حياؤه أن يأخذها ، حتى قدمت له ضيافة .
وأنا لي في هذا الموضوع تعليق لطيف ؛ فالرزق مقسوم ، وهذه التفاحة في هذا البستان ، بالشجرة الثالثة ، في الغصن الرابع ، والتفاحة السابعة ، وهذه التفاحة لفلان ، فطريقة وصول هذه التفاحة لفلان باختياره ؛ يمكن أن يسرقها وهي له ، ويمكن أن يتسوَّلها وهي له ، ويمكن أن يشتريها وهي له ، ويمكن أن تقدَّم له ضيافة وهي له ، ويمكن أن تهدى له وهي له ، هدية ، ضيافة ، شراء ، تسول ، سرقة ، فهذه باختيارك ، أما هي لك ، لذلك : اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك .
((إن الله يكره البؤس والتباؤس ، ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف)) .
( من الجامع الصغير : عن " أبي هريرة " )
لذلك مرة سيدنا عمر رأى إنسانًا يطلب بإلحاح فقال له : (يا هذا لقد ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع منك) ، ضيعت ماء وجهك ، وكرامتك ، وضيعت أثمن شيء تملكه .
إذاً القسم الأول من الدرس كان عليه الصلاة والسلام متجملاً ، ويأمر أصحابه بالتجمُّل ، وكان له ثياب لا يرتديها إلا في أيام الجمعة والأعياد ، وكان إذا وفد عليه الوفد لبس أحسن ثيابه ، وأمر عليَّة قومه بذلك ، وكان يقول : ((أحسنوا لباسكم ، وأصلحوا رحالكم ، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس)) .
( من الجامع الصغير : عن " سهل بن الحنظلية " )
والآن ننتقل إلى : حلاوة منطق النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد كان عليه الصلاة والسلام حلو المنطق ، لأن الدعوة أساسها المنطق ، وأساسها الكلام الموزون ، وأجمل ما في الرجل فصاحته ، وأجمل ما في الآداب ضبط اللسان ، ولا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، فمن سمات المؤمن ضبط اللسان ، يقول لك : عشت معه ثلاثين سنة ، ولم أسمع كلمة بذيئة منه ، فأحياناً من أجل أن نعظ الناس نتحدث عن الفجور في الطُرقات ، وعن النساء ، وبعض الدعاة يقول لك : العضو الفلاني ظاهر ، والعضو الفلاني ، هذا الكلام فيه إثارة ، فعَنِ ابْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ أُسَامَةَ قَالَ : ((كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسْ الْقُبْطِيَّةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا)) .
لم يقل : ساقها ، لم يقل الكلمات الثانية ، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام ينتقي أعف الكلمات ، حيث لا يخدش حياء المستمعين ، وهذا أدب قرآني ، قال لي أحدهم : ما حكم كذا ؟ ـ سلوك جنسي ـ قلت له : الله عز وجل قال :
( سورة المؤمنون )
فكل الانحرافات في هذه الكلمة ، وهذه الكلمة لا تخدش حياء طفل ..
( سورة النساء : من الآية " 43 " )
( سورة الأعراف : من الآية " 189 " )
تغشاها ، فأنت انظر إلى الآيات التي تشير إلى العلاقة الزوجية في القرآن ، كلمات لطيفة ورائعة ، كلمات لا تخدش الحياء ، فأنت لا تتكلم بكلمات أمام أولادك ، ولا أمام إخوانك ، ولا أمام من هم صغار ، كلمات تخجل ، تصف العلاقات الزوجية ، تتكلم كلام يستحيا منه ، فهذا ليس من صفات المؤمن ، أنا أقول لكم ملخصًا : الذي عنده مزح فاحش ، هذا المزح الفاحش يقلل من إيمانه ، هذا إذا لم يكن يعبر عن ضعف إيمانه أو عن انعدام إيمانه .. (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ)) .
( من سنن الترمذي : عن " عبد الله " )
والحقيقة تجد من رواد المساجد في أدب يلفت النظر بكل المصالح ، والمعامل ، والمحلات ، فإذا التقى مؤمنًا ، فليس عنده كلمة مغشوشة ، ومزحة سافلة ، لأنّ هذا يتنافى مع أخلاقه .
فكان عليه الصلاة والسلام حلو المنطق ، حسن الكلام ، إذا تكلم أخذ بمجامع القلوب ، وسبى الأرواح والعقول ، وإذا تكلم خرج النور من بين ثناياه ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ)) .
(الدارمي)
إنه كلام لطيف، كلام متصل وفيه سيولة ، وبحة خفيفة ، فكان النبي حلو المنطق.
وعن أبي قرصافة أنه قال : لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأمي وخالتي ، ورجعنا من عنده منصرفين، قالت لي أمي وخالتي : ((يا بني ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن منه وجهاً ولا أنقى منه ثوباً ، ولا ألين كلاماً ، ورأينا كأن النور يخرج من فيه صلى الله عليه وسلم)) .
(الطبراني في الكبير(2518)
والآن تجد البيوت كلها مرايا ، وراء كل باب مرآة ، وغرفة النوم فيها مرآة ، والمدخل ، فكان ينظر إلى جمته من الكوز من صفيحة ماء ساكنة ، ومع ذلك كان متجملاً ، ولم يكن عندهم قديماً حمام ، وأنت تفتح الماء الساخن فينزل رأساً ، ونحن الآن ننعم بشيء لا يتصوره الإنسان ، ماء ساخن دائماً ، تقريباً الحمام فيه ماء جار ، وقد كانت الأمور بدائية ، وكان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات التجمل والنظافة ، والأمور بدائية .
وكان عليه الصلاة والسلام أفصح خلق الله لساناً ، وأوضحهم بياناً ، أوتي جوامع الكلمة ، وبدائع الحكم ، وقوارع الزَجر ، وقواطع الأمر، والقضايا المحكمة ، والوصايا المُبرمة ، والمواعظ البليغة ، والحجج الدامغة ، والبراهين القاطعة ، والأدلة الساطعة .
فأنت كمؤمن إذا أردت أن تكون داعية إلى الله ، فرأس مالك المنطق ، واللغة ، والفصاحة ، والنصوص ، وأنا لا أعتقد مؤمنًا حريصًا على الدعوة إلى الله عزَّ وجل ولا يسجل ما سمع ، سمع حكمة والله شيء جميل ، لِمَ لَم تكتبها لتحفظها ، فإذا أردت أن تحفظ فاكتب ، ولمجرد أن تكتب فاحفظ ، فالإنسان لما يهتم ، فأنا أنصح كل إخوانها بوضع دفتر صغير في جيبه ، أحياناً وهو يركب سيارة عامة سمعت تعليقًا ، أو حكمة فسجِّلها ، وكلَّما سجلت ، وبوَّبت ، وصنفت ، فإذا قرأته فهذا كتاب بمكتبتك ، انتهى العام الدراسي باع الكتب ، فما هذا الكلام ؟ هذه مكتبة ، كتاب قرأته احتفظ به ، تصفحه من حين إلى آخر ، قرأت كتاب اعمل تعليقات ، اعمل حواشي ، اعمل خطوطًا حينما تجعل الخطوط ، والتعليقات ، والحواشي تحفظ ، فإذا حفظت ألقيت ، هذا نص قرأته فأعجبك ، فاحفظه ، وأول لقاء تكلم فيه ، على مرتين حفظته نهائياً .
align=r


ساحة النقاش