في دراسة أجريت على مجموعة من الطلاب بجامعة بيزا الإيطالية الذين وقعوا في الحب فوجد أن دمهم فقد نحو 40% من البروتين الذي يقوم بتصنيع مادة (السيروتونين) المسؤولة عن تأدية مجموعة مهمة من الوظائف داخل جسم الإنسان، وفي الحقيقة إن عمل هذه المادة يتركز بصورة واضحة داخل المخ البشري، حيث يتكون المخ من ملايين الخلايا العصبية (أكثر من ألف مليار خلية) التي تتواجد بها العشرات من المراكز الحيوية النفسية والبيولوجية، فهناك مركز للحركة و التنفس والذاكرة والسلوك والعاطفة والمزاج... الخ، وتتصل الخلايا العصبية بعضها ببعض بواسطة شبكة عصبية رقيقة ودقيقة للغاية، ولكي تنتقل المعلومات أو الإشارات أو الرسائل بين خلية وأخرى توجد مواد كيميائية خاصة بذلك تعرف بالناقلات أو الموصلات العصبية، وأي نقص في هذه الموصلات يؤدي إلى اضطراب وخلل ينعكس على الإنسان في صورة أمراض عديدة، وقد ينقسم الموصل الواحد إلى أجزاء كل جزء له وظيفة خاصة، كأن يكون جزء خاص بالاكتئاب وآخر بالقلق وثالث بالوسواس، وكمية هذه الموصلات وانتظام عملها يتأثر بسلوك الإنسان ونمط حياته وتغذيته ومدى ممارسته للأنشطة الرياضية، ومن أبرز هذه الموصلات هو السيروتونين، إذ يقوم الجسم بتصنيعه من خلال حمض أميني يعرف بـ (تريبتوفان) وهذا الحمض يتواجد بكثرة في اللحوم والمكسرات والموز والحليب والكاكاو، والتغيرات في نسبة السيروتونين تؤدي إلى اختلال خطير على حياة ومزاج الإنسان، ففي حالة نقصانه يؤدي ذلك أعراض عديدة منها:-

كآبه، تهيج، عدم التركيز، تعب عام، داء المفاصل، متلازمة التعب المزمن، مخاوف ووساوس، أرق، قلق، اضطرابات في مستوى الشعور بالألم والعاطفة والسلوك الجنسي.
وأما في حالة زيادتها فيؤدي ذلك إلى تصرفات غير مقبولة مثل:-
الانبساط الزائد عن الحد، عدم الالتزام بالضوابط الاجتماعية والعرف المتبع.
أما إذا نقص السيروتونين مرة وزاد مرة أخرى فيؤدي ذلك إلى تقلبات حادة في مزاج الشخص فتجده حزينًا كئيبًا متشائمًا حينًا وضاحكًا ومنتشيًا حينًا آخر، وهو ما يعرف بالهوس الاكتئابي ثنائي القطبية.
كما يرجح البروفسور بيترغيبسون - رئيس الجمعية الأسترالية لأمراض الجهاز الهضمي، أعراض مرض القولون العصبي إلى تغيرات في نسبة السيروتونين.
ومما ذكر يتضح أهمية هذه المادة وانتظام عملها في جسد كل إنسان، وأعراض نقصها وزيادتها أو تغير نسبتها في الدم عمومًا تشبه إن لم تكن هي نفسها تلك الأعراض والعلامات التي تصيب المحب.
ولعل أول من تطرق إلى ذكرها بالتقصي، وأفاض في تعدادها ووصفها وتلخيصها بأدق وأوضح وأسهل وأجمل الجمل والعبارات وحاول محاولة جادة ومنظمة (تكاد تكون علمية) هو ابن حزم الأندلسي, وقد تعرض ابن حزم إلى ذكر العلامات التي تصاحب المحب فقال في الباب الثاني من كتابه طوق الحمامة في الألفة والألاف:
“ وللحب علامات يقفوها الفطن ويهتدي إليها الذكي , فأولها إدمان النظر, فترى الناظر لا يطرف يتنقل بتنقل المحبوب وينزوي بانزوائه ويميل حيث مال , وفيها الإقبال بالحديث فما يكاد يقبل على سوى محبوبه ولو تعمد ذلك, والإنصات لحديثه إذا حدث وتصديقه وإن كذب, وموافقته وإن ظلم, والشهادة له وإن جار, واتباعه كيف سلك؟ وأي وجه من وجوه القول تناول؟ والإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه والتعمد للقعود بقربه والدنو منه, وإطراح الأشغال الموجبة للزوال عنه, والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى مفارقته, والتباطؤ في المشي عند القيام عنه, ومن أعراضه بهت يقع وروعة تبدو على المحب عند رؤية من يحب فجأة وطلوعه بغتة أو عند سماع أسمه فجاءة, وأن يجود المرء ببذل كل ما كان يقدر عليه مما كان يشح به قبل ذلك ليبدي محاسنه ويرغب في نفسه, فكم من بخيل جاد, وقطوب تطلق, وجبان تشجع, وغليظ الطبع تظرف, وجاهل تأدب, وذي سن تفتى, وناسك تفتك .
ويستمر ابن حزم فيلسوف الحب الذي توصل إلى كيمياء الغرام قبل ألف عام في عرض تلك العلامات فيقول:
وهذه العلامات تكون قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه, فأما إذا تمكن وأخذ مأخذه فحينئذ نرى الحديث سرارًا, والإعراض عن كل من حضر إلا عن المحبوب, والانبساط الكثير الزائد في المكان الضيق والتضايق في المكان الواسع, والمجاذبة على الشيء يأخذه أحدهما, وكثرة الغمز الخفي, والميل بالاتكاء, وتعمد لمس اليد عند المحادثة, ولمس ما أمكن من الأعضاء الظاهرة، و شرب ما أبقى المحبوب في الإناء, وتحري المكان الذي يقابله فمه, ومنها علامات متضادة فتجد المحبين إذا تكافيا في المحبة وتأكدت بينهما تأكدًا شديدًا كثر تهاجرهما بغير معنى , وتضادهما في القول عمدًا, وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه وتأولها على غير معناها, كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه, فإذا بلغا الغاية من الاختلاف, لا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل صحبة, وأهدرت المعاتبة, وسقط الخلاف وانصرفا في ذلك الحين إلى المضاحكة والملاعبة, هكذا في الوقت الواحد مرارًا, ومن علاماته أنك تجد المحب يستحلي سماع اسم من يحب, ويستلذ الكلام في أخباره, ولا ينهه عن ذلك تخوف أن يفطن السامع ويفهم الحاضر, فلو أمكن المحب ألا يكون في مكان يكون فيه إلا ذكر من يحبه لما تعداه , ويعرض للصادق في المودة أن يبتدئ في الطعام وهو يشتهيه فما هو إلا وقت ما يهتاج له ذكر من يحب صار الطعام غصة في الحلق وشجى في المريء, وهكذا في الماء, وفي الحديث, فإنه يفاتحك مبتهجًا فتعرض له خاطرة من خواطر الفكر فيمن يحب, فتستبين الحوالة ( الحوالة يريد منها ابن حزم الانتقال من حال إلى أخرى والتغير عمومًا) في منطقه, والتقصير في حديثه, وآية ذلك الوجوم والإطراق وشدة الانغلاق, فبينما هو طلق الوجه خفيف الحركات صار منطبقًا متثاقلا حائر النفس جامد الحركة يبرم من الكلمة ويضجر من السؤال.
ومن علاماته حب الوحدة والأنس بالانفراد, ونحول الجسم, والسهر, ومن أعراضه الجزع الشديد والحسرة المقطعة تغلب عندما يرى من إعراض محبوبه عنه ونفاره منه، وآية ذلك الزفير وقلة الحركة والتأوه وتنفس الصعداء, ومن علاماته أنك ترى المحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته حتى يكونوا أحظى لديه من أهله ونفسه ومن جميع خاصته, والبكاء من علامات المحب, ويعرض في الحب سوء الظن واتهام كل كلمة من أحدهما وتوجيهها إلى غير وجهها, ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه , وحفظه لكل ما يقع منه, وبحثه عن أخباره, وتتبعه لحركاته.
هذا ما أفاضه قلم ابن حزم حول أعراض الحب , إلا أن هذه الأعراض لا يمكن قبولها كما هي فلابد من مجموعة من الملاحظات التي ترسم لها إطارا محددا منها:-

1- أن هذه الأعراض والعلامات ليست دائمة الظهور بنفس القوة والوضوح طيلة مرحلة الحب, وكما تقدم في الدراسة الإيطالية أن الحب يكون في أوجه في بداياته, ثم يخفت الحب تدريجيًا حتى يغدو عادة وليس حبًا فتختفي هذه الأعراض أو تكاد.
2 - أن هذه العلامات غالبًا ما تحدث للمتحابين بصمت, بمعنى قلة الأحاديث بينهما وكثرة النظرات والحركات المتبادلة ومس ولمس الأعضاء قدر الإمكان, ومن إيجابيات هذا النوع من الحب الصامت ( إذا جاز التعبير ) أنه أسرع لقبول وميل الطرف الآخر, وأغزر تأثيرًا في النفس والفكر على المدى الطويل, ومن سلبياته قلة أو انعدام الاجتماع أو الانفراد بالمحبوب.
3- أن هذه الأعراض لا تحدث دائمًا, أو أنها ليست شرطًا لازمًا لمن يعيش قصة حب فقد يحدث الحب بين طرفين ويكون عميقًا جدًا بدون ظهور هذه الأعراض, وتظهر علامات أخرى مثل المودة والرحمة كما في التعبير القرآني، ولا يمكن اعتماد الأعراض التي ذكرها ابن حزم كأساس لصحة الحب.
4- أن هذه الأعراض قد تتأخر في الظهور إذا بدأت العلاقة بالزمالة أو الصداقة أو الميل والانجذاب فقط.
5- أن بعض هذه العلامات في بعض تفاصيلها نادرة الحدوث واعتقد أن ابن حزم أدرجها من باب الجمع والإحصاء.

 

المصدر: بقلم نـــــــاجي الســــــــبع مساعد إخصائي – قسم العلاج الطبيعي
  • Currently 123/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
41 تصويتات / 314 مشاهدة
نشرت فى 2 ديسمبر 2009 بواسطة abdulqaderabras

ساحة النقاش

عبد القادر أبرص

abdulqaderabras
AbdulQader Abras »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

19,014