ر
 
       

خالد إبراهيم

تذكَّرت الأسودُ الحرة أصولها الكريمة وأسلافها العظام وأمجادهم السابقة؛ فزمجرت غاضبة، وأخذت تعمل بدأب وإخلاص لاستعادة حريتها وكرامتها.

 

رفضت الأسود الحرة أن تنصاع للأوامر الصادرة لها بالرقص في السيرك، ومنعتها نفوسها الأبية من الخضوع لمهرج غبي مغمور انعقدت له الأمور في غفلة من الجميع.

 

استعصت الأسود الحرة على مهرج السيرك الغبي الذي حاول ترويضها بشتى السبل فلم يفلح.

 

هددها وتوعدها وخوفها فلم تخف.جوعها فلم تستسلم.

 

جلدها بالكرابيج المنقوعة في الزيت فلم تركع.

 

ضربها بالعصي المكهربة فلم تتراجع.

 

سجنها سنوات طويلة في زنازين مظلمة فلم تخضع.

 

أطلق على بعضها الرصاص، وعلق بعضها على أعواد المشانق فلم تهن ولم تضعف ولم تستكين.

 

استخدم معها الحيلة بناء على نصيحة أسياده، فحاول المهرج أن يستبدل بالترهيب سياسة الترغيب، فأبت الأسود الحرة أن تستبدل بلحم الغزلان الطيب الذي تأكله من عرق جبينها وإن كان قليلاً، لحم الحمير الميتة الذي يقدم لها جاهزًا.

 

ومع إصرار الأسود الحرة على الصمود العجيب والثبات على مواقفها، وحتى لا يفقد جمهوره، لم يجد مهرج السيرك الغبي بدًا من الاستعانة بالجرذان والخنازير التي لم تمانع في تنفيذ أوامره رغبًا ورهبًا، بل عرض بعضها خدماته طائعًا مختارًا وأبدى سعادته بدخول "حظيرة" السيرك حيث اعتزَّ بكامل إرادته بلقب "مثقفي الحظيرة" دون حياء أو خجل.

 

أدَّت الجرذان والخنازير مهامها المرسومة لها بدقة ومهارة تامة، فقامت بإسكار الجمهور وتغييبه عن الوعي بحركات بهلوانية ورقصات عارية وطبول جوفاء وصيحات زاعقة؛ فنالت رضى المهرج الغبي وأغدق عليها ما لذَّ وطاب من الطعام والشراب، وخصص لها مكانًا للإقامة يليق بها عبارة عن مقلب للقمامة تفوح منه الروائح النتنة، عاشت به الجرذان الحقيرة سعيدة مع رفاق دربها من الخنازير الدنيئة.

 

غير أنَّ أحد الجرذان الباحثين عن الشهرة، كان يطمح بخياله الجامح لمكانة أرقى ونصيب أكبر في مقلب القمامة، وأخذ يفكر في طريقة تقربه من المهرج الغبي، فتذكر هزيمته النفسية أمام الأسود الحرة، وهداه خياله الخبيث إلى عمل دنيء لم يجرؤ عليه أحد الحيوانات الأخرى.

 

وكان الجرذ مريضًا نفسيًّا ويشعر بضآلة حجمه أمام تلك الأسود الحرة التي رفضت الهوان والذل بينما قبلها هو، فانتهز الفرصة ليضرب عصفورين بحجر واحد، وذهب على مشهد من المهرج الغبي إلى "الجماعة" أعني جماعة الأسود الحرة ووقف خارج القفص وأخذ يلقي عليها بقاذوراته وأوساخه النتنة.

 

وكان المهرج الغبي يطرب للجرذ كلما وقف خارج قفص الأسود محاولاً إغاظتها، ويلقي إليه بفتات الجبن الرومي فيتناوله الجرذ الحقير سعيدًا، ويطير فرحًا ويزداد سُبابًا للأسود الحرة بازدياد كمية الجبن الرومي عنده.

 

وكان الجرذ ينتشي تيهًا لأن الأسود الحرة لا ترد عليه؛ فيظن أنه انتصر عليها، ويتحدث مع أصدقائه من الجرذان والخنازير عن صولاته وجولاته مع الأسود؛ فيهللون له وينعمون عليه بالألقاب والنياشين المصنوعة من صفيح القمامة الصدئ الفارغ.

 

والحقيقة التي لم يعرفها ذلك الجرذ المسكين أن الأسود الحرة لم تكن تعيره اهتمامًا لأنه أحقر من أن تلتفت إليه، فهي مشغولة بالتفكير في طريقة تتخلص بها من أسرها ومن المهرج الغبي.

 

ومرت الأيام، وتبدلت الأحوال، ونجحت الأسود الحرة في جهادها، ونالت حريتها، ووضعت المهرج الغبي في القفص نفسه الذي حبسها فيه عشرات السنين.

 

ولشدة وقع الصدمة عليه هاج الجرذ الحقير وأصيب بالذعر، وخاف من أن تقوم الأسود الحرة بعملية تطهير لمستنقع القاذورات الذي يعيش فيه، فأخذ يصيح على الأسود الحرة بأعلى صوته لعله يوقفها عن المضي في طريقها المرسومة خطواته، لكنها كعادتها لم تلتفت إليه، فجنَّ جنونه وطار صوابه، وانطلق يهذي ويصرخ في جميع المشفقين على ما أصابه: هؤلاء ليسوا أسودًا إنهم قرود.. هؤلاء ليسوا أسودًا إنهم قرود.. 

-------------------------------------

* عضو اتحاد كتاب مصر

 عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 64 مشاهدة
نشرت فى 6 نوفمبر 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

298,635