authentication required

فقه النصر والتمكين (12)



د. علي الصلابي

الحركة الإسلامية في تركيا

تأتي قوة الحركة الإسلامية في تركيا، في كون الأحزاب السياسية في تركيا تعتمد اعتمادًا كبيرًا في الانتخابات على الجماعات الإسلامية إلى درجة نرى أن أحزابًا كبيرة، برامجها كانت علمانية، ولكن مواقفها اختلفت عن هذه البرامج.

من هذه الأحزاب على سبيل المثال حزب الشعب الجمهوري، الحزب الذي أسسه مصطفى كمال في عام 1922م حيث أرسى هذا الحزب معالم العلمانية في تركيا حتى وفاة مؤسس الحزب في عام 1938م، وقد قام هذا الحزب بسلسلة من الإجراءات القانونية فرضت بالقوة على المسلمين في تركيا, كان الغرض منها جعل الدستور علمانيًا، وفُرضت المبادئ الستة التي نادى بها مصطفى كمال على الشعب التركي, وجعلت من مبادئ الدستور التركي. وهذه المبادئ الستة منها أن تركيا دولة جمهورية وعلمانية، وشعبية، ودولية، وإصلاحية.

إلا أن حزب الشعب الجمهوري، بدأ يغير في اتجاهاته العلمانية منذ الانتقال إلى ظاهرة التعدد الحزبي، ريثما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، حيث وافق الحزب على إنشاء كليات الإلهيات، ومعهد العلوم الإسلامية في أنقرة.

واعتمد الحزب الديمقراطي على الجماعات الإسلامية في انتخابات 14أيار 1950م، وكان سببًا رئيسًا في فوزه على حزب الشعب الجمهوري، وفضلاً عن ذلك، اعتمدت أحزاب أخرى على الجماعات السالفة الذكر، مثل حزب العدالة في المدة الواقعة بين 1961- 1980م.

وأما حزب الطريق المستقيم، والذي يعد امتدادًا لحزب العدالة، فإنه استمد قوته في الثمانينيات من الرأي العام الإسلامي.

وركب حزب العمل القومي بزعامة ألب أرسلان توركش الموجة الإسلامية وغير مفهومه عن العلمانية، وبدأ بالتقرب من الرأي العام الإسلامي, وكان شعار هذا الحزب في انتخابات عام 1987م: «دليلنا القرآن، وهدفنا الطوران» (1). إلا أن العمل الإسلامي المنظم بدأ يظهر جليًا مع ظهور حزب السلامة الوطني.

كانت الحركة الإسلامية في تركيا قبل ظهور حزب السلامة الوطني تتكون من:

- المتصوفة المناوئة للحركة الكمالية، وهؤلاء حافظوا على التراث الإسلامي بمفهومهم الخاص بهم، وواصلوا تحفيظ القرآن سرًا، وكان هدف هذه الحركة هو الحفاظ على العبادات الإسلامية في نفوس الرأي العام التركي، وفي هذا المجال قاموا بتكوين جمعيات للإنفاق على طلاب مدارس الأئمة والخطباء للإكثار منهم، وتعويض النقص الذي نتج عن اختفاء الدعاة الإسلاميين عندما اصطدم بهم الحزب الكمالي.

حركة الإمام المصلح الكبير سعيد النورسى والتي تعرف بحركة النور, والتي تركزت جهودها على الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر ومحاربة المادية الملحدة والاهتمام بتربية الأجيال وابتعد الكثير من أتباعها عن السياسة (2).

عندما تحصلت تركيا على نوع من الحريات تقدم الإسلاميون المؤمنون بضرورة خوض المعترك السياسي بتأسيس حزب النظام الوطني في كانون الثاني عام 1970م، حيث قام على تأسيسه يونس عارف، وقد جاء دعم هذا الحزب بصورة رئيسة من التجار الصغار والحرفيين والرجال المتدينين في الأناضول. توسع الحزب في مدة قصيرة جدًا, وبدأ يشكل تهديدًا خطيرًا للأحزاب العلمانية، وقد جاء في بيان التأسيس ما يلي: (أما اليوم: فإن أمتنا العظيمة التي هي امتداد لأولئك الفاتحين الذين قهروا الجيوش الصليبية قبل آلف سنة، والذين فتحوا إستانبول قبل 500سنة- أولئك الذين قرعوا أبواب فينا قبل 400سنة، وخاضوا حرب الاستقلال قبل خمسين سنة، هذه الأمة العريقة تحاول اليوم أن تنهض من كبوتها وتجدد عهدها وقوتها مع حزبها الأصيل «حزب النظام الوطني».

إن حزب النظام الوطني سيعيد لأمتنا مجدها التليد، الأمة التي تملك رصيدًا هائلاً من الأخلاق والفضائل يضاف إلى رصيدها التاريخي، وإلى رصيدها الذي يمثل الحاضر المتمثل في الشباب الواعي المؤمن بقضيته وقضية وطنه) (3).

وقدم حزب النظام برنامج عمله في منظومة من الأفكار يمكن إيجازها في الآتي:

1- جميع المؤسسات الهامة في تركيا في أيد غريبة غير وطنية، والأمر الطبيعي والواجب القومي يقضي بأن تعود هذه المؤسسات إلى أصحابها.

2- عاش الناس أربعين سنة والقوى الخارجية المؤثرة تحاول إبعادهم عن محورهم الحقيقي إلى محور غريب، فوقع الناس في ضيق وعنت شديدين، ولا بد من إرجاع الناس إلى طبيعتهم ومحورهم الأصيل (فطرة الله) حتى يستقيم أمرهم ويتخلصوا من عقدهم.

3- إن التسميات المعاصرة مثل اليمين واليسار والوسط هي من اختراع الماسونية والصهيونية، وكلها مؤسسات تابعة لغرض واحد وهو أن تنحرف تركيا عن خطها الحضاري الذي عمره ألف سنة، وأنه لا بد من التخلص من هذه الأسماء الغريبة والعودة إلى الخط الأصيل الذي يصل الماضي التليد بالغد المشرق.

4- إن حزب النظام الوطني لا يشبه الأحزاب الأخرى، فجميع الأحزاب تقوم على أساس التسلط وشهوة الحكم، ونحن نقوم على أساس جديد يبتغي مرضاة الله والعمل في سبيل الوطن.

5- إن نظام التعليم في تركيا فاسد وضعته شرذمة من الحاقدين من الصليبيين واليهود بشكل لا يناسب الأمة، فهو يسقط من حسابه كل قيمة معنوية أو أخلاقية أو دينية غايته فصل تركيا عن ماضيها الإسلامي وسلخها عن دينها وقيمتها، وبهذه الطريقة فقط يستطيعون أن يقتلوا الجيل ويدمروا البلاد، لقد مرت خمسون سنة ونحن نسمع أن تركيا جزء من أوروبا، وأن النهضة لا بد أن تقوم على أنقاض الدين كما حصل في الغرب، متناسين أن الإسلام يختلف عن الكنيسة ودولة القسس.

6- في الوقت الذي تمنع الدولة فيه توزيع الكتب على المعاهد الإسلامية العالية وتحاول إغلاق معاهد الأئمة والخطابة ومدارس تعليم القرآن، تنفق الملايين على المسارح والممثلين وثمنًا للمشروبات التي توزع في السفارات، وفي الوقت الذي تعترض الدولة على الطالبات اللواتي يلبسن الحجاب على رءوسهن، تدرس كتب اللاهوت في كل مكان دونما رقابة أو ضجة, وهذا يعنى أن حزب النظام الوطني أكد العودة إلى الإسلام الحقيقي (4).

إن اليهود والعلمانيين في تركيا لم يتحملوا هذا الصوت الفتى الذي يتدفق بالحيوية والنشاط, ويحركه في قضاياه الإيمان العميق بالإسلام وبضرورة رجوع الشعب التركي إليه، لذلك تحرك الجيش التركي في آذار 1971م بسبب نشاط حزب العمال وأحال قضية حزب النظام الوطني إلى المحكمة الدستورية التي أصدرت قرارًا جائرًا بحل الحزب في 21مارس 1971م (5).

وقد جاء في قرار محكمة أمن الدولة العليا ما يلي:

1- إن المبادئ التي قام عليها الحزب وتصرفاته تخالف الدستور التركي.
2- العمل على إلغاء العلمانية في البلاد، وإقامة حكومة إسلامية.
3- قلب جميع الأسس الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تقوم عليها البلاد.
4- العمل ضد مبادئ أتاتورك.
5- القيام ببعض التظاهرات الدينية.

وجاء في حكم المحكمة أيضًا أنه لا يحق لأي من شخصيات الحزب أن تعمل من خلال أي حزب سياسي آخر، ولا أن يؤسسوا أي حزب جديد، ولا أن يرشحوا أنفسهم لأي انتخابات قادمة ولو بشكل مستقلين لمدة خمس سنوات. وهذا يعنى أن المدة بين نشوء الحزب وإغلاقه كانت ستة عشر شهرًا فقط (6).

وفي تلك الأحداث الساخنة والمشادة العنيفة بين الإسلام والعلمانية في تركيا ظهر المجاهد الكبير نجم الدين أربكان يخوض المعارك الكلامية مع العلمانيين؛ ففي 2آب 1972م وقبل تأسيس حزب السلامة الوطني تحدث أربكان في المجلس الوطني فقال: «في رأينا أن التوضيح المهم الأكثر ملاءمة لجعل الدستور دستورًا ديمقراطيًا، لا بد أن تكون هناك مواد دستورية مناسبة قبل تحديد الحركات وحقوق الفكر والمعتقد، وهكذا من الممكن إيجاد مناخ للتطبيقات الحالية والتي تتعارض مع المبادئ الأساسية للدستور، وفي مثل هذه الحالة، على المرء أن يتكلم عن وجود فكر الحرية والمعتقد، وأن دولتنا لتسعى وتنمو، ومن ثم لتأخذ مكانتها بين الأقطار الحضارية في العالم» (7).

كان أربكان يرى أن النظام الديمقراطي لا يعد ديمقراطيًا بدون الحقوق وحرية الفكر والمعتقد، وكان يقصد من وراء ذلك الحرية التامة لاستخدام نشر الأفكار الإسلامية، وقد فسرت كل من صحيفتي «جمهوريت» و «ملليت» العلمانيتين تصريحات وأقوال أربكان بأنها ذريعة لاستخدام الدين لأغراض سياسية (8).

لقد هاجم أربكان العلمانية واستفاد من الثغرات الموجودة في الدستور التركي, ورد على الحملة الإعلامية العلمانية الموجهة ضد أطروحاته فقال: (إن مصطلحات القومية والديمقراطية والعلمانية والاجتماعية، والتي تقوم عليها شخصية الدولة، واستنادًا إلى المادة الثانية من الدستور، إن هذا من الممكن توضيحه بأن هذه المادة لا تسمح باستخدام وتفسير المعارضة في الممارسة، وفي هذا المجال وبصورة خاصة مصطلح القومية بحاجة إلى توضيح، وهذا يعنى أنها بحاجة إلى تحديدها بطريقة تقوم على احترام جميع القيم الروحية لقوميتنا من حيث التاريخ والتقاليد) (9).

وأضاف أربكان قائلاً: «الدين هو معتقد أساسي ونظام فكري للأفراد، وهذا يعنى الاعتراف بحق الحرية والوجود والاعتراف بحقوق المعتقد للفرد، إن تحريم الشخص من هذه الأسس هو ضد الروح والمبادئ الأساسية للدستور وخاصة الفقرة (1) من المادة 19والمادة 20من الدستور» (10).

__________________
(1) الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا، د. أحمد النعيمى ص 184- 187.
(2) انظر: المعالم الرئيسية للأسس التاريخية والفكرية لحزب السلامة، عبد الحميد حرب ص 435، ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر، البحرين 22- 25/2/1985م.
(3) انظر: الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا، ص 126.
(4) انظر: الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا، ص 127.
(5) المصدر نفسه، ص127.
(6) انظر: الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا، محمد مصطفى، ص (185- 186).
(7) انظر: الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا، د.النعيمى، ص128.
(8) المصدر نفسه، ص128.
(9)المصدر السابق نفسه، ص128.
(10) المعالم الرئيسية للأسس التاريخية لحزب السلامة الوطني، ص 435.

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 78 مشاهدة
نشرت فى 9 يونيو 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,273