-----------------------
التوحيد
الألوهية
-----------------------
عبد الله بن فهد السلوم
بريدة
8/8/1419
جامع الجردان
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- عِظم فضل ونعمة الله تعالى على الإنسان 2- تعريف العبادة وأنها تقوم على أصلين عظيمين 3- الحكمة من مشروعية العبادات 4- العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة 5- كلام ابن القيم رحمه الله في منازل العبودية 6- الدلائل والعلامات للعبادة الصحيحة التي يتأثر بها القلب
-------------------------
الخطبة الأولى
عباد الله: أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل وخوفه ورجائه ومحبته بقلوبكم وجوارحكم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين .
أيها الإخوة: إن حق الله علينا عظيم وكبير، فمن الذي خلقك وسواك؟ ومن الذي أنعم عليك وأعطاك؟ ومن الذي وهب لك العيون والأرجل والأيدي ومتعك بالعافية وأعطى السمع والعقل؟ ومن الذي أجرى فيك الدم وسخر لك الخلايا والعروق والأعصاب والأنسجة؟ ومن الذي شفاك بعد المرض وأحياك بعد الموت؟ ومن الذي ترجوه أن ينجيك من النار ويهب لك الجنة فتسعد بها سعادة لا تشقى بعدها أبداً؟ وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها إن الله غفور رحيم قال ابن القيم رحمه الله: فإن من لم ير نعمة الله عليه إلا في مأكله وملبسه وعافية بدنه وقيام وجهه بين الناس فليس له نصيب من هذا النور البته، فنعمة الله بالإسلام والإيمان وجذب عبده إلى الإقبال عليه والتنعم بذكره والتلذذ بطاعته هو أعظم النعم، وكذلك النظر إلى أهل البلاء وهم أهل الغفلة عن الله والابتداع في الدين فإذا رأيتهم وعلمت ماهم عليه عظمت نعمة الله عليك في قلبك وعرفت قدرها حتى إن من تمام نعيم أهل الجنة رؤية أهل النار وما هم فيه من العذاب نعم أيها المسلم من الذي هداك وجعلك من الموحدين المصلين الصائمين الشاكرين الذاكرين؟ إن العبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وتقوم العبادة على أصلين عظيمين هما غاية الحب لله وغاية الذل لله فلا يكفي أحدهما في عبادة الله بل لابد من اجتماعهما حتى يحقق العبد العبودية لله لأنه بالمحبة والذل يحصل الإنقياد التام والإستسلام لأمر الله ومحبة ما عند الله حتى تنبعث الهمة في البحث والمسارعة والمسابقة إلى كل ما يرضي الله، فأنت إذا تعلقت بشخص فأعجبك وأحببته فإنك تكون دائم الذكر له تحب لقاءه والأنس بحديثه وتتشرف بخدمته ولا يمكن أن تعصي له أمراً أو تعمل ما يكرهه ويؤذيه، هذا العمل مع عبد مربوب فقير مثلك لايستطيع لك نفعاً ولا ضراً فلابد من أن يكون الله ربك وخالقك ورازقك ومحبك وهاديك ومعطيك ولابد أن يكون لله سبحانه أعظم القدر في نفسك وأشد التعلق في قلبك فتصرف له الحب كله والسعي كله والامتثال لأمره والابتعاد عن نهيه قال تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ومن عرف الله وأحبه وأطاعه قرت عينه بطاعة الله وفرح بذلك ووجد الراحة والطمأنينة في عبادة ربه أيها العبد العابد يامن تريد النجاة من النار ويامن تقصد بعملك وجه الله تفطن جيداً واعلم بأن الله شرع العبادات كلها لا لنؤديها فقط بأجسامنا وجوارحنا بحركة آلية ليس لها معنى ولا حكمة بل إن الله شرع العبادات لتحيا القلوب بذكر الله وتنشرح الصدور لمحبة الله وتنكف النفوس عن معصية الله وتستسلم الجوارح وتتوجه النفس والروح تريد رضوان الله وجنته الغالية هناك في النعيم المقيم في دار الكرامة في مقعد الصدق السالمة من الزوال والآفات، أيها الأخ الكريم لقد شرع الله الصيام من أجل حصول التقوى لله وشرعت الصلاة لتكون ناهية عن الفحشاء والمنكر وشرعت الزكاة لتكون طهارة للمال والنفس وشرع الذكر لتطمئن القلوب وشرع الحج لإقامة ذكر الله والتنقل بين المشاعر ليعمل القلب بين مواطن الرحمة عند البيت وفي عرفات وعند رمي الجمار.
أيها الإخوة وهكذا فإن كل عبادة شرعها الله لنا من أجل أن تحيا القلوب لتعظيم الله وتقديره حق قدره وعلى قدر معرفة العبد بربه يكون تعلق القلب به وعلى قدر جهل العبد بربه تكون غفلته وإعراضه قال العابد ابراهيم بن أدهم: والله لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف، ويقصد بالنعيم هو ما يجده العابد من لذة العبادة والتلذذ بذكر الله وحلاوة مناجاته ومحبته لربه والإقبال عليه والفرح بطاعته، وقال رسول الله : ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) وقال تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله .
أيها الإخوة: والعبودية تدور على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية التي هي منقمسة على القلب واللسان والجوارح وعلى كل واحدة منها عبودية خاصة والأحكام لكل واحدة خمسة أحكام واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك على كل شيء قدير.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد الله على إحسانه والشكر له على تفضله وامتنانه وأوحده وأستغفره وأثني عليه تعظيماً لشانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، قال ابن القيم رحمه الله: فأول منازل العبودية هي اليقظة وهي انزعاج القلب لروعة الإنتباه من رقدة الغافلين والله ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها وما أشد غايتها على السلوك فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح وإلا فهو في سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سبي منها فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم، ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم، وثاني منازل العبودية هو العزم الجازم إلى المسير ومفارقة كل قاطع ومعوق ومرافقة كل معين وموصل وثالث منازل العبودية هي الفكرة وهي نظر القلب نحو المطلوب الذي قد استعد له ورابعة المنازل هي البصيرة وهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقدنزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم وقد جاء الله جل جلاله وقد نصب كرسيه للفصل والقضاء وقد أشرقت الأرض بنوره ووضع الكتاب وجيئ بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم وتعلق كل غريم بغريمه ولاح الحوض وأكوابه وكثر العطاش وقل الوارد ونصب الصراط على متن جهنم للعبور عليه وقسمت الأنوار دون ظلمته والنار يحطم بعضها بعضاً والمتساقطون في الجحيم أضعاف أضعاف الناجين فينفتح في قلب العابدين عين يرى بها شاهد من شواهد الآخرة يرى دوامها ويرى الدنيا وسرعة انقضائها.
أيها الإخوة: ومن كان ذا بصيرة انكف عن هذه الدنيا وزخارفها وزينتها وشهواتها وويلاتها فلم يملأ بها قلبه ولم يشغل بها نفسه ولم يقض بها وقته وحتى تدخل محبة الله في القلب لابد من إخلاء القلب من الطمع في هذه الدنيا لأن الدنيا والآخرة طرفان لايجتمعان على حد سواء في القلب فمن قرب أحدهما بعد الآخر ولابد وعلى قدر محبتك لربك ونزول اليقين في قلبك بالآخرة على قدر ذلك يكون بعدك عن الدنيا والتعلق بها، وكان السلف رضي الله عنهم يملكون أشياء من الدنيا ويبيعون ويشترون ولكن الدنيا بين أيدهم والآخرة في قلوبهم وهذا على خلاف كثير منا اليوم الذين ملأو قلوبهم بأعراض هذه الحياة ومشاكلها وشهواتها وأطماعها فأصبح هم الآخرة في قلوبهم ضعيفاً وأثر العبادات على سلوكهم ضعيفاً وأصبحت محبة الله في القلوب ضعيفة وجعلوا لله فضول الأوقات والاهتمامات والأموال قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون أيها المسلم حاسب نفسك وتدبر في تعبدك لربك وإليك هذه الدلائل والمعلومات للعبادة الصحيحة التي يتأثر بها القلب فمنها الخشوع في كل عبادة بالتدبر لما تقول وقوة التعظيم له ومنها الحرص على كل سانحة من سوانح الخير والمسابقة والمسارعة إليها ومنها أن تستشعر النقص في عبادتك لتسارع إلى بذل المزيد لإكمالها بالنوافل ومجاهدة النفس على رعايتها وإحضار القلب فيها والخوف من نقصانها وردها ومنها الإلحاح في سؤال الله قبول العبادة إنما يتقبل الله من المتقين ومنها المحافظة على الإزدياد من النوافل التي تجبر نقص الفرائض وتسبب محبة الله لعبده وتسبب حفظ الله لعبده وإجابته لدعائه ومنها إستحضار الصدق والإخلاص له ومحاذرة الرياء والسمعة والعجب ومنها شدة العناية بالتأسي بالمصطفى في كل قول وعمل أيها الإخوة ومن العلامات على صحة العبادة أن تكون العبادة ناهية لصاحبها عن الفحشاء والمنكر ومطهرة له ومنها وقوع الخوف في قلب العبد من ربه فيخاف العبد من انصراف قلبه عن ربه ويخاف من خاتمته ويخاف من عدم قبول الله لعبادته ويخاف من مروره على الصراط المنصوب على متن جهنم ويخاف العبد من ذنوبه أن يعذبه الله بها ولايتوب عليه ويخاف العبد من الرياء والسمعة ومن العلامات على صحة العبادة وجود لذة العبادة في القلب وانشراح الصدر لها والرغبة في المزيد ومنها والفرح بالأعمال الصالحة والسرور بها والندم والكراهية للسيئات والتوبة منها.
أيها الإخوة وختاماً فاستمعوا إلى ما يعين على تحقيق العبودية لله ويقوي الإيمان في القلب فمن ذلك الإقبال على القرآن الكريم تلاوة وتدبراً وحفظاً وكذلك الإكثار من ذكر الله ودعائه والاستغفار وكذلك الصبر على العبادة وتحمل المشقة ومجاهدة النفس على ذلك لأن النفس تريد الكسل والنوم والتسويف قال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقال تعالى: فاعبده واصطبر لعبادته وكذلك الاجتهاد في طلب العلم الشرعي النافع وتعظيم أوامر الله ونواهيه وعدم التساهل في شيء منها سواء كان كبيراً أو صغيراً وكان أحد الصالحين يحرص على صغائر العبادة ورقائقها ولا يدع منها شيئاً ويقول: أخشى أن يزيغ قلبي لأن الله يقول: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ومن الوسائل المعينة على تحقيق العباده الحرص على الخلوة بالله عز وجل والانكسار بين يديه والبكاء من خشيته قال ابن مسعود: (اطلب قلبك في ثلاث مواطن عند قراءة القرآن وعند مجالس الذكر وفي ساعة الخلوة فإن لم تجده فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لاقلب لك) وإن من أعظم الحرمان أن يحرم العبد لذة المناجاة والتمتع بالعبادة فقد يقول عاصي: إني أعصي الله ولم أر عقوبة عاجلة؟ والجواب: كفى بحرمانك لذة المناجاة والأنس بالله والتلذذ بذكره والفرح بطاعته كفاك بهذا عقوبة وأي عقوبة لأن لذة العبادة هي أعظم اللذات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى .
عباد الله: ثم صلوا وسلموا . .

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 64 مشاهدة
نشرت فى 2 يونيو 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,519