-----------------------
الإيمان
الإيمان بالرسل
-----------------------
ناصر بن محمد الجعشاني
غير محدد
4/1/1427
غير محدد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- لزوم محبة النبي . 2- دعوة القرآن إلى محبة النبي . 3- محبة النبي في السنة المطهرة.
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد: فإن محبة النبي من محبة الله تعالى، وهي لازم من لوازمها، كما أنها لازم من لوازم الإيمان، وشرط من شروط صحته، ولقد عرف أصحاب محمد حق محمد فأحبوه كما يستحق.
أيها المسلمون، إن من يقرأ القرآن الكريم ويطالع السنة المطهرة ليقف على الأمور التي تدعو إلى محبة النبي وتجبر من عرف رسوله بها على محبته وتوقيره وتعظيمه وإجلاله، فلنقف في هذه العجالة على شيء من ذلك.
أيها المؤمنون، لقد دعا القرآن الكريم إلى محبة النبي بأنواع الدعوات، فنبه إلى قدره، ولفت الأنظار إلى مكانته بين الأنبياء والمرسلين، وغير ذلك مما يجعل قارئ القرآن مجبرا محمولا على محبة النبي . والداعي إلى محبته كثير ووفير ولا بأس أن ننبه إلى بعضها.
أولا: اقتران لزوم محبته بلزوم محبة الله تعالى:
فالقرآن الكريم أوجب محبته كما أوجب محبة الله تعالى، فقرن لزوم محبة نبيه بمحبته عز وجل فقال: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24].
يقول القاضي عياض رحمه الله في كتابه الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: "فكفى بهذا حضّا وتنبيها ودلالة وحجة على إلزام محبته ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها ؛ إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله".
ثانيا: اقتران اسمه مع اسم الله عز وجل:
لقد نبه القرآن الكريم إلى مدى قربه من ربه تعالى، فهو عبده ورسوله، وهو خيرته في خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده، أعظم الخلق عنده جاها، وأسمعهم لديه شفاعة، وأحبهم إليه، وأكرمهم عليه.فقد قرن اسمه مع اسمه تعالى في فوز الطاعة فقال: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71]، وقرن اسمه مع اسمه في ضلال العصيان فقال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا [الأحزاب:36]، وقرن اسمه مع اسمه في منع الموادة لمن يحادّه عز وجل فقال: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22].
ثالثا: أن الله تعالى جعل اتّباعه وطاعته من لوازم طاعته ومحبته تعالى:
فقد وضع طاعته في طاعته فقال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ [آل عمران:31]، ونفى الإيمان عمن تشكّك في حكمه وتحرج فقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].
رابعا: أنه تفرّد في تزكية الله له من بين سائر من زكاهم الله جل وعلا:
فزكى الله لسانه فقال: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3، 4]، وزكى صدره فقال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]، وزكى عقله فقال: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2]، وزكى بصره فقال: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]، وزكى عمره فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72]، وزكى صفته فقال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، وزكى قلبه فقال: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، وزكى ذكره فقال: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، وزكى جليسه فقال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5]، وزكى صلاته فقال: إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]، وزكى فعاله فقال: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، وزكى خلقه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].
خامسا: بشارة الأنبياء بمبعثه عليه الصلاة والسلام:
فها هم يقولون: وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129]، بل بشرت الأنبياء بمقدمه ومجيئه كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، ورزقني وإياكم محبته ومحبة نبيه عليه الصلاة والسلام. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم.
-------------------------
الخطبة الثانية
أما بعد: أيها المسلمون، فلئن كانت هذه هي دعوة القرآن إلى محبته عليه السلام فلقد دعت السنة إلى محبته كذلك، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أن النبي قال: ((فو الذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)).
قال القاضي عياض كما في شرح مسلم للنووي: "المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة رحمة وشفقة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع النبي أصناف المحبة في محبته"، وقال ابن بطال رحمه الله: "من استكمل الإيمان علم أن حقّ النبي آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأنه به استنقذنا الله من النار وهدانا من ضلال".
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع رسول الله وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال عمر: لأنت ـ يا رسول الله ـ أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي : ((لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك))، فقال له عمر: فإنه الآن والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي : ((الآن يا عمر)).
قال سهل بن عبد الله التستري: "من لم ير ولاية رسول الله في جميع الأحوال ويرى نفسه في ملكه لا يذوق حلاوة سنته؛ لأن النبي قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه))".
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن النبي قال: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)). قال أحدهم:
يا رب إن ذنوبي في الورى كثرت…وليس لي عمل في الحشر ينجيني
وقد أتيتك بالتوحيد يصحبه…حبّ النبي وهذا القدر يكفيني
أيها المسلمون، وفوق هذا كلّه فقد ثبت أن له أعلى مراتب المحبّة من الله تعالى وهي الخلة كما صح عنه أنه قال: ((قد اتخذ الله عز وجل صاحبكم خليلا))، وقال: ((ألا إني أبرأ إلى كلّ خلّ مِن خلّه، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله)).
وللكلام بقية نكمله في الخطبة القادمة إن شاء الله...
نشرت فى 24 مايو 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش