التفكر في أسماء الله :
كذلك -أيها الإخوة-: مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلب النفس في رياض هذه الأسماء من أعظم الأسباب الجالبة للمحبة: أسماء الله وصفاته عظيمة، ما يكفي أن نطبع هذه الأسماء في أوراق صغيرة ويأتي الواحد يقرأها قراءة عادية ويضعها في مكان، لا. وإنما عليه أن يفكر في هذه الأسماء! ماذا تعني كلمة الرحمن؟! ماذا تعني كلمة الرحيم ؟! ماذا تعني السميع، البصير، الودود؟! الودود: المتودد إلى خلقه، إنها أسماء عظيمة إذا تأملنا في معانيها، وكل اسم له معنى يدل عليه تختلف عن الأسماء الأخرى مع ترابطها مع بعضها ودلالتها على ذات واحدة هي ذات الله عز وجل، هذه أشياء تجلب المحبة للنفس. لذلك كان المؤولة المعطلة بقايا الفرعونية والجهمية قُطَّاع الطرق ولصوص القلوب الذين يسرقون حب الله من قلوب عباده، وليس هذا الآن مجال الرد عليهم وتبيان شبههم، ولكن تأمل أسماء الله ومعرفة معانيها مهم جداً لمحبته عز وجل. ولذلك تفاوت الخلق بمنازلهم ومراتبهم في محبة الله على حسب تفاوت مراتبهم في معرفة الله والعلم به، فأعرفهم بالله أحبهم له، ولهذا (كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أعظم الناس حباً له، والخليلان من بينهم أعظمهم حباً، وأعرف الأمة، وأشدهم حباً لله؛ خليل الله محمد صلى الله عليه وسلم، وخليل الله إبراهيم) أفضل الأنبياء قاطبة محمد صلى الله عليه وسلم، ويليه في الأفضلية كما قال علماء السلف أهل السنة والجماعة : إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.
الانكسار والخضوع بين يدي الله عز وجل:
وأيضاً -أيها الإخوة- من الأشياء التي تجلب المحبة: الانكسار بين يدي الله عز وجل والتذلل له والخضوع والإخبات والانطراح بين يديه والاستسلام له: فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور، عندما ينكسر الإنسان أمام الله، ويُظْهِر الضعف والاستكانة، فإن الله عز وجل يجبر هذا الكسر، ويقوي هذا الضعف، ويغني هذا الفقر، وما أدنى النصر والرحمة والرزق من حال الإنسان المتذلل الكسير أمام ربه الذي يُظْهِر ضعفه وحاجته ولجوءه إلى الله عز وجل. يضرب ابن القيم رحمه الله مثلاً جميلاً لانطراح الإنسان أمام الله عز وجل، ثم إقبال الله على هذا الإنسان، يقول: " تأمل هذا الحال - وهذا الحال يُشْبِه ليس هو مثله بالضبط- فإن انطراح الإنسان وإقبال الله عليه كرجل كان في رعاية أبيه، يغذيه أبوه بأفضل الطعام والشراب واللباس، ويربيه أحسن التربية، ويرقيه على درجات الكمال أتم ترقية، فيبعثه أبوه في حاجة له، فيخرج عليه في الطريق عدو يأسر هذا الولد ويكتفه ويشد وثاقه، ثم يذهب به إلى بلاد الأعداء ويسومه سوء العذاب، ويعامله بضد ما كان أبوه يعامله أبوه، فهو يتذكر تربية أبيه، وإحسان أبيه، وبر أبيه به، وعطفه عليه، الفينة بعد الفينة -كلما يعذَّب يتذكر تلك الأيام- فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد نحره في آخر الأمر -يعني: ذبحه- إذ حانت منه التفاتة إلى ديار أبيه، فرأى أباه قريباً منه، فسعى إليه، وألقى نفسه عليه، وانطرح بين يدي أبيه، يستغيثه: يا أبتاه.. يا أبتاه.. يا أبتاه.. انظر إلى ولده وما هو فيه، ودموعه تستبق على خديه، قد اعتنقه أباه والتزمه وعدوه يسعى في طلبه حتى وقف على رأسه والابن منطرح متمسك بأبيه، فهل تقول أنت أيها الإنسان: إن والده يُسْلِمُه مع هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبين العدو؟! ". إنسان اجتاله الشيطان عن طريق الله، كان يمشي في طريق الله، والله عز وجل منعم عليه، يطيع الله عز وجل, ويرغب إلى الله عز وجل بالطاعات ويفعلها، ثم اجتاله الشيطان -انتكس هذا الرجل- وذهب الشيطان به ينـزله منـزلة بعد المنـزلة في العصيان حتى أوشك أن يهلكه ويقذفه في مهاوي الكفر والضلال، ثم إن هذا الرجل الذي أغواه الشيطان التفت وأحس بالله عز وجل قريباً منه ينتظر متى يتوب، فانقلع عن هذه الأشياء وفر من الشيطان وطرق الضلال إلى الله عز وجل معترفاً بذنبه مقراً، يطلب التوبة واللجوء إلى الله، هل يطرده الله عز وجل ويرده خائباً؟!
مجالسة المحبين الصادقين:
كذلك -أيها الإخوة-: مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب الثمرات من كلامهم كما يُنْتَقى أطايب الثمر، وهذه النقطة من الطرق العظيمة التي توصل إلى محبة الله: لذلك كان لا بد من الرفقة الصالحة، والجماعة الصالحة، ولا بد لكل إنسان بل يجب عليه فرضاً، خصوصاً في هذا العصر أن يبحث عن رفقة صالحة يـجتمع معهم ويجالسهم ويتعلم منهم وينتفع بهم: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63] .
اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والزهد في الدنيا :
اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من الأسباب العظيمة لمحبة الله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] . الزهد في الدنيا والتقلل منها من أسباب محبة الله: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: (إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلاً) -هذا الطعام الذي نأكله نحن الآن الغداء والعشاء هذا مثل للدنيا، كيف؟- يقول عليه السلام: (فانظر ما يخرج من ابن آدم، وإن قزَّحه وملحه قد علم إلى ما يصير) هذا الطعام تطبخه وتعتني فيه وتملحه وتحسنه وتعتني بطهيه، وترى شكله الآن جميلاً قبل أن تتناوله، فإذا أكلته كيف يخرج منك بعد ذلك؟! قاذورات ونجاسات، هكذا حال الدنيا. انظر إلى دقة الرسول صلى الله عليه وسلم في المثل، يضرب الطعام هذا بمثل الدنيا هذه، في البداية تكون جميلة، لكن ماذا تصير بعد ذلك؟!
الصدق في الحديث وأداء الأمانة وحسن الجوار:
كذلك -أيها الإخوة-: الصدق في الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يحب اللهَ ورسولَه أو يحبه اللهُ ورسولُه فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤدِّ أمانته إذا اؤتُمِن، وليُحسن جوار من جاوره). إن البحث مازال فيه أشياء كثيرة، فما هي الخصال التي يحبها الله عز وجل؟! ترجع إلى أحاديث كثيرة مثل: أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا، إن الله يحب كذا وكذا. أشياء كثيرة في القرآن والسنة، يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222] . لكن -أيها الإخوة- لا أرى الآن المجال لذكرها، لأن الوقت قد طال بنا، فنقتصر على ما ذكرناه فيما يتعلق بهذا الموضوع (محبة الله والطريق إليها). نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يحبهم ونحبه حق المحبة عز وجل، وأن يوفقنا إلى ذلك، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه عز وجل، وأن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة، وأن يوفقنا لطرق محبته وذكره حق الذكر والثناء عليه سبحانه وتعالى، وصلى الله على سيدنا محمد.
الأسئلة:
أخذ رأي المرأة عند الزواج:
السؤال: تقول السائلة: ما حكم أخذ رأي المرأة عند الزواج؟ الجواب: حكم الإسلام في أخذ رأي المرأة عند الزواج معروف وواضح، ألا وهو: أنه لا يجوز لولي المرأة أن يزوج ابنته أو أخته -مثلاً- إلا برضاها، إذا لم تكن راضية لا يجوز له أن يزوجها، ويأثم لو زوَّجها بغير رضاها؛ بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فسخ نكاح امرأة زوجها أبوها بدون رضاها جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تشتكي أنها لا تريد فلاناً وقد زوَّجها، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ارجعي) أرْجَعَها، فلا بد من أخذ رأي المرأة. لكن أحياناً قد يتقدم إلى الفتاة رجلان: - أحدهما مطيع لله عز وجل، يخاف الله عز وجل، تقي؛ لكن المرأة تقول: لا أريده. - ويأتي رجل آخر عاصٍ فاسق متلبس بالمعاصي؛ وتقول المرأة: أريد هذا. عند ذلك رأي المرأة لا قيمة له شرعاً ولوليها أن يرفض أي رجل يتقدم إليها إذا كان من غير أهل الصلاح. يقول الشيخ ابن عثيمين : " ولا يأثم ولي المرأة إذا رد كل خاطب فاسق لا يؤتمن على دينه، حتى لو بقيت المرأة بغير زواج طيلة حياتها " وهذا الكلام يريحنا تماماً عندما تعترض امرأة على أبيها وتقول له عندما تبلغ حد العنوسة: ما زوجتني.. أنت فعلت بي كذا.. أنت أوصلتني إلى هذه الدرجة.. أنت كذا.. أنت ضريتني.. أنت كذا.. لو أخذت فلاناً كنت الآن مبسوطة.. ولو أخذت فلاناً .. إلخ. هذا خطأ، إذا كان الرجل المتقدم عاصياً لله عز وجل.
جواز ترك الجماعة لعذر شرعي :
السؤال: أنا رجل أعمل في الجبيل وأعود إلى الخُبَر يومياً، والشركة التي أعمل فيها عندها حافلتان، الأولى تتحرك الساعة الثالثة والنصف، والثانية تتحرك الساعة الخامسة، والساعة الثالثة والنصف فيها إقامة الصلاة، فلو صعدت في الحافلة الأولى فلا أصلي العصر جماعة، ولو صليت العصر فسوف أنتظر ساعة ونصف حتى أرجع مع الحافلة الثانية، فما هو الحكم؟ الجواب: يقول الشيخ ابن عثيمين جزاه الله خيراً في هذا السؤال: " هذا عذر له في ترك الجماعة " إذا كان سيتأخر ساعة ونصف لكي يدرك الجماعة فإنه يجوز له أن يصعد في الحافلة الأولى ويصلي العصر هنا، طبعاً إذا كان سيمكنه؛ ولا يخرج الوقت إذا جاء، فيجوز له هذا.
كراهية التحدث بالرؤية السيئة:
السؤال: أحياناً يرى الإنسان أشياء طيبة وغير طيبة، فهل يحدث بكل ما يراه؟ الجواب: إذا كان طيباً يحمد الله، وإذا كان سيئاً يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان بعضه طيب وبعضه سيئ ماذا يفعل؟ أجاب عن هذا السؤال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: " يحمد الله على الجزء الطيب من الرؤيا أو هذا المنام، ويستعيذ بالله من الأشياء السيئة التي رآها.
حكم الأوراق المكتوب عليها (حاسب نفسك) أو ما شابهها:
السؤال: عن الأوراق التي مكتوب فيها (حاسب نفسك) وفيها: هل أديت صلاة الفجر في جماعة؟ هل صليت كذا ...؟ هل ... المحاسبة بالأسئلة، أظن رأيتموها؛ لأنها منتشرة ومطبوعة. الجواب: هذه يقول فيها الشيخ ابن عثيمين : " هذه من البدع، و السلف رحمهم الله تعالى ما حاسبوا أنفسهم بهذه الطريقة "، ويقول: " وللأسف كُتِبَت على هذه الأوراق آية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] ثم جاء بهذه الأسئلة الطويلة، يقول الشيخ ابن عثيمين : " هل هذه الآية نزلت بعد السلف ؟! " لا. هل السلف يعرفون في المحاسبة أقل منا، ونحن نعرف أكثر منهم ؟! لا. يقول: فهذه الأوراق أو المحاسبة بها بدعة، وهناك أيضاً بعض النماذج فيها سطور، وتضع (صح)، صليت (صح) ... (صح) ... (خطأ) وتجمع العلامات، إذا كنت أكثر من هكذا تصير طيِّباً، وما كنت كذا ... فهذه -أيها الإخوة- ليست من طرق المحاسبة الشرعية إطلاقاً، والشيخ ابن عثيمين يشدد فيها كثيراً، فقد: قال فيها كلاماً شديداً، ثم قال: " ما أحسن أن يأتي طلبة العلم إلى العلماء ويسألونهم عن مثل هذه الأشياء؛ حتى يبينوا هذه البدع للناس! وقال أيضاً من ضمن التعليلات قال: " أحياناً الإنسان يرى أنه إذا فعل طاعة في يوم معين بالنسبة له يستطيع أن يفعل أكثر من طاعة أخرى؛ ولكن هذه الورقة تلزمه؛ لا بد أن يفعل جميع البنود، مع أنه قد يرى أن فعل بند معين أكثر من مرة يعني: هو مُقْبِل عليه أكثر من فعل بند معين مثلاً. ومن ضمن الأشياء -مثلاً- قال: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أحب الصيام إلى الله صيام داوُد، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) قال: ومع ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصوم يوماً ويفطر يوماً، هل خالف الرسول صلى الله عليه وسلم الشرع؟ قال: لا؛ لكن كانت عنده شواغل تشغله على أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، كان يحتاج قوته ليستجمعها في الجهاد. وفي المعارك، وفي السفر، فما كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
حكم قراءة الإنجيل:
السؤال: هل يصح قراءة كتاب الإنجيل؟ ولماذا؟ أرجو التوضيح. الجواب: قراءة الكتب الأخرى المحرفة -وليس هناك أصلاً كتب ليست محرفة إلا القرآن الكريم- غير جائزة بتاتاً، فقد شنع الرسول صلى الله عليه وسلم على عمر تشنيعاً شديداً لما رأى في يده صفحة من التوراة، والذي يقرأ فيها كأنه يقول: إن القرآن ما يكفيني لذلك، وإنما يريد أن يتوسع. لو قال أحدهم: أنا أقرأ من باب حب الاستطلاع، نقول له: أيضاً ما يجوز. لماذا؟ لأنه قد يدخل في نفسك شيء من الشبه، وأنت تقرأ من باب حب الاستطلاع، فلو تقفل هذا الباب يكون أحسن. لكن أجاز بعض أهل العلم قراءة هذه الكتب في حالة واحدة وهي: لمن كان على علم يعني: كان عالماً في أمور الدين، وشبه اليهود والنصارى، فقرأها ليرد عليهم ويناقشهم، مثل ما يفعل الآن بعض كبار المفكرين من المسلمين يضطرون للمناظرات مع الكفار، ولا بد أن يقرءوا ليقول لهم: أنتم قلتم في كتابكم كذا، وهذا خطأ، أنتم تقولون: كذا، والذي في كتابكم يخالف... إلى آخره. فلا يجوز قراءتها إلا للعلماء من أجل مناظرة الكفار ودعوتهم إلى الله عز وجل.
ترك سماع الأغاني وحكم ترديدها سراً:
السؤال: بفضل من الله تركت الأغاني والموسيقى؛ ولكنني أردد الأغاني بيني وبين نفسي فهل هذا حرام؟ الجواب: طبعاً هذا الشيء واقعي، فالقضية ليست غريبة؛ لأن هذا الشيء يكون تلقائياً لماذا؟ لأن الإنسان عندما يعيش في جاهلية جهلاء يعني: في معاصٍ، وأغانٍ، ويرتكب جميع أنواع المعاصي، فالأغاني هذه يسمعها يومياً ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، في الطريق وفي السيارة وفي البيت، فكثرة السماع تطبع الأغاني في القلب طبعاً، ويحفظ الإنسان هذه الأشياء فيصير يرددها بين الحين والحين بغير حس أو شعور، بغير ما يشعر تجد لسانه ينطلق بالأغاني، هذا واقع، وعندما يهديه الله عز وجل تبقى في النفس -أيها الإخوة- رواسب من الجاهلية؛ لذلك كما يقول أحد كبار المفكرين في هذا العصر الأستاذ سيد رحمه الله تعالى يقول: " فلا بد للإنسان الذي يدخل عتبة الإسلام أن يخلع -الذي يدخل في الإسلام ويلتزم به- أن يخلع على عتبة الإسلام جميع ملابس الجاهلية ". من ملابس الجاهلية مثلاً: الأغاني، فالإنسان حتى بعد أن يمن الله عليه بالهداية والتوفيق؛ لابد أن تبقى فيه رواسب. أبو ذر رضي الله عنه مع صدقه وثبوت قَدَمِه في الإسلام حصل له موقف مع بلال رضي الله عنه، وقال له كلمة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنك امرؤ فيك جاهلية) فالآن -أيها الإخوة- هذه حال كثير من الإخوة الملتزمين، فإنه لا يزال في أنفسهم أو لا يزال في بعض النفوس رواسب جاهلية سابقة تظهر بين الحين والحين، وليس بغريب أن الواحد أحياناً وهو ملتزم ينتبه فجأة وإذا به يردد أغنية، لماذا؟ لأنه أساساً عندما كان في ماضيه الأسود كان يحفظ هذه الأشياء وقد ترسَّخت في داخله، فتنطلق منه أحياناً بغير شعور. فينبغي إذا حصل منه هذا أن يتوب إلى الله ويستغفره، ويحاول أن يجاهد نفسه قدر الإمكان، ويخلص نفسه من هذه الألبسة الجاهلية، وإلا فإن هذه الملابس ستثور عليه يوماً ما وتطغى عليه وينتكس ويعود إلى الماضي.
كفارة الحلف على شيء واحد أكثر من مرة:
السؤال: ما كفارة الحلف على شيء واحد أكثر من مرة؟ الجواب: قال العلماء إذا أقسم عدة أقسام على شيء واحد، ثم نكث بيمينه، فالكفارة واحدة، مثلاً: إنسان أقسم في يوم خمس مرات أنه لا يشرب السيجارة، يعني: أقسم خمس مرات، في الصباح، وفي الظهر، وفي العصر، وفي المغرب، وفي العشاء، ولكنه ما استطاع أن يصبر فشرب سيجارةً في الليل؟ فعليه كفارة يمين واحدة. أما إذا أقسم ثم نكث بيمينه، ثم أقسم ثم نكث بيمينه، هذا حالته مختلفة، نحن نتكلم على شخص أقسم أكثر من مرة على شيء ثم نكث فيه مرة واحدة فهذا عليه كفارة واحدة، كفارة يمين واحدة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89] وهذا لا يعني أنك عندما تصبح عليك كفارة تشرب السيجارة، لا. الكفارة تكون إلزاماً عليك بالإضافة إلى الإثم الذي ترتب عليه من شرب السيجارة.
الحل لترك سماع الأغاني:
السؤال: أنا والحمد لله أؤدي الصلاة وتوجد لدي الأشرطة الدينية؛ ولكن مشكلتي أنني أحاول ألا أسمع الأغاني، ولكن محاولتي تبوء بالفشل، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب: هذه المحاولات والحمد لله تدل على أنك اهتديت، وأديت الصلاة، وعندك أشرطة إسلامية طيبة تنتفع بها، وهذه مهمة -أيها الإخوة- إيجاد البديل، فالواحد عندما يكثر من سماع الأغاني ثم يتوب لا بد أن ينشغل بأشرطة أخرى طيبة، أشرطة أخرى فيها مثلاً: أشياء حماسية، أو فيها مثلاً: أناشيد حماسية، ليست بالأناشيد الصوفية الضالة -مثلاًَ- أو فيها -مثلاً- أخلاقيات أو تعلم النفس الشمائل الطيبة، لا بأس بهذا، وكذلك المحاضرات، والخطب المفيدة، لا بد من الاستبدال، لا بد من استبدال السيء بالحسن، أما المحاولات -يا أخي- فلا بد أن تجاهد نفسك، وكما ذكرنا أن الوصول إلى هذه المراتب يحتاج إلى مجاهدة، ويحتاج إلى شدة وإلى معاناة؛ ولكن يعتمد على ضعف الإيمان وقوة الإيمان. وليس هناك وصف سحري أول ما تستخدمه تترك الأغاني، هذا غير ممكن، لا بد من مجاهدة، ولا بد من الاحتكاك ومخالطة الأصحاب الطيبين الذين يشغلون وقتك بالعلوم النافعة والأشياء الطيبة عن سماع مثل هذه الأغاني، وحاول ألا تخلو بنفسك حتى يسوِّل لك الشيطان؛ لأن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد. وفقنا الله وإياكم لطاعته ومحبته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.



ساحة النقاش