دراسات شرعية
آثر السياق فى فهم النص
اعداد/ متولى البراجيلى
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعدُ :
ذكرنا أن جميع شرائع الدين ترجع إلى تحقيق مصالح ثلاثة ، هي :
1- درء المفاسد : وشُرع لها حفظ الضروريات الخمس : الدين، والنفس، والمال، والعِرض، والعقل.
2- جلب المصالح: وشُرع لها ما يرفع الحرج عن الأمة في العبادات والمعاملات وغيرها، وتلك هي المعبّر عنها بـ «الحاجيات».
3- الجري على مقتضى مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيَم، وشُرع لها أحكام (التحسينيات).
- ورأينا أن البحث في المصالح والمفاسد، هو بحث في صميم المقاصد، ثم انتقلنا إلى أقسام المصلحة -بالنظر إلى حكم الشرع فيها -: مصلحة معتبرة، مصلحة ملغاة، مصلحة مرسلة.
وانتقلنا إلى حجية المصلحة المرسلة واختلاف المذاهب فيها، فرأينا المذهب الأول الذي يرى أنها حُجة بشروطٍ، وقد تناولنا ذلك بالتفصيل في العدد السابق.
ونستأنف البحث، فنقول وبالله تعالى التوفيق:
المذهب الثاني: المصلحة المرسلة حجة مطلقًا، وهو مذهب الإمام مالك.
وأدلة هذا المذهب هي نفس أدلة المذهب الأول، ولكن بدون الشروط التي اشترطها أصحاب المذهب الأول.
- ويُردُّ على هذا : أنه لا يمكن الأخذ بالمصلحة المرسلة إلا بتلك الشروط التي ذكرناها؛ لأنه بعد الاستقراء والتتبع لفتاوى الصحابة، ومن جاء بعدهم من علماء الأمة وجدناهم يستدلون بالمصلحة، وهم قد راعوا تلك الشروط والقيود.
وكذلك فإن تلك الأدلة دلت على حجية المصلحة المرسلة، التي أخذ بها هؤلاء؛ حيث إنها منضبطة، ولم تدل على حجية المصلحة المرسلة مطلقًا؛ لأن هذا يؤدي إلى عدم انضباط من أخذ بها، مما يفتح مجال الأهواء والشهوات، فيقع في الزلل.
المذهب الثالث: أن المصلحة المرسلة ليست بحجة مطلقًا، وهو مذهب بعض الشافعية وبعض الحنابلة وبعض المتكلمين.
أدلة هذا المذهب
الدليل الأول: أن المصالح إما أن تكون معتبرة ، وإما أن تكون ملغاة ، والمصلحة المرسلة مترددة بينهما ، وليس جعلُها مع المعتبر بأولى من جعلها مع الملغى، فيمتنع الاحتجاج بها حتى يشهد لها شاهد يدل على أنها من قبيل المعتبر.
والجواب على ذلك : أنا لم نجعل المصلحة المرسلة مع المصالح المعتبرة مطلقًا، وبدون أدلة، بل جعلناها مع المصالح المعتبرة، وأنه يُحتج بها بأدلة وبشروطٍ قد رجحت اعتبارها على إلغائها، فيكون الاعتبار مظنونًا، والعمل بالظن الغالب واجب.
فائدة
الظن هو مطلق التردد بين أمرين أو أكثر.
فإذا استوى الأمران سمّاه الأصوليون شكًّا، وإذا ما ترجَّح أحدهما على الآخر سمَّوه ظنًّا.
وأما غالب الظن فهو مرتبة من الظن يترجح فيها أحد الأمرين (الجانبين) رجحانًا مطلقًا، يُطرح معه الأمر (الجانب) الآخر، فالظن الغالب هو الذي تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب.
فالأصل الذي تُبنَى عليه الأحكام هو اليقين، فإذا أمكن الوصول إليه، لم يجز العدول عنه ، ولكن إذا تعذر ذلك أو تعسر - وهذا هو الغالب - فإن غالب الظن يُجعل بمثابة اليقين فتُبنى عليه الأحكام.
وقد صاغ العلماء هذا في قاعدة : «ننزل غالب الظن منزلة اليقين» بصِيَغ مختلفة. ومن أدلة هذه القاعدة:
1- حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليها ، فقال : إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم ، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها. [متفق عليه].
وهذا الحديث من أصرح ما يدل على هذه القاعدة .
ووجه الاستدلال أن الرسول صلى الله عليه وسلم صرَّح بأنه يبني حكمه القضائي على ظاهر ما يقوم من حجة، وإن كانت قد تكون مخالفة لواقع الأمر.
ومما يشير إلى أن المطلوب أصلاً هو اليقين، قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إنما أنا بشر»؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد علَّل حكمه بالظاهر، وإن لم يطابق واقع الأمر، بكونه بشرًا، أي لا يعلم الغيب – إلا ما أوحى الله به إليه –، فدلَّ على أنه لم يمنعه من العمل باليقين – الذي هو الأصل – هنا إلا عدم قدرته على ذلك؛ لصفته البشرية صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «فإنما أقضي له بقطعة من النار» ، وهذا معناه أن المطلوب أصلاً موافقة الباطن ، لكن لما تعذر ذلك أُقيم الظن الغالب مقامه.
2- حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» [متفق عليه].
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: «وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر». [انظر فتح الباري: 13/186- 187، شرح النووي على مسلم 12/4- 7].
3- قوله تعالى : « وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ » [البقرة:282].
قال ابن العربي : قال علماؤنا : هذا دليل على جواز الاجتهاد، والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من الأحكام. [أحكام القرآن لابن العربي 1/254].
وكل ما دل على وجوب العمل بالشهادة فهو دليل لهذه القاعدة ، ولا خلاف بين العلماء في العمل بهذه القاعدة، فقد اتفق المسلمون على وجوب العمل بمقتضى الشهادة ، ونقل الإجماع على ذلك ابنُ قدامة في المغني. [المغني 13/123- 124].
وكل ما كان من قبيل الحكم بمقتضى شهادة الشهود فهو من باب العمل بالظن؛ لتعذر اليقين، والشهادة من أوسع أبواب تطبيق هذه القاعدة، ويدخل تطبيقها في مواضع عديدة، كالعمل بغلبة الظن في عدد ركعات الصلاة، أو أشواط الطواف ، أو في معرفة جهة القبلة، أو إزالة النجاسة غير المرئية.. إلى غير ذلك مما لا ينحصر.
- وقد اعُتبر أن بناء الأحكام على الظن الغالب من تيسير الشريعة على العباد ، فالله تعالى لم يكلّف عباده بتحصيل اليقين الذي يكون عليهم شاقًّا أو متعذرًا؛ بسبب نقص علمهم، وعدم إحاطتهم بالأمر على حقيقته في كثير من المواضع ليبنوا عليه الأحكام، بل جعل وسيلة ذلك ما هو في قدرتهم، وهو الظن الغالب؛ إذ لو كُلفوا تحصيل اليقين في مثل هذا الأمر ، لأدى ذلك إلى عَنَتهم ، وإلى ضياع كثير من الحقوق ، وإلى اضطراب شئون العباد. [انظر القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير: عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف 2/635- 642].
الدليل الثاني : فإن قيل: إنا لم نعلم أن الشارع قد حافظ على تحصيل المصلحة بأبلغ الطرق، فلم تُشرع المثلة في القاتل عمدًا وعدوانًا مع أن المصلحة تقتضيها؛ لأنها أبلغ في الزجر عن القتل، ولم يُشرع القتل في السرقة، وشرب الخمر، والقذف، مع أن المصلحة تقتضيه؛ لأنه أبلغ في الزجر عن العود لمثله.
فلو كانت المصلحة حجةً لحافظ الشرع على تحصيلها بأبلغ الطرق، ولكن لم يفعل شيئًا من ذلك، فلا تكون حجة.
فالجواب على ذلك : أن المصلحة حجة بالشروط والقيود السابقة الذكر في المذهب الأول، وما ذكرتم من الأمثلة لا تدخل في المصلحة المرسلة، بل إن كل ما قلتم هو من المصالح الملغاة؛ حيث تتكلمون في نصوص وحدود مقدرة، ولا اجتهاد مع النص.
الدليل الثالث: فإن قيل إن الحكم الشرعي هو المستند إلى دليل ، أو أي أصل شرعي، كالكتاب والسنة، والإجماع، والقياس، ونحو ذلك، فلو أثبت المجتهد حكمًا مستندًا إلى مصلحة بدون دليل شرعي كان حكمًا بالعقل المجرد، ووضعًا للشرع بالرأي والتشهي، وهذا ظاهر البطلان.
فالجواب على ذلك: أن المصلحة المرسلة حجة، والأدلة قد دلَّت على ذلك صراحةً، وتلك الأدلة هي: استقراء النصوص الشرعية، واستقراء فتاوى الصحابة وعلماء الأمة، ولو لم يُحتج بالمصلحة لخلت كثير من الحوادث عن الأحكام.
وهذه الأدلة الشرعية قد ثبت عن طريقها كثير من القواعد الأصولية: كحجية القياس، وخبر الواحد، وصيغ العموم، ونحو ذلك.
فلو كانت تلك الأدلة لا تصلح لإثبات المصلحة والاحتجاج بها للزم أنها لا تصلح لإثبات أي قاعدة أصولية، وهذا باطل.
- ثم إن الشروط المقيّدة للعمل بالمصلحة المرسلة بينت أن الأمر ليس بالعقل المجرد والتشهِّي والرأي، بل هو حكم بالشرع، ولا يخرج عن الشرع بحال.
حقيقة الخلاف بين المذاهب في العمل بالمصلحة المرسلة:
الخلاف في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة خلاف لفظي؛ لأن الجميع متفق على أن تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها أصل شرعي ثابت ، إلا أن الخلاف وقع في تسمية العمل بهذا الأصل والالتفات إلى تحقيقه – فيما لم يرد باعتباره أو إلغائه دليلٌ خاص – مصلحة مرسلة.
فبعضهم يسمي ذلك مصلحة مرسلة، وبعضهم يسمي ذلك قياسًا، أو عمومًا، أو اجتهادًا، أو عملاً بمقاصد الشريعة.
ومما يقرر أن الخلاف لفظيٌّ: الضوابط التي وضعها القائلون بالعمل بالمصلحة المرسلة. [معالم أصول الفقه للجيزاني: 238].
فالعلماء في المذاهب المختلفة يستدلون بالمصالح المرسلة، ولكن تختلف هذه المذاهب في التوسع والتضييق في الأخذ بها، فبعضهم اشترط للأخذ بها شروطًا – كما هو في المذهب الأول – وبعضهم استدل بها مطلقًا، كما في المذهب الثاني.
قال القرافي: أما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا (المالكية)، وإذا تفقدت المذاهبَ وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرّقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذه هي المصلحة المرسلة، فهي حينئذٍ في جميع المذاهب. [شرح تنقيح الفصول للقرافي 1/394].
وقال ابن دقيق العيد فيما نقله عنه الزركشي: نعم، إن الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع – يعني القول بالمناسب المرسل (المصلحة المرسلة)- ويليه الإمام أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرها من اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في استعماله على غيرهما. [انظر: البحر المحيط 3/241- 22].
والحاصل أن أصحاب المذهبين الأول والثاني جعلوا المصلحة المرسلة من أدلتهم المعتبرة، إلا أن أصحاب المذهب الثاني قد توسعوا في الاستدلال بها، بخلاف أصحاب المذهب الأول، فقد ضيّقوا فيها على حسب الشروط والضوابط التي ذكرناها، وهذا هو الراجح، والله أعلم. [انظر: المهذب في علم أصول الفقه: 2/1011، 1014].
أثر الاختلاف في الأخذ بالمصلحة المرسلة في العمل ببعض الفروع الفقهية:
1- قتل الجماعة بالواحد: استدل المحتجون بالمصلحة المرسلة على قتل الجماعة بالواحد؛ حيث قالوا: إنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى اتساع القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر، فاقتضت المصلحة قتلهم به.
أما من لم يأخذ بالمصلحة، فلم يرَ ذلك، بل قال: لا تُقتل الجماعةُ بالواحد ؛ حيث إن الآية دلّت على أنه لا يُؤخذ بالنفس أكثرُ من نفسٍ واحدة.
فائدة:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لو تواطأ جماعةٌ على قتل واحدٍ معصوم الدم؛ فإن الجميع يُقتلون بالفرد الذي تم التواطؤ على قتله؛ لما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قتل سبعة من صنعاء قتلوا رجلاً، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا. وأثر عمر أخرجه البخاري تعليقًا ووصله ابن حجر في فتح الباري 2/227، وأخرجه البيهقي – واللفظ له – وصحح إسناده. [انظر الموسوعة الفقهية 33/271].
وكذلك قتل عليّ رضي الله عنه ثلاثةً بواحدٍ، وقتل المغيرة سبعةً بواحد، ولم يُنْكَر عليهم. [الموسوعة الفقهية 15/282].
2- تغريب المرأة البكر إذا زنت: استدل الإمام مالك بالمصلحة على أن المرأة البكر لا تُغرَّب (تُنفي من بلدها) إذا زنت؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، فإذا غُرٍّبًت بغير محرم كان ذلك إغراءً لها بالفجور، وتضييعًا لها، وذلك ينافي قصد الشارع من وجوب الحد؛ لأنه ما شُرع إلا زجرًا عن الزنا، وإن غُرِّبَت المرأة بمحرم أدى ذلك إلى عقاب مَن لا ذنب له، وإن كُلفت أجرته، ففي ذلك زيادة على عقوبتها.
أما بعض العلماء، فلم يأخذ بالمصلحة هنا، وأوجب التغريبَ على المرأة كغيرها؛ مستدلاً بعموم حديث عبادة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام». [رواه مسلم].
فائدة:
بالنسبة للتغريب، فيه ثلاثة أقوال:
القول الأول: الوجوب في حق الرجل والمرأة، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وزاد الشافعية أنه إذا خِيفَ إفساد المغرَّب قُيِّدَ وحُبس في منفاه.
القول الثاني: أن التغريب واجب في الرجل دون المرأة، فلا تُغَرَّب؛ خشيةً عليها، وينبغي حبس الرجل وجوبًا في منفاه، وهذا مذهب المالكية والأوزاعي.
القول الثالث: أن التغريب من باب السياسة والتعزير، وذلك مفوّض إلى الحاكم، وهذا مذهب الحنفية. [الموسوعة الفقهية 16/305].
الإمام مالك والمصلحة المرسلة:
رأينا من أقوال أهل العلم أن المصلحة المرسلة ليست مقصورة على المذهب المالكي – كما هو شائع-، بل أخذت المذاهب المختلفة بها بشكلٍ أو بآخر.
كما أن الإمام مالكًا لم يبتدعها، وإنما استفادها من عمل الصحابة بها.
يقول الغزالي (وهو شافعي المذهب): «الصحابة رضي الله عنهم هم قدوة الأمة في القياس، وعُلم قطعًا اعتمادُهم على المصالح». [المنخول في أصول الفقه ص 353].
وما قاله الغزالي قاله شيخه أبو المعالي – في مبحث الاستدلال – من كتابه «البرهان»، حيث سلّم بحُجية الاستدلال المصلحي؛ لأن ذلك من عمل الصحابة رضي الله عنهم، وهو كثير في فقههم، وفتاويهم. [نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي 1/64].
- فكما سبق – أن العبارة الجامعة لمقاصد الشارع كلها، هي: جلب المصالح ودرء المفاسد، وهذا مطرد في جميع أحكام الشريعة، واطراده أظهر ما يكون في أحكام العادات والمعاملات، فالمصلحة في المذهب المالكي ليست هي مجرد الأخذ بالمصلحة فقط حيث لا نص ولا قياس ، بل هي استحضار للمصلحة عند فهم النص ، وعند إجراء القياس، فضلاً عن حالات إعمال المصلحة المرسلة.
وكذلك أيضًا في سائر المذاهب إلا الظاهرية، غير أن المذهب المالكي، كان أصرح وأوضح في مراعاته للمصالح ، باعتبارها المقصد العام للشريعة، والمقصد الخاص لكل حكم من أحكامها، وخاصة في أبواب المعاملات والعبادات.
أمثلة على العمل بالمصلحة:
المثال الأول: عن البيوع:
من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كثير من البيوع؛ لما يكتنفها من جهالة ومخاطرة، ولما تُفضي إليه من غَرر وغَبْن في حق أحد المتبايعين، وهذا يقتضي الوضوح التام، والتحديد المضبوط في المبيعات وصفاتها، وفي الأثمان والآجال... إلى غير ذلك.
ولكن هناك حالات كثيرة جدًّا، يتعذر فيها – أو يعسر جدًّا – توفير هذه الشروط، والالتزام بها، فتصبح مصلحة المتبايعين، التي هي المقصودة بتلك الشروط، تستدعي التساهل فيها، والتغاضي عن بعضها، مما هو متعذر أو عسير.
وهنا اتجاهان: اتجاه يميل إلى مراعاة المصلحة، ودفع الحرج والضرر، ويمثله الفقه المالكي، فالحنفي.
واتجاه يميل إلى المحافظة على الشروط الأصلية مهما يكن من أمر.
ومن هذا الباب: أن مالكًا يجوِّز بيع المغيَّب في الأرض كالجزر واللفت، وبيع المقاثي (نوع من المزروعات كالبطيخ ونحوه) جملةً، كما يجوّز هو والجمهور بيع الباقلاء (الحبوب) ونحوه في قشره.
والغرر هنا غررٌ يسير، جائزٌ مثلُه في البيوع، لا يؤثر، والحاجة تدعو إليه، وحملوا النهي عن الغرر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على الغرر الكثير ، من جهة، ومن جهة أخرى على ألا يكون فيه ضرر يفوق الضرر المقصود بالنهي.
وفي معنى الضرر المنهي عنه في الأحاديث، يقول الحافظ ابن عبد البر (المالكي): «وجملة معنى الغرر: أنه كل ما يتبايع بها المتبايعان مما يدخله الحظر والقمار، وجهل معرفة المبيع، والإحاطة بأكثر أوصافه، فإن جهل منها اليسير، أو دخلها الغرر في القليل، ولم يكن القصد إلى مواقعة الغرر، فليس من بيوع الغرر المنهي عنها؛ لأن النهي إنما يُتوجه إلى من قصد الشيء واعتمده». [الكافي في فقه أهل المدينة 2/735]. وللحديث بقية إن شاء الله .
والحمد لله رب العالمين.
المصدر: التوحيد
نشرت فى 21 إبريل 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش