جمال سلطان | 27-03-2012 18:20

على مدار الأشهر الثلاثة عشر السابقة والتى تولى فيها المجلس العسكرى مهمة إدارة المرحلة الانتقالية فى مصر برهن العسكريون المصريون على قدر عال من الإحساس بالمسؤولية والانضباط، وصلابة نفسية ومعنوية ساعدت على ضبط النفس واستيعاب توترات المرحلة الحرجة فى عمر الوطن، التى تموج بالغضب والقلق والخوف، من كل القوى السياسية وتقاطعاتها وتباين رؤاها للإصلاح ومسارات الثورة، وكنت ألاحظ أن بيانات "العسكرى" تحرص على عدم الاصطدام المباشر بأى قوة سياسية مهام صغرت أو كبرت، وعلى أن تكون عبارات بياناته محسوبة ودقيقة، ورغم الاستفزاز الشديد الذى أعترف بأن المجلس العسكرى واجهة من قوى شبابية غير مسؤولة، إلا أنه حافظ على تجنب الانزلاق إلى المهاترات والاستجابة لهذا النزق الشبابى، ولعل هذا ما جعل غالبية المصريين يتسامحون مع أخطاء "العسكرى" المتكررة مقدرين صعوبة المرحلة وأن أى مؤسسة أخرى ستخطئ أيضًا وربما بصورة أكثر فداحة.

ولذلك كانت صدمتى شديدة من البيان الأخير الذى صدر عن المجلس العسكرى فى معرض رفضه لمحاولات بعض القوى التشكيك فى جديته لإنجاز انتخابات رئاسة الجمهورية بشفافية ونزاهة وتسليمه السلطة فى النهاية للمدنيين، وأسوأ ما جاء فى بيان العسكرى هو تحذيره لبعض القوى من تكرار أخطاء الماضى، وهى إشارة فهم منها لغة تهديد مبطن مستلهمة تجربة الصدام بين الإخوان المسلمين والقادة العسكريين لحركة الضباط فى 1952، ومثل هذا التهديد المبطن كان خطأ فادحا من المجلس العسكرى، ويعنى أنه فقد قدرا غير قليل من توازن خطابه السياسى، أو أن البعض نجح فى استدراجه إلى مهاترات لا تليق بمؤسسة وطنية لها كل هذا العمق والاحترام والتاريخ، فالمجلس العسكرى الذى يستبطن هذا التهديد هو فى جوهر الأمر لا يوجهه إلى قوى بعينها، سواء الإخوان أو غيرهم، وإنما يوجهه إلى الوطن كله، وإلى الثورة الشعبية فى صميمها، لأن الالتزام بالإصلاح أو نقل السلطة أو احترام الديمقراطية لا يتصل بالإخوان أو بغيرهم، وإنما بالوطن كله وجميع قواه، وكذلك أى انتكاسة أو تراجع أو تلاعب لن يكون المتضرر منه قوة بعينها أو حزب أو قطاع، وإنما الوطن كله، وهذا ضرب فى الصميم للمشروع الديمقراطى واستباحة للجميع، وأتصور أن مثل هذا الخطاب يخدش من مصداقية المجلس العسكرى وربما يضع علامات استفهام حول بعض نواياه، لأن من يتصور أنه يستطيع أن "يمنح" أو "يمنع" فى الديمقراطية يكشف عن ضعف إدراكه بأنه أمام ثورة شعب، ووهجها ممتد لسنوات مقبلة، والتقديرات الخاطئة والحسابات غير الدقيقة يمكن أن تكون عواقبها وخيمة، وأعتقد أن درس نظام مبارك وحساباته الخاطئة للواقع والحراك الشعبى ما زالت حاضرة فى الأذهان، ولا يصح تكرارها، وبالتالى فالاتعاظ بالتاريخ ينبغى أن يوجه إلى الجميع.

على الجانب الآخر، فهناك مسؤولية وطنية كبيرة على الإخوان وحزب الحرية والعدالة، لأن الغالبية السياسية ليست مجرد تشريف، وإنما تكليف ومسؤولية أخلاقية خطيرة، فلا يصح أن يتصرف حزب أو جماعة منحها الشعب ثقته وعلق عليها آماله بذلك المستوى من الرعونة والتراشق الإعلامى فى ملفات خطيرة بناء على إشاعات أو تسريبات صحفية مشبوهة، كما لا يليق بالجماعة أن تهرب من مشكلاتها الداخلية بإثارة الغبار "الخطر" وافتعال مواجهة لا معنى لها مع المؤسسات الوطنية المختلفة، وعلى الجماعة أن تدرك وتستوعب أنها الآن ليست "جماعة سياسية محظورة" ومطاردة أمنيا وسياسيا فيتعاطف معها المتعاطفون، ولكنها شريكة فى إدارة شؤون الحكم فى مصر، ولن يغفر لها الناس ولا التاريخ أى تعامل مستهتر مع تحديات الوطن الراهنة، وعليها أن تحل مشكلاتها الداخلية بعيدا عن الوطن ومؤسساته، فالبلد "مش ناقصة".


[email protected]

 

اشتراكك في خدمة أخبار المصريون العاجلة على الموبايل يصلك بالأحداث على مدار الساعة

لمشتركي فودافون : أرسل حرفي mo إلى 9999 ـ الاشتراك 30 قرشا لليوم
لمشتركي اتصالات : أرسل mes إلى 1666 ـ الاشتراك 47 قرشا لكل يومين (23.5 قرشا لليوم)

 

 

اضف تعليقك
الاسم :

عنوان التعليق:

التعليق:

أرسل التعليق

تعليقات حول الموضوع

لا مش اشاعات ولكن حقائق

مصرية | 27-03-2012 20:13

الخلاف الأخير بين المجلس العسكري والإخوان المسلمين يرجع إلي أن العسكر طلب من الإخوان صراحة تضمين الدستور الجديد نفس المادتين 9 و 10 في وثيقة السلمي واللتان تنصان علي استقلالية و سرية ميزانية الجيش و عدم مناقشتها أو خضوعها لأي رقابة مدنية بما فيها رقابة البرلمان، وأن يكون نظام الدولة نظام رئاسي وإلتزام الإخوان بعدم دعم أي مرشح إسلامي وعدم الدفع بمرشح من الجماعة ونص صريح في الدستور الجديد يضمن حصانه دستورية للمجلس العسكري يضمن عدم محاسبته بعد تسليم السلطة والكف عن المطالبة بإقالة حكومة الجنزوري

 

 

مشكلة المجلس العسكرى بالفعل هى إحساسهم القوى الراسخ بحقهم فى "المنح" أو "المنع"!!ا

سمير كمال - كندا | 27-03-2012 19:28

وهذا الإحساس نابع من ميراث ٦٠ عاماً من السلطة المطلقة والسيادة الكاملة على مقدرات مصر وشعبها ... أعضاء المجلس العسكرى كلهم ولدوا أثناء أو بعد انقلاب ٥٢ (باستثناء طنطاوى الذى ولد أيام ثورة عرابى أو بعدها بقليل!!) وبالتالى فهم لا يعرفون إلا حكم المؤسسة العسكرية ولم يروا إلا رئيساً عسكرياً ... وأعتقد جازماً أنهم بينهم وبين أنفسهم لا يصدقون أن هناك ثورة وأنهم سوف يسلمون السلطة طواعية إلى رئيس مدنى منتخب!!, وهذا هو سبب التردد والمماطله ووثيقة السلمى ثم التهديد الأخير الخطير بقلب الطاولة على الجميع

 

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 58 مشاهدة
نشرت فى 27 مارس 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,477