-----------------------
العلم والدعوة والجهاد, قضايا في الاعتقاد
البدع والمحدثات, القرآن والتفسير
-----------------------
محمد بن عدنان السمان
الرياض
13/6/1425
جامع الجهيمي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- ضرورة الرجوع إلى كتاب الله تعالى. 2- وقفة مع آية: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ. 3- أقوال أهل العلم في تفسير الآية. 4- حرص الشيطان على إضلال المنتسبين للصلاح. 5- بداية افتراق الأمة. 6- إبطال استدلال الفئة الضالّة بحديث: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)).
-------------------------
الخطبة الأولى
وبعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن تقواه سبحانه وتعالى هي الطريق الموصل للجنّة والمبعِد عن النار.
ما أحوجنا ـ عباد الله ـ أن نعودَ لكتاب الله في كلّ وقت، نستقي من نوره ونستظلّ بآياته، نتلوها ونتدارسها، ففي هذا الكتاب نور لمن أراد النور، وهداية لمن أراد الهداية، وعِزة لمن أراد العِزّة.
دعونا اليوم نقف مع القرآن هذه الوقفةَ التي أحسِب أننا محتاجون إليها في هذا الوقت أكثرَ من أيّ وقت مضى. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7]، هذه آية من كتاب الله وضّحت الحدودَ ورسمت المناهج، وهذه جملةٌ من أقوال أهل التفسير ممن نحسَبهم من الراسخين في العلم في معنى هذه الآية الكريمة:
أولها وأعظمها ما أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7]، قالت: قال رسول الله : ((إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابَه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم)).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (المحكمات ناسخُه وحلالُه وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمَر به ويعمَل به).
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: "يخبر تعالى أنّ في القرآن آياتٍ محكمات هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ أي: بيّنات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخَر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما أشتبه إلى الواضح منه وحكّم محكمَه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه".
وقال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره: "يخبر تعالى عن عظَمته وكمال قيّوميّتِه أنه هو الذي تفرّد بإنزال هذا الكتاب العظيم الذي لم يوجَد ولن يوجَد له نظير أو مقارب في هدايته وبلاغته وإعجازه وإصلاحه للخلق، وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البيّن الذي لا يشتبِه بغيره، ومنه آيات متشابهات تحتمل بعضَ المعاني ولا يتعيّن منها واحد من الاحتمالين بمجرّدها حتى تضَمَّ إلى المحكم، فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم يتّبعون المتشابِهَ منه، فيستدلّون به على مقالاتهم الباطِلة وآرائهم الزائفة طلبًا للفتنة وتحريفًا لكتابه وتأويلا له على مشاربهم ومذاهبهم ليَضلّوا ويُضلّوا، وأما أهل العلم الراسخون فيه الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم فأثمر لهم العمل والمعارف فيعلمون أنّ القرآن كلَّه من عند الله، وأنه كلّه حقّ محكمه ومتشابهه، وأنّ الحقَّ لا يتناقَض ولا يختلِف، فلعِلمهم أنّ المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان يردّون إليها المشتبِهَ الذي تحصل فيه الحيرة لناقِصِ العلم وناقص المعرفة، فيردون المتشابهَ إلى المحكم، فيعود كلّه محكما ويقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا".
لقد اختلفت أقوال أهل العلم: هل الراسخون في العلم يعلمون المتشابهَ أم هذا مما اختص الله تعالى بعلمه؟ على قولين مشهورين بالإيجاب والنفي، وأدلتهم مبسوطة في كتب التفسير، لكنهم اجتمعوا على أمرٍ مهمّ وهو أن ميزة الراسخين في العلم أنهم جمعوا بين الفقه في الدين وعلم التأويل.
عباد الله، يحرِص الشيطان في كلّ زمان على إغواء البشرية بأيّ طريقة كانت، حتى أنه يكون إغواؤه لمن ادّعى الصلاح وسلك مسلكه، يزيّن له بعضَ المشتبهات حتى يعدّها محكمًا من المحكمات.
أيّها المسلمون، كانت الأمة في عهد النبوة مجتمعة على كلمة واحدة، القرآن منهجها، ورسول الله قائدها، ثم لما ظهرت البدع بدأت الأمة بالتفرق، ولنستَمع إلى الإمام ابن كثير رحمه كيف يحكي عن هذا الأمر ويوضحه وهو في معرَض كلامه عن تفسير الآية التي عليها مدار حديثنا فيقول رحمه الله: "فإنّ أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبَب الدنيا حين قسَم النبي غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدِل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة فقال قائلهم وهو ذو الخوَيصرة بقرَ الله خاصِرته: اعدل فإنّك لم تعدل، فقال رسول الله : ((لقد خِبت وخسِرت إن لم أكن أعدِل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟!)) فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب ـ وفي رواية: خالد بن الوليد ـ في قتله فقال: ((دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا ـ أي: من جنسه ـ قوم يحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءتَه مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقِيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم))، ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقتلهم بالنهروان، ثم تشعّبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشِرة، ثم انبعث القدريّة ثم المعتزلة ثم الجهمية وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: ((وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)) قالوا: وما هم يا رسول الله؟ قال: ((من كان على ما أنا عليه وأصحابي)).
أيّها المسلمون، وكانت الفتن والمشتبهات في تلك العصور والأزمان لها من يتصدّى لها ويوضّح فيها الحقّ لإنه لن يخلوَ زمن بإذن الله من أهل العلم الراسخين فيه. وإنّ المشتبهَ لما يشيع ويُعمَل به ينبغي للعالم أن يبيّنَه. وقد بيّن علماء أهل هذه البلاد وما زالوا يبينون كلّما عرض من المستجدات ما يحتاج إلى وقوفهم معها، وإن الشيخ المسدّدَ صالح بن فوزان الفوزان رعاه الله كان له جملة من المحاضرات والدروس والكلمات في هذا المجال نفعنا الله بعلمه، وإنّ من معرض كلماته وفّقه الله مقالة عنوَن لها بعنوان: "الاستدلال الباطل وآثاره المدمّرة"، وكان من كلامه حفظه الله: "وكلام الله يفسِّر بعضه بعضًا، ويوضح بعضه بعضًا... وأما أهل الزيغ والضلال فإنهم يستدلّون بالمتشابه من الكلام كما قال الإمام أحمد رحمه الله: ويتركون المحكم ابتغاءَ الفتنة، ويقطعون ما أمر الله به أن يُوصَل، ويفسدون في الأرض، ويقولون نحن استدلَلنا بالقرآن، وهم في الحقيقة لم يستدلّوا بالقرآن، وإنما أخذوا طرَفًا وتركوا الطرَف الآخر، مثل الذين يستدلّون بقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ [الماعون:4] على ترك الصلاة، ولا يأتون بالآية التي بعدها وهي: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:5]، وقد لا يكون هؤلاء أهل زيغ وإنما هم أهل جهلٍ وتعالم وحماسٍ جاهل، وليسوا من الراسخين في العلم، ولا يرجعون إلى أهل الرسوخ في العلم، فيقعون في الهلاك ويُوقعون غيرهم فيه..."، ثم جاء وفقه الله بمثال يؤكّد به ما قال، لعلنا نرجئه إلى -------------------------
الخطبة الثانية بإذن الله.
نفعني الله وإياكم بالكتاب والسنة، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله اللطيف الخبير العلي الكبير، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصيته للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131].
أيها المسلمون، لقد تقدّم معنا في -------------------------
الخطبة الأولى وقفاتٌ مع قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ، وذكرنا جملة من أقوال أهل العلم في تفسير هذه الآية، وتوقفنا عند كلام الشيخ صالح الفوزان وفّقه الله.
فبعد المقدّمة التي ذكرها والتي ذكرنا جزءًا منها في -------------------------
الخطبة الأولى نورِد ها هنا المثال الذي أورده الشيخ وفقه الله تأكيدًا لكلامه، فيقول حفظه الله: "خُذ مَثلاً في وقتنا هؤلاء المخرِّبين الذين روّعوا العبادَ وأفسدوا في البلاد وصاروا يفجِّرون المباني وينسِفونها على من فيها ويقتُلون الأنفسَ التي حرّم الله قتلَها إمّا بالإيمان وإمّا بالعهد والأمان, ويستدلّون بقوله : ((أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب))، ولم يعلموا:
أولاً: أن هذا الخطاب لولاةِ الأمور وليس هو خطابًا لكلّ أحد من الناس بدليل أنّ الصحابة رضي الله عنهم لم يفعَلوا ذلك أفرادًا، وإنما الذي قام به عمر بن الخطاب الخليفة الثاني، فدلّ هذا على أنّ هذا الخطاب يتولى تنفيذَه وليّ الأمر إذا رأى المصلحةَ في ذلك وأمكنه تنفيذه.
ثانيًا: الرسول قال: ((أخرِجوهم)) ولم يقل: اقتلوهم واغدروا بهم إذا أمنتموهم، بل إنّ الله سبحانه قال لنبيه : وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، وإبلاغه مأمنه أن يوصَلَ إلى بلاده آمنًا؛ لأن الإسلام دين الوفاء، لا دين الغدر، قال النبي : ((من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين سنة)) خرجه في الصحيح.
ثالثًا: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب لا يمنع استقدامَهم لأعمال يقومون بها، ثم يرجعون إلى بلادهم إذا انتهت مهمّاتهم كالسفراء والعمّال والتجار وأصحاب الخبرات التي يحتاجها المسلمون وليس عندهم من يقوم بها، فقد استأجر النبي مشركًا يدلّه على طريق الهجرة، واستدان من يهوديّ في المدينة، وجاءه نصارى نجران ودخلوا عليه في مسجده وتفاوضوا معه، وربط ثمامة بن أثال في المسجد وهو مشرك" ا.هـ.
اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين...

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 79 مشاهدة
نشرت فى 15 فبراير 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,615