د. بليغ حمدي إسماعيل | 12-02-2012 14:24
منذ دخول القوات الأمريكية العراق في التاسع أبريل من عام 2003م والسياسة الأمريكية تسجل سطراً جديداً في الفشل والتخبط نحو تطبيق استراتيجياتها العلانية والخفية في الوطن العربي باستثناء دولة قطر التي هي خير دليل دامغ على التوأمة القطرأمريكية .
فالولايات المتحدة الأمريكية تثبت أن زمام الإدارة السياسية لعملائها بالمنطقة قد قد افلت وهرب بعيداً عنها ، وبدلاً من أن كانت قديماً منذ منصف تسعينيات القرن الماضي تتسيد المشهد السياسي وتمسك بزمام المبادة في الحراك الاجتماعي للدول العربية من خلال جمعياتها ومنظماتها الممولة من خلالها .
وتقريباً منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والولايات المتحدة الأمريكية تسعى سعياً مضطرماً إلى فهم طبيعة العقل العربي ، وهذه الطبيعة لا يتسنى الحكم عليها إلا بفهم لغتها وأنظمتها التعبيرية والتركيبية.لذا لا نجد غرابة في انتشار المراكز والمعاهد وأقسام علمية بالجامعات الأمريكية تبذل جهوداً واضحة ومضنية في تعلم وتعليم اللغة العربية والثقافة العربية بوجه عام.
ولعل الأمريكيين استفاقوا بعد غفلة عن التطورات التي تحدث وتجري خارج قارتهم البعيدة، فوجدنا ثورة مستمرة في حث مواطنيها على تعلم اللغة العهربية ، ولم يعد غريباً ما سمعناه وقرأناه من قبل عن تخصيص الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش الابن مبلغ مائة وأربعة عشر مليون دولار لدعم برامج تعليم اللغات المهمة وأبرزها اللغة العربية .
ومما يزيد أمر اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية غرابة أننا لم نسمع شكوى الطلاب الأمريكيين من صعوبة اللغة العربية أو وجود معوقات تحول بينهم وبين اكتساب أنظمتها وقواعدها وبنيتها اللغوية، بل إن إقبال الطلاب بالمعاهد والمراكز المتخصصة بالجامعات الأمريكية على تعلم العربية يؤكد سهولة تعلمها ويسر طرائقها وأساليبها.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة الأمريكية إلى فهم ونشر وتعلم اللغة العربية نجدها بدأت في تنفيذ استراتيجية جديدة لمخططها في تطويق المنطقة العربية مصر على وجه الخصوص عن طريق ما عرف بالمنظمات والجمعيات الأهلية التي ما هي إلا أوكار لجمع المعلومات المتعلقة بالشأن المجتمعي في مصر . وهذه المنظمات أفرزت لدينا مصطلحات ومواضعات غريبة وافدة على المجتمع المصري وليست لها صفة الخصوصية المصرية ، مثل كلمة ناشط ، وتقييم مرحلي ، والتنمية المستدامة ، والمشورة السياسية .
وكما أفرزت لنا هذه المنظمات والهيئات مصطلحات غامضة على الوعي الجمعي للمصريين ، أفرزت لنا مجموعة من الشباب الممسوخ والمنسلخ أيضاً عن ثقافة المجتمع المصري العربي في عمومه ، وكثيراً ما وجدت شباباً كنت أعرفهم وقت دراستهم الجامعية وقابلتهم بعد عملهم في هذه المنظمات والهيئات فوجدهم لا ينتمون إلى هموم هذا المجتمع الذي يعاني من أمور أكثر حدة من قضايا التنمية المجتمعية والسياسية تلك التي يدعونها ، فهم يتكلمون ويتحدثون ويفكرون أيضاً من منطلق قاعدة الولاء لمن يدفع أكثر .
وحقيقة الأمر إن المرء حزين لضياع الأموال الأمريكية التي خصصت لتوجيه العقول المصرية نحو غايات ومقاصد مشبوهة لا يعلمونها ورغم ذلك تفشل المساعي غير الحميدة الأمريكية والأدلة كافية للتأكيد على هذا الفشل ، فحجم الإنفاق على مشروعات التعليم والتنمية المستدامة وكافة مشروعات تضييق الفكر التي طبقت في مصر لم تنجح في إجهاض حركة التثوير التي قامت ضد نظام مبارك السياسي ، بل واستطاع هؤلاء الثوار أن يلقنوا الولايات المتحدة درساً قاسياً منذ جمعة الغضب بدليل النداءات السياسية المتكررة من جانب هيلاري كلينتون والرئيس الأمريكي نفسه باراك أوباما بضرورة إحداث إصلاحات سياسية وتعميق وتعزيز الإجراءات الديموقراطية في مصر .
وهذه الإطلالة التلفازية لهما هو خير دليل على أن فشل المؤامرات الأمريكية دفعتهما دفعاً للوجود داخل كادر الصورة من جديد ، ولم يعيا أن المشروعات التنموية المستترة خلف مؤامرة تخريب فكر المجتمع المصري للسيطرة عليه لصالح الكيان الصهيوني، وبث مجموعة من النظريات والأفكار والتوجهات التي تخدم مصالح دول أخرى أصبح من جم همها تقويض هذا الوطن ولكن هيهات لأن أبناء هذا الشعب رغم محاولات النظام السياسي البائد في تغييبه إلا أنه استطاع الوقوف بشموخ أمام كل المحاولات التي تسعى لتقويضه اجتماعياً وسياسياً ودينياً .
ومن المضحك أن تصدق الولايات المتحدة الأمريكية نفسها حينما تدعي أنها نموطة بتكريس مفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة لدى المصريين في ظل نظام سياسي بائد أمكنه سحق المصريين فكرياً واقتصادياً وقمعه سياسياً طيلة ثلاثة عقود ، لذا فهو ـ أقصد المجتمع المصري ـ لم يكن ساعتها مؤهلاً لقبول أية منجات سلعية جديدة تثقل من كاهله ، بل يمكننا أن نرصد ظاهرة التفاوت في الأجور والتي كان سببها تلك المؤامرات الفاشلة حيث كان يتقاضى العاملون بالمشروعات الممولة أمريكياً أضعاف ما يأخذه مجموعة من علماء هذا الوطن الذين نسوا العلم ونظرياته بفضل سياسات مبارك التعليمية والتي أخرجتنا منذ سنين من السباق المعرفي .
وكم هو عجيب أن نرى الولايات المتحدة الأمريكية تحدثنا عن مدن وأقاليم المعرفة ، في الوقت الذي كان نظام مبارك السياسي يجاهد في تغييبنا عن المشهد السياسي والثقافي ، ولا يمكن حصر عدد الندوات وورش العمل المشبوهة التي أقامتها عشرات الجمعيات ذات الصبغة الأمريكية عن أهمية وجود مدائن كاملة تدار لاستثمار المعرفة الإنسانية ، الوحيد الذي طبق الفكرة بامتياز كان الحبيس أحمد نظيف الذي قرر أن تكون له حكومة تكنولوجية وقرية ذكية إليكترونية في الوقت الذي كان فيه المواطن المصري يبحث عن غطاء يقيه برد الشتاء .
الكارثة الحقيقية التي لم يفطن لها المصريون حتى الآن هي تغلغل هذه المؤامرات المشبوهة داخل الصناديق التابعة لرئاسة مجلس الوزراء ، لأن المجلس نفسه مشغول بصندوق واحد هو رعاية مصابي وشهداء ثورة يناير ، بينما ترتع بقية الصناديق مستمرة في تنفيذ أجندات أجنبية أمريكية كان سمسارها الأول الدكتور أحمد نظيف ، وينبغي الآن ينبغي لرئيس حكومة الإنقاذ الوطني أن يقوم مباشرة الآن بفتح ملفاتها السرية والتي تعج بالحكايا والأسرار والأمور الخفية عن الشارع المصري ، المهموم حالياً بقضية الانفلات الأمني وقضية الإصلاح السياسي المتمثل في الانتخابات البرلمانية والدستور الجديد .
لكن هذه الصناديق بحاجة إلى إعادة النظر لما تتضمنه من أمور مشبوهة أو بلغة أكثر رقة عمليات تستدعي إعادة التفكير في سياساتها وإجراتها التخطيطية والتنفيذية ، وعلى المهتمين بالأن الحقوقي المصري أن يفتحوا هذه الملفات لمعرفة الأيادي الأجنبية المشاركة في خفية في إدارة هذه الصناديق دون مرأى ومسمع من حكومة الإنقاذ ، إن أرادوا بحق إنقاذ هذا الوطن وحماية مقدراته .
ولكن في ظل مسلسل سقوط المؤمرات الأمريكية المشبوهة لتطويق هذا الوطن ، ماذا تخبئ لنا جعبة المؤامرات في ظل التصاعد الديني والمد غير الطبيعي للأحزاب السياسية ، هل وقتها ستقوم الولايات المتحدة بإنشاء مبادرة جديدة تتعلق بالمسجد والدعوة وتطبيق استراتيجيات تكنولوجية حديثة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ ....
الدكتور بليغ حمدي إسماعيل
اشتراكك في خدمة أخبار المصريون العاجلة على الموبايل يصلك بالأحداث على مدار الساعة
لمشتركي فودافون : أرسل حرفي mo إلى 9999 ـ الاشتراك 30 قرشا لليوم
لمشتركي اتصالات : أرسل mes إلى 1666 ـ الاشتراك 47 قرشا لكل يومين (23.5 قرشا لليوم)
اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
أرسل التعليق
تعليقات حول الموضوع
مصر
محمد الشيمي | 12-02-2012 23:00
فالله خيراً حافظاً وهو أرحم الراحمين
وضعت يدك على الجرح انتى والاستاذ خالد
ام مصريه | 12-02-2012 22:12
اعنكم الله على فضح كل من يمولهم بلمعلومات المغلوطه اعجنى جدا مقالكم الرائع وتعليق الاخ خالد جزاكم الله خيرا واكثر من امثالكم ولا اجد ما اقوله فقد لخصتم واصبتم ولكم جزيل الشكر
الله يكرمك
خالد | 12-02-2012 16:46
مقال ممتاز ويجب الا ننسى ايضا مصادرهم المعلوماتية سواء كانو صناع قرار او رأى عام - المستشرقين و كتبهم - ملفات وتقارير الاحتلال الاوروبى لبلادنا - خبراء و متطوعى الموساد - الكنائس المتصهينة - عصابات المرتزقة من بلادنا (بغض النظر عن الديانة) .... الخ فمن أين للامريكان فهمنا على حقيقتنا و التعامل مع قضايانا بالعدالةاذا كانت افتراضاتهم كلها مبنية على ذلك و اذا كان تاثيرنا و تمثيلنا عندهم متضائل و مفتت على احسن التعبيرات



ساحة النقاش