د. جابر قميحة | 10-02-2012 15:09
لا يستطيع أحد ــ بأية حال ــ أن ينكر أن الثورة المصرية فى يناير 2011 من أعظم الثورات فى التاريخ كله ، لأسباب أهمها :
1- أنها جاءت متسمة بالعفوية والمصداقية والاستجابة لروح الشعب المصرى الأصيل الذى عانى الظلم والقهر والفقر والفساد والضياع طيلة ثلاثة عقود فى عهد مبارك الفرعون المخلوع .
2- أنها كانت نموذجًا لثورات هبت فى شعوب تتطلع للحرية والتخلص من ظلم حكامها كما حدث فى تونس وليبيا ، ويحدث الآن فى اليمن وسوريا التى ستشهد مصرع الطاغية التافه ( بشار الأسد ) ، وليس فيه من البشرى شىء ، وليس فيه " من الأسدية " ملمح واحد إلا ما ورثه عن أبيه القاتل الخائن السفاح .
3- أنها رصد لقيمة أزلية لا تنقض ولا تهون ، وهى أن البقاء للأصلح ، وأن دولة الظلم ساعة ، ودولة الحق والعدل إلى قيام الساعة .
*********
ومن القواعد الاجتماعية المشهورة أن الشعب يقوم بثورة لكى يبنى ويعمر ، ولكن الخطورة كل الخطورة أن يعيش الشعب حياته بعد ذلك فى ثورة ؛ لأن هذه الديمومة قد تؤدى إلى الخراب ، أو على الأقل تفرغ الثورة من هادفيتها ، ومضمونها الإنسانى اجتماعيا وسياسيا . فبعد مرحلة الثورة تأتى مرحلة " الدسْترة " ، أو التقنين .
فإذا ما اقتربنا أكثر إلى ثورة يناير 2011 أجمعنا على أنها من أعظم ثورات التاريخ كما أشرنا آنفا . ولكن المؤسف حقا أن نلاحظ أن حركة الشباب الثائر يعيبها :
1- التطرف وتحكيم العاطفة أكثر من التقدير العقلى ، وكان من الممكن أن يحكمنا مزيج إنسانى من العاطفة والعقل وتقدير المفهوم ، وأبعاد المستقبل
2- استعمال سلاح التخريب ، أو على الأقل السماح للمندسين والمخربين أن يكون لهم مكان فى صفوفهم . وقد شاهدنا الحرائق التى أضرمت فى مبنى المجمع العلمى ، ومبنى مصلحة الضرائب . وقد استبد بى الحزن الأليم وأنا أرى شابا لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره وهو يلقى كراتٍ مشتعلة على مصلحة الضرائب ، فلما علت النار بلهيبها رأيناه يرفع إصبعيه بعلامة النصر ، وأخذ يرقص فى سعادة غامرة .
3- الإصرار على حرمان القائمين على أمور الدولة مثل مجلس الشعب ورئيس الوزراء من منحهم فرصة لتحقيق برامجهم .... وغير ذلك كثير .
وأكرر أن هذا لا يعنى نقض تقديرى لقيمة الثورة ، وإغفال القيمة الكبرى لدماء الشهداء . وندعو بشدة إلى الأخذ بثأرهم ممن قتلوهم .
*******
وقد سألنى أحد الصحفيين ماذا تقول فى الوضع الذى نعيشه برمته ؟ قلت له : إننا نعيش أيام الفتنة التى حذرنا منها القرآن فى قوله تعالى " وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) " . الأنفال . والفتنة تعنى الاضطراب ، وبلبلة الأفكار،والعذاب والضلال ، ويطلق على الشيطان " الفتان " وقد جرَّم القرآن فتن المسلم أى صرفه عن دينه إلى الضلال والفساد فقال تعالى : ".... وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ... " البقرة 191 .
وفى الآية الأولى نلاحظ ما يأتى :
1- أن المسلم مطالب بــ " اتقاء " الفتنة أى حماية نفسه ابتداء منها ، ومن أية آلية تقود إليها ، ومقاربة ما يوقع المسلم فيها كما نجد فى قوله تعالى : "وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) الإسراء " فالمنهى عنه الزنا ، وأية وسيلة تقود إليه .
2- أن الآية الأولى تحدثت فى الآثار الضارية التى تخلفها الفتنة ، فهى لا تصيب الظالمين الفاسدين فحسب ، بل يمتد لهيبها لتأكل غيرهم ، لأنهم كانوا سلبيين فى التعامل معهم .
وفى النهاية ندعو الله سبحانه وتعالى أن يمكننا من اتقاء الفتنة ، ويكون يدا لنا على كل ظالم فتان ، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه .
" رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) " آل عمران .
[email protected]
نشرت فى 10 فبراير 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش