-----------------------
الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر
-----------------------
عبد العزيز بن محمد القنام
وادي الدواسر
27/3/1426
جامع النويعمة القديم
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- الموعد المحتوم. 2- لا يعلم الآجال إلا الله. 3- الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. 4- ثمار الإيمان بكتب الآجال. 5- الحرص على حسن الخاتمة والتحذير من سوئها.
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وأعدوا للموعد المجهول عدَّتَه، يقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].
عبد الله، إن لك يوما موعودا مع الملك. نعم، الملك وهو الذي يجيئك على غَفلة بدون تحديد موعد، وإنما في يوم موعود، أتدري من هو هذا الملك؟! إنه ملك الموت.
فلا شيء مِما ترى تبقى بشاشته...يبقى الإله ويفنى المال والولد
لَم تغنِ عن هرمز يوما خزائنه...والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تَجري الرياح له...والإنس والجن فيما بينها ترد
أين الملوك التي كانت لعزتها...من كل أوب إليها وافد يفِد
حوض هنالك مورود بلا كذب...لا بد من ورده يومًا كما وردوا
يا عبد الله، ماذا لو قيل لك: إن جنديًا من جنود الملك سوف يأتيك في موعد محدّد لا محالة، فإن وجدك على ما يرضي الملِك سوف يأخذك لقصور وزوجات ونعيم، وإن وجدك على ما يغضِب الملِك أخذك للسجن والأغلال والعذاب المهين؟! فإذا قلت: متى الموعد؟ قيل لك: الموعد مجهول، لا نحدّده لك وإن كان عندنا محدّدا، فكيف يكون حالك؟! ألا تراقب نفسك حتى في المنام رغبة في النعيم وخشية من العذاب؟!
يا عبد الله، اعلم أن لك موعدًا لن تخلَفه، هذا الموعد مجهول بالنسبة لك، معلوم عند علام الغيوب، حدّده اللطيف الخبير منذ خلَق القلم فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ثم كتب عند الملائكة مع أوّل عهدك بالحياة وأنت في بطن أمك، يوم أن نفخ فيك الملك الموكل بالروح، وأُمر بأربع كلمات، أخرج ذلك الإمام البخاريّ عن عبد الله بن مسعود قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ))، هذا الموعد لا بد لك منه، أخبر بذلك من لا يخلف الميعاد بقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]
يا عبد الله، هذا الموعد المجهول في حياتك موعد الأجل فيه محدّد بدقة متناهية، بأصغر أجزاء الوقت، وإذا جاء الموعد وحضر الرسول لمهمة انتقالك من هذه الدنيا لحياة البرزخ فإنه لا يتأخّر ولو جزءًا من الثانية، ولا يتقدم، أخبر بذلك من حدّد هذا الوقت جل شأنه بقوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، ويقول: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [فاطر:45].
يا عبد الله، إذا أيقنت بأن هذا الموعد قد حدّده الذي خلقك وأنه لا يستطيع خلق من الإنس أو الجن أو غيرها مهما بلغت قوته ومهما عظم سلطانه ومهما كانت مكانته أن يقدّم أو أن يؤخر في هذا الموعد كنت إنسانًا قويًا في الحقّ لا تخشى لومة لائم، آمَن بذلك إبراهيم فتحدّى قومَه فألقوه في النار، ولما لم يحضر الأجل ولم يأتِ الموعد خرَج منها سالمًا معافًى بقدرة الله وبتأييد الله، آمن بها موسى، فرجع إلى الذين فرّ منهم قبل الرسالة خشيةَ القتل، رجع إلى فرعون في ملكه وصولجانه وعسكره ليدعوه للتوحيد ويقذف في وجهه بالحجج الدامغات، فظن فرعون بغروره وجهله وسفاهة رأيه أن أجلَ موسى ومن معه بيده، فأراد أن ينهي أجلهم وأن يأتي بالموعد المجهول، فكان في ذلك حتفه وهلاكه، وعاش موسى ومن معه بعده، وآمن به حبيبنا ورسولنا محمد ، فما هاب قريشا وتهديدَهم له بالقتل، بل لما أرادوا تنفيذ ذلك أذلهم الله بأن خرج خير الورى يمشي من بينهم ويحثو على رؤوسهم التراب، وآمن به خالد بن الوليد فشرِب السم الزعاف فما أضرّه، والقائمة تطول، وليس الهدف من ذكر هذه النماذج ـ أيها الأحبة في الله ـ أن لا يأخذ العبد بالأسباب، فنحن مأمورون بذلك، ولكن الهدف تقوية الإيمان وتثبيت اليقين بأنه موعد محدّد، لا يملك أحد من البشر تقديمه أو تأخيره.
يا عبد الله، كم من مسافر ركب الطائرة وهو يمنّي نفسه بالوصول للمحطة التالية فجاءه الموعد المجهول قبل وصوله، وتحطمت الطائرة فوصل للمحطّة ولكن جثّة هامدة محمولة على الأعناق، كم من راكب قطار عاينَ المحطة التي يقصدها بعينه، ثم إذا بالقطار ينحرف عن مساره ويحضر الموعد المجهول، فتغمض تلك العين فلا ترى بعد ذلك من الدّنيا شيئا، كم من زوجٍ ودّع زوجته عند باب المنزل وطلَب منها أن تصنع له طعامًا معيّنًا على العشاء، فصنعت الزوجة واستعدّت لاستقبال زوجها ليذوق طعامها، ولكنه عاد بفم مغلَق عن طعام الدّنيا بأسرها، عاد جثة هامدة ليعلن أنّ الموعد المجهول قد حضر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:19-22].
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، أحمده كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله.
أما بعد: فيا عبد الله، هذا الموعد قد ضرِب، وهذا الأجل قد حدِّد، وأنت لا تعلم متى يكون، فماذا أعددت له؟! أما علمت أن من مات على شيء بعث عليه؟! أخرج الإمام أحمد عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ((مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ))، فمن مات وهو ساجد بعث وهو ساجد، ومن مات وهو يتلو القرآن بعث وهو يتلو القرآن، ومن مات وهو يذكر الله بعث وهو يذكر الله، وفي المقابل من مات وهو يزني بعث وهو يزني، ومن مات وهو يغنّي بعث وهو يغني، ومن مات وهو يدخّن بعث وهو يدخّن، ومن مات وهو يتعاطى المخدّرات بعث وهو يتعاطى المخدرات، وكم من رجل بينما هو يقلّب بصره في فاتنات القنوات الفضائية جاءَه الموعد المجهول ليختم حياته بتلك المعصية، كم من شابّ خرج ومعه مومسة من المومسات أو فتاة غرّر بها، وبينما هو في قمة رذيلته جاءه الموعد المجهول ليفضَح في الدنيا هو ومن كانت معه، ويوم القيامة يفضح على رؤوس الأشهاد، كم من فتاة ضحّت بعرضها وشرفها وشرفِ أهلها من أجل شهوة عابرة، فجاءها الموعد المجهول فماتت وهي في قمّة خطيئتها، كم من زوجة خانت زوجَها فأدخلت رجلا على فراشِه، فجاءه الموعد المجهول فمات في بيتِها لتضبطَ متلبّسة بجريمتها، أو جاءَها الموعد المجهول فماتت في أحضان رجل عِربيد فاسق، وستبعث على ما ماتت عليه، والقائمة تطول.
فاحرص ـ يا عبد الله ـ أن يأتيك الموعد المجهول وأنت على طاعة لربك، فتفوز والله فوزًا عظيمًا، واحذر أن يفجأك الموعد وأنت على معصية وذنب، فتخسر خسرانًا عظيمًا.
يا عبد الله، لا تكن كذاك الذي جاءه الموعد المجهول فأخذ يصيح ندمًا وحسرة بما لا ينفعه، يقول سبحانه في وصف ذلك الجهول: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:100- 103].
لا تكن كمن فرط فما جاءه الموعد المجهول طلب التأخير فقد حثك ربك على أن لا تكون مثله بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلا دُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11].
فيا أخي الحبيب، إني أدعوك من هذه اللحظة أن تتوب وتنخلع من ذنوبك في هذا المكان المبارك، فإنك لا تدري أتصل لبيتك سالمًا أم لا، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50، 51].
نسأل الله تعالى أن يحسن الختام للجميع، اللهم أبرد لاعج القلب بثلج اليقين، وأطفئ جمر الأرواح بماء الإيمان، اللهم ألق على العيون الساهرة نعاس أمَنة منك، وعلى النفوس المضطربة سكينة، وأثبها فتحا قريبا، يا رب اهد حيارى البصائر إلى نورك، وضلال المناهج إلى صراطك، والزائغين عن السبيل إلى هداك...
المصدر: المنبر
نشرت فى 9 فبراير 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش