د. ياسر صابر
1/5/2012
لقد إنتشرت فى الغرب فكرة التمويل الإسلامى „Islamic Finance" وقامت بنوك كبيرة بتبنى هذه الفكرة حتى أن معظم البنوك الغربية قد قامت بالفعل بتعيين مسئولين عن هذا النوع من التمويل فى كل فروعها ويأتى فى مقدمة هذه البنوك البنك الألمانى "Deutsche Bank" والبنك الأمريكى " Citibank" والبنك البريطانى " HBSC" وأصبح هناك مختصون فى هذه البنوك بما يسمونها "المنتجات الإسلامية" وحسب تعريفهم فإنها منتجات تتفق مع الشريعة الإسلامية ، فمثلاً لايدخلون فى مشاريع تتضمن خمورا أو أسلحة أو قماراً أو ماشابه ذلك.
لقد إزداد الحديث والدعوة إلى هذا النوع من التمويل فى الغرب خاصة بعدما ضربت الأزمة الإقتصادية جذورها فى عصب الإقتصاد الرأسمالى فى عام 2008 .
فما حقيقة التمويل الإسلامى ؟ وهل تبناه الغرب عن قناعة أم أن المسألة هى إلتفاف على أموال المسلمين؟
وللإجابة على هذه التساؤلات نعود قليلاً إلى الوراء وتحديداً منتصف عام 2008 ، حيث ضربت الأزمة الإقتصادية كل مفاصل الحياة فى الغرب ، وحاولت الأنظمة الغربية تجاوزها بشتى الطرق إلا أن كل معالجاتهم كانت بمثابة صب الزيت على النار . وأيقن أهل الإقتصاد أن المشكلة تكمن فى النظام نفسه ولهذا نظروا للمسألة من ناحية إقتصادية بحتة وطالبوا السياسيين بتطبيق الإقتصاد الإسلامى لأنه يضمن حل هذه المشاكل ، وقد كان الرد الذى أتى من أهل السياسة كما هو متوقع : أنه لايمكن لهم أن يطبقوا نظاماً إقتصادياً لاينبثق عن عقيدتهم أى عقيدة فصل الدين عن الدولة ، لأن هذه فى وجهة نظرهم مخالفة مبدئية لايجوز لهم الوقوع فيها.
وبسبب الخوف من فقدان الثقة فى قدرة البنوك على الوفاء بإلتزاماتها سارعت الحكومات الغربية بضخ أموال لتجنب هذه الأزمة مع علمهم التام أن هذا ليس بحل للمشكلة ، ثم بدأت الحكومات بتعهدها بضمان حقوق المودعين بنسبة مائة بالمائة من حجم ودائعهم ليس هذا فحسب بل إضطرت الحكومات الغربية بإتخاذ إجراءات غريبة على المبدأ الرأسمالى ألا وهى التأميم حتى تنقذ بعض المؤسسات المهددة بالإفلاس.
ومع أن مسألة التمويل الإسلامى قد بدأت فى الغرب قبل تفاقم الأزمة الإقتصادية عام 2008 إلا أنه مع سوء الأوضاع الذى صاحب هذه الأزمة أصبحت الحاجة ملحة لجذب رؤوس أموال من خارج البلاد ، وهنا بدأ الزخم الدعائى عن التمويل الإسلامى يزداد لعلم الغرب أن المسلمين يبحثون عن المعاملات الحلال ولعلمهم بتركز أموالٍ كثيرة بترولية فى أيدى المسلمين . وبالفعل إستطاع الغرب أن يجلب رؤوس أموال ضخمة من العالم الإسلامى لإنعاش إقتصاده وبالتالى إستطاع ببرجماتيته أن ينعش مؤسساته المالية ويُجَّنِب بعضها الإفلاس .
إن مايسمى بالتمويل الإسلامى قد بلغ حجمه فى العالم مايزيد عن تريليون دولار والإقبال عليه يبين بما لايدع مجالاً للشك رغبة المسلمين فى أن ينظموا كل معاملاتهم حسب الشريعة ، وبصرف النظر عما إذا كان هذا النوع يتفق مع الشريعة أم لا ، إلا أنه لاينكر أن الدافع الذى دفع المسلمين لإستثمار أموالهم فى هذا القطاع هو حبهم للإسلام وحبهم التقيد بأحكامه.
إن ماأجمع عليه أصحاب شركات توظيف الأموال فى مصر فى ثمانينات القرن المنصرم أنه لايمكن تطبيق إقتصاد إسلامى بدون دولة تطبق الإسلام إبتداءً يلتقى مع رأى الساسة الغربيين الذين رفضوا تطبيق النظام الإقتصادى الإسلامى لعلمهم أنه لايمكن تطبيق أفكار جزئية دون أساسها الكلى الذى تقوم عليه ، بكلمات أخرى لايمكن تطبيق إقتصاد إسلامى فى دولة مقياس الأعمال فيها هو المنفعة ، فكيف يقرض الرأسمالى ماله دون فائدة ، فهذا مستحيل ، لهذا لايمكن تطبيق إقتصاد إسلامى منفصل عن عقيدته ، وهذا مايؤكد أيضاً أن مسألة التمويل الإسلامى فى العالم الإسلامى ماهى إلا محاولة لأسلمة الإقتصاد الرأسمالى - وإن كان أصحابها صادقون فى نواياهم - فلايكفى أن نقوم بنفس المعاملات التى أتى بها النظام الإقتصادى الرأسمالى ثم نستثنى منها الأشياء التى حرمها الإسلام كالتعامل بالخمر أو القمار حتى تصبح إسلامية ، لأن المعاملات فى الإسلام قد حددها الشرع .
نعم إن النظام الإقتصادى فى الإسلام هو القادر على التدبير الصحيح لأمور المال دون حدوث أزمات تهدد المجتمع إلا أن هذا النظام يحتاج إلى دولة تطبق الإسلام إبتداءً حتى يكون تطبيق النظام الإقتصادى قائم على الأساس الفكرى الذى يقوم عليه المجتمع ولايؤخذ منفصلاً عن عقيدته ، لأن هذا هو الذى يضمن تطبيقه. فعلى الساعين لجعل النظام الإقتصادى فى الإسلام موضع التطبيق عليهم أن يسبقوا هذه الخطوة بإقامة دولة الإسلام التى تطبقه وعندها فقط نستطيع أن نقدم الإسلام كبديل حضارى للغرب ليطبقوه كاملاً دون أن نعطيهم أموالنا ليرمموا بها نظامهم المتهاوى.
[email protected]



ساحة النقاش