-----------------------
العلم والدعوة والجهاد
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
-----------------------
سعد بن سعيد الحجري
أبها
جامع آل غليظ
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- ضرورة العمل على الإصلاح. 2- بغض المنكرات وأهلها ومجالسها أول سبيل محاربتها. 3- المنكر ينكر باليد واللسان والقلب، كل بحسبه. 4- عقوبة الله في ترك إنكار المنكر. 5- آداب تغيير المنكر.
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها المسلمون، اتقوا الله الواحد الأحد القيوم الصمد الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولد ولم يكن له كفوًا أحد، وانظروا ما قدمتم لغد: فإن الأعمال تحصى وتعد، فكونوا ممن عمل صالحًا وجدّ، وزرع الطاعات فحصد، ولا تكونوا ممن عن الحسنات صدّ، ولطريق الخير سدّ، وللأمر بالمعروف ردّ، وللمنكر نشر ومدّ، واعلموا أننا أمة الإصلاح؛ إصلاح النفس بالتقوى لنكون من أهل الجنة وننجو من النار، وتقبل منها الأعمال، فإن الله لا يتقبل إلا من المتقين، وإصلاحها بالمراقبة لنعبد الله وكأننا نراه ونتقن ما يحبه ويرضاه، فإن للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، وإصلاحها بالمحاسبة لتزداد من الخير وتحذر من الشر فإن اليوم عمل ولا حساب. وغدًا حساب ولا عمل، وإذا صلحت النفوس صلحت الأسر، وإذا صلحت الأسر صلحت المجتمعات، وصلاح المجتمع دلالة على الخير، والله يخلق ما يشاء ويختار. ولا يختار إلا الأخيار، وصلاح المجتمع أمن من العذاب وسعادة في الدنيا وسعادة في الآخرة يقول تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]، فإصلاح الناس سلامة من لعنة الله، فالمصلحون هم الذين أصلحوا وبينوا، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159، 160]، وصلاح المجتمع قوة وتعاون وتآلف وإيثار حتى يكون كالجسد الواحد وكالبنيان الذي يشد بعضه بعضًا، يقول : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) وصلاح المجتمع يحتاج إلى وقايته من المنكرات ووقايته من المنكرات مسئولية جميع الفئات: الصغار والكبار الذكور والإناث، الرعية والرعاة، فبالوقاية من المنكر تفتح أبواب الخير وتغلق أبواب الشر وتنتشر الفضيلة وتزول الرذيلة ويظهر الحق ويمحق الباطل، فالمنكر عامل هدم للأسر والجماعات وعامل إفساد للأمم والشعوب وعامل خسارة في الدنيا والآخرة، واسمه يدل على جسمه فهو كل ما قبحه الشرع فجعله قبيحًا في القول وقبيحًا في الفعل وقبيحًا في التعامل، وأهله من المقبوحين، وهو كل ما حرمه الشارع الحكيم فجعله ممنوعًا لما فيه من الضرر في النفس، والضرر في المال، والضرر في الأهل، والضرر في المجتمع، والضرر في الدنيا والآخرة.
وحتى نتقي هذا القبح ونسلم من هذا الضرر فإنه ينبغي أن نعالج المنكر بعدة أمور، منها :
بغض المنكر وكراهيته لأن الله أبغضه ونهى عنه وتوعد أهله بالعقوبة، وبغضه يكون بوقاية النفس منه حتى لا تقع فيه، وأما إذا وقع فيه فيكون بالندم على فعله واقتلاعه من جميع الجوارح والعزم على السلامة منه وسدُّ أبوابه.
ويعالج المنكر كذلك ببغض أهله الذين اتبعوا الأهواء والشهوات وضلوا بالشبهات، وتركوا أوامر الله ووقعوا في نواهي الله وتشبهوا بأعداء الله فبغضهم من عقيدتنا السمحة لأن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله و ((من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان)).
ونعالجه أيضًا ببغض مجالسه لأنها مجالس غضب يوشك أن تنزل عليها العقوبة، ومجالس شيطان يعقد رايته فيها، ومجالس إفلاس وحسرة وندامة لخلوها من ذكر الله تعالى، وفي الحديث: ((من جلس مجلسًا لم يذكر الله فيه إلا كان عليه تِرة)) أي: حسرة وندامة يوم القيامة، وفي رواية: ((إلاّ تفرقوا من على مثل جيفة حمارٍ)) وقد نهانا الله تعالى أن نجلس في مجالس المنكر فقال عز وجل: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140]، وقد وصف عباد الرحمن أنهم إذا مروا باللغو مروا كرامًا، وورد عند البخاري أن زيد بن أرقم سمع عبد الله بن أُبيّ في أحد مجالسه يقول: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، يقصد بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله عياذًا بالله من قوله، فقام من المجلس وأخبر عمه بذلك، وأخبر عمه رسول الله فنزلت الآية: يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [المنافقون:8]، فعلى المسلم أن يهجر مجالس المنكر ويهجر أهلها ويستبدلهم بمن هم خير منهم.
وقد أُرشد الذي قتل مائة نفس بهجر مجالسه وتغييرها بمجالس الصالحين فتاب الله عليه، وقد قال لقمان الحكيم لابنه: "يا بني إذا جئت إلى مجلس قومٍ فاسمع ما يقولون فإن كان خيرًا فاجلس، وإن كان غير ذلك فارحل".
ويعالج المنكر بإنكاره باليد لإزالته بالكلية ومنع الناس منه، وهذا للأمراء الذين يتولون أمر الرعية ولديهم السلطة، والأولياء وهم الآباء والأمهات والإخوان في منازلهم، ولهم ثواب التغيير وزوال المنكر، وعليهم إثم بقائه لأنهم رضوا به مع القدرة على إزالته.
وقد شرع الإسلام الأحكام الشرعية لبيان التغيير باليد فشرع وأمر بالقصاص لمن قتل عمدًا حتى تسْلم النفوس قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياةٌ يأُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179]، وأمر بحد الزنا، على من انتهك عرضًا حتى تسْلم الأعراض، وأمر بحد السرقة على من سرق مالاً حتى تسْلم الأموال، وأمر بحد الخمر على من سكر حتى تسْلم العقول، ولو لم تُغير هذه المنكرات باليد لاستفحل الشر وانتشر الفساد.
ويعالج المنكر بإنكاره باللسان، وهذا للعلماء الذين تعلموا العلم وعرفوا الحق، وليس المراد بهم الراسخين في العلم فحسب، بل كل من تعلم علمًا فينكر به، وهذا يدل على أن مسؤولية طلاب العلم جسيمة، ويكون ذلك بالمواعظ والدروس التي يُذكّر بها الناس، فإن الله أمر بالتذكير فقال عز وجل: وَذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55].
والمواعظ للقلوب كالسياط للأبدان، تستيقظ بها وتتحرك بها وتسمع بها وتبصر بها، والعلم للقلوب كالغيث الذي يحييها وينبت فيها الإيمان فتسمع الحق وتعيه ثم تعمل به ثم تدعو إليه، وليعلم الدعاة أنهم بالدعوة أحسن الناس قولاً، وبها يكون من أهل الجمال والكمال والحسن والنضارة، وبها يكون من أكثر الناس أجرًا وبها يدوم عمله بعد موته فلا ينقطع، وبها يصلي عليه الرب تعالى وأهل سماواته وأهل أرضه، حتى النمل في جحرها والحيتان في بحرها.
ويكون الإنكار بإهداء الأشرطة النافعة التي تعالج عشرات المنكرات، وتبين الداء ثم تضع عليه الدواء، وقد نفع الله بالأشرطة كثيرًا من أهل المنكرات، فقد ورد أن امرأة كانت ترى ابنها يسمع الغناء ويقع في كثير من المنكرات وبذلت جهدها معه في دعوته وإصلاحه فأبى، فطلبت منه أمه أن يسافر بها إلى إحدى قريباتها، فوافق على شرط ألا تمنعه من الغناء فقالت: لك نصف الطريق تسمع فيه الغناء، ولي نصفه الآخر، فوافق على أن يبدأ هو فسافرت معه وهو يسمع الغناء وهي مشغولة بالذكر والدعاء.
فلما انتهى زمنه أعطته شريطًا من أشرطة الذكر يسمعه فلما سمعه استيقظ من غفلته وسمع كلامًا ما سمعه قبل ذلك فرقّ قلبه ودمعت عيناه وتاب على يد أمه وأصلحه الله وأصلح به، والسبب شريط، ولو أن كل واحدٍ منا أخذ كل أسبوع شريطًا بأربع ريالات وأهداه لأنكر به منكرات كثيرة، ودل به على طاعات كثيرة، ولنال بذلك أعظم الثواب.
ويكون الإنكار بدعوة أهل المنكر في أماكنهم فإن ذلك أجدى وأنفع، وقد مر شابٌ صالحٌ بشباب على رصيف يلهون ويلعبون، فلما رأوه سكتوا عن لهْوهم إلا واحدًا ضاق صدره به فلعنه، فما كأنه سمعها الشاب الصالح ونصحهم وبين لهم عواقب المنكرات ثم تركهم، وبعد زمن طويل لقيه رجل صالح فحياه وسلم عليه وقال: أتعرفني قال: لا، قال: أنا صاحب اللعنة هداني الله بموعظتك.
ويكون بإهداء الكتب النافعة أو المطويات القصيرة فإنها تحفظ الوقت وتغذي الروح وتطرد الشيطان وتوقظ القلب وتذكر بالرب وتحول دون الذنب، ويكون بالرسائل التي تصدر من القلب وتصل إلى القلب، وهي أرقّ في النصح وأصدق في العبارة، وأقوى في التأثير، وقد أرسل رسائله إلى الملوك والرؤساء فدعاهم إلى الله وأنكر ما هم عليه من الشرك.
ويعالج المنكر بالتذكير بعواقب المنكر فمن عواقبه: أنه تنكّر للعبودية فما كأنه عبدٌ لله والعبودية هي التي خُلق الإنسان من أجلها، وما سمي إلا بها، وهي حق الله تعالى عليه، وبها يتشبه بالملائكة، ويقتدي بالرسل ويتحرر من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، وهي الطريق إلى الجنة.
ومن عواقبه التنكر لنعم الله التي لا تعد ولا تحصى، وهي في السماء وفي الأرض وفي النفس، وهو بالمنكر كأنما ينكرها ويجحدها مع أنه لن يستطيع أن يؤدي شكر واحدة منها فكيف وهي بالمئات.
ومن عواقبه التنكر للآخرة إذ لا تخطر له على بال فما كأنه خلق إلا للدنيا ونسي أن من كانت الدنيا أكبر همّه شتت الله عليه شمله وفرّق أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله شمله ويسر أمره وجعل غناه في قلبه وجاءته الدنيا راغمةً، فأهل المنكر كأنما يُنكرون الآخرة بأعمالهم، ومن عواقبه أنه إثم عظيم تنكره الفطرة السليمة التي فطر الإنسان عليها، وهي فطرة التوحيد وفطرة الطاعة وفطرة الاستقامة على الطريق المستقيم وتنكره العقول السليمة التي تعقل الحق والصواب وتنعقل عن الباطل والعذاب، وينكره الكتاب الحكيم الذي يهدي إلى الطريق القويم ويأمر بالطاعة وينهى عن المعصية، وتنكره السنة التي ملئت بالأحاديث التي تنكر المنكر.
ومن عواقبه أنه نهى الله عنه ويجب أن ننتهي عنه وأن نقول سمعنا وانتهينا، لا أن نكون في جانب وهو في جانب بعيد فإن الله تعالى يقول: وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ [الحشر:7]، ويقول : ((وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)).
ومن عواقبه أنه معصية من المعاصي التي توجب ظلام القلب وسواد الوجه وضعف البدن ومحق الرزق وبغض الخلق، تستوجب غضب الرب، وتقود صاحبها إلى الانحراف والميل عن الصراط المستقيم، وإلى الاقتداء بالشيطان الرجيم، وهي سبب في ضياع العمر وضياع العمل وضياع الجوارح والهلاك في الدنيا والآخرة.
ومن عواقبه أنه صفة من صفات المنافقين إذ أول ما تسعر النار بهم لكثرة منكراتهم، وهم العدو الحقيقي، قال تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون:4]، وهم الملعونون الذين يستحقون اللعنة، قال تعالى: مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً [الأحزاب:61].
ومن عواقبه أنه سبب من أسباب العذاب في الدنيا قالت أم المؤمنين زينب بنت جحش: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون قال: ((نعم إذا كثر الخبث)) أي: إذا كثر الفسق والفجور والمنكر، وأول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن الرجل كان ينكر المنكر ويقول: اتق الله ولا تفعل كذا ثم رضي بالمنكر فآكله وشرب معه ولم ينكر عليه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وقال رسول الله : ((والذي نفسي بيده، لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)).
وفي بعض الآثار أن الله أمر جبريل أن يقلب قرية كذا على أهلها، فقال: إن فيهم عبدك فلانا! قال: به فابدأ فإن وجهه لم يتمعّر فيّ قط، أي: لم ينكر المنكر ولم يبغضه ويبغض أهله، وهو سبب من أسباب العذاب في الآخرة، ففي الحديث: ((يؤتي بالرجل يوم القيامة فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟!)) الحديث.
ومن عواقبه تسلط الأعداء علينا لأن الله وعدنا بالنصر والتمكين إن أَمْرنا بالمعروف ونَهينا عن المنكر وهذا يدل على أن تركه حرمان من النصر ومن التمكين في الأرض وتسليط للأعداء، قال أبو الدرداء: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطنّ الله عليكم سلطانًا ظالمًا، لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم وتدعون فلا يستجاب لكم، تستنصرون فلا تنصرون، وتستغفرون فلا يغفر لكم).
وقال عمر: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام)، وقد ورد أن أحد ملوك النصارى أراد غزو المسلمين فقال أحد مستشاريه: لا تغزهم حتى أنظر، فلما نظر وجد المنكر يُنكَر، فقال: لا تستطيع، فلما تُرك المنكر غزاهم وانتصر عليهم.
ومن عواقبه فساد القلوب وظلمتها وقسوتها وانتكاستها وإعراضها وفساد الجوارح وتعطلها عن الخير وانشغالها بالشر وفساد الأولاد وخراب البيوت فيخسر الإنسان بالمنكر نفسه، ويخسر ولده وأهله، ألا ذلك هو الخسران المبين قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه ثم توبوا إليه، إن ربي قريب مجيب.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونصلي ونسلم على سيد الأولين والآخرين، القدوة الأمين، وآله وصحبه المطهرين.
وبعد: اتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله سلوانكم في قبوركم، وأنيسكم في وحشاتكم، واعلموا أن المنكر كذلك يعالج بمعرفة فضائل إنكار المنكر إذ هو أمر الله، قال تعالى: وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]، وهو وظيفة الرسل عليهم السلام، والجنة عن طريقهم والفلاح في الاقتداء بهم، وهو من علامات الإيمان، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71]، وأهله هم خير الناس قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، وهو من أنواع الصدقة، فنهيك عن المنكر صدقة.
ويعالج المنكر بإنكاره بالقلب، وهذه أضعف درجة، وليس بعدها إيمان، والإنكار بالقلب واجب على كل مسلم لا يعذر به أحد، ولا ينكر إلا القلب الصالح الذي بصلاحه يصلح الجسد بفساده يفسد الجسد، والإنكار بالقلب يدل على الإيمان وعلى حب الطاعة وبغض المعصية، ويمنع من قول المنكر ومن سماعه ومن النظر إليه ومن الجلوس في مجالسه يقول : ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). ويعالج بالإخلاص، ومن ذلك أن رجلاً علم شجرة تعبد من دون الله تعالى فذهب ليقطعها وأخذ فأسه وذهب إليها، وفي الطريق اعترضه الشيطان وأراد أن يثنيه فأبى حتى انتصر على الشيطان وصرعه بإخلاصه.
ويعالج المنكر بالعلم الذي يقتضي العلم بالمنكر والأدلة على تحريمه والتحذير منه، فإن العلم نور والمنكر ظلام، والعلم طريق إلى الجنة والمنكر طريق إلى النار، والعلم صحبة للملائكة والمنكر صحبة للشياطين، والعلم رحمة والمنكر عذاب، والعلم سكينة والمنكر انحراف، والعلم مغفرة للذنوب والمنكر زيادة في الذنوب، والعالم كالطبيب وصاحب المنكر كالمريض، فعلى الطبيب أن يعالج مريضه ويعالج المنكر بالرفق، فإن الرفق ما وجد في شيء إلا زانه ولا فقد من شيء إلا شانه، والله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]. وقد أنكر على الأعرابي بوله في المسجد برفق، وأنكر على طالب الزنا برفق، فكانت الثمرة زوال المنكر واستقامة أهله.
ويعالج المنكر بالصبر والتحمل وعدم الانتصار للنفس، وهكذا كان فزال المنكر ودخل الناس في دين الله أفواجًا. فهلا عملنا على علاج المنكر لنؤدي الأمانة ونرضي الرب ونقتدي بالرسول ونحب للغير ما نحبه للنفس ونحرص على صلاح المجتمع ونأمن به من العذاب.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

المصدر: المنبر
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 107 مشاهدة
نشرت فى 27 ديسمبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,492